|
سياسة المماطلة
و التسويف و التنصل من الالتزامات و نقض الاتفاقيات سمة متأصلة لدى
الصهاينة اكتوى بها الفلسطينيون مراراً …هذا ناهيك عن عدم احترامهم
للتواريخ و تفسيراتهم الخاصة للمشاريع المطروحة بما يخدم هذه السياسة
الصهيونية و التي يهدفون منها خفض سقف المطالب الفلسطينية و ربما
التوقعات أيضاً ، و للأسف هذا ما نلمسه يتحقّق فعلاً على أرض الواقع
. و لعل تركيز المفاوضات الحالية على شروط و جدولة الانسحاب من
الأراضي التي أعيد احتلالها مؤخراً بمعزل عن إنهاء الاحتلال الهدف
الأساسي و ما نتج عنه و الذي رحل للمرحلة الأخيرة دلالة على هذا
النجاح للسياسة الصهيونية . و رغم المأزق الكبير الذي يعيشه هذا
الكيان بفعل المقاومة و رغم انكشاف هذه السياسة لكلّ من يعرف طبيعة
الصهاينة إلا أننا نلمس استمرارية النجاحات التي تحققها هذه السياسة
الصهيونية .
و من المؤسف أن
نلمس دوراً فلسطينياً لصالح استمرارية هذه السياسة الصهيونية مقصوداً
أو غير مقصود و لا ندري هل ذلك لجهلٍ بالسياسة الصهيونية أم بتجاهل
لها لاعتبارات و مبررات تساق لنا كالعادة و هو ما نرجّحه ، و هذا
الدور يتمثّل بالمواقف التي نتعرّض لبعضها هنا :
1- الموافقة
المستمرة على كلّ ما يطرح من مشاريع تسوية دون أيّ تحفّظ أو تدقيق أو
اعتبار للتجارب التفاوضية السابقة و التي كشفت السلوك الصهيوني في
التعامل خاصة عندما تتسم هذه المشاريع بالعموميات عندما يتعلق الأمر
بالالتزامات الصهيونية و بالتفصيل الممل عندما يتعلق بما يترتب على
الفلسطينيين مما يتيح للصهاينة تفسير ما عليهم بما يرونه يحقّق
مصالحهم و إمكانية استغلال أبسط التفصيلات المطلوبة من الفلسطينيين
للمماطلة و ربما نسف العملية برمتها ، و لعل أكثر القضايا سخونة
اليوم قضية الأسرى في سجون الاحتلال توضح ذلك بجلاء ، فهذه القضية لم
تذكر في خارطة الطريق ، و لكن الفلسطينيين اعتبروها واردة تلقائياً
بحكم أن الخطة تطلب من الصهاينة القيام بخطوات مساعدة و كذلك لإشارة
الخطة لتنت و ميتشل ، إلا أن الصهاينة لا يعتبرون ذلك و يقولون إنهم
يتعاملون مع ملف الأسرى إظهاراً لحسن نيتهم رغم كونها ليست التزاماً
عليهم و من هنا يعتبرون (من و كم و متى و كيف) هم أصحاب القرار فيه ،
و المتابع لا شك يرى ما يدور حول هذا الملف اليوم بسبب تجاوز
الفلسطينيين لعدم ذكره بوضوح .
2- إعلان
المفاوض الفلسطيني عن خيار المفاوضات كخيارٍ وحيد أمام الفلسطينيين
لتحصيل ما يمكن تحصيله الأمر الذي فتح الباب أمام الصهاينة للتمادي
في سياستهم و تعاليهم في إملاء الاشتراطات و التحكم بعملية المفاوضات
برمتها، هذا بجانب عدم تنازلهم عن خياراتهم الأخرى و المتمثلة
بالعدوان بكلّ أشكاله ، و لعل الإعلان من النرويج عن موعد الاجتماع
الأخير و موعده و تأخر الفلسطينيين عن تأكيده بعدما كانوا قد أعلنوا
عدم وجود موعد بعد يشير لما أسلفنا .
3- قبول
التعامل في المفاوضات مع الأولويات الصهيونية و تحقيق التقدّم فيها
دون إحراز أي شيء حقيقي فيما يخص الأولويات الفلسطينية ، فمثلاً نرى
تقدّماً على المسألة الأمنية و مسألة التحريض و موضوع الانفتاح
التجاري في حين تبقى قضايا الأسرى و اللاجئين و الانسحابات رهن
التسويف و الاشتراطات . فمثلاً بعدما توقّع الفلسطينيون إنهاء
الانسحابات في غضون ستة أسابيع فإنهم اليوم و قبيل الاجتماع الأخير
يتوقعون ذلك خلال ستة أشهر ، في حين نرى التغير على الإعلام
الفلسطيني و حملة مسح الجدران تتم كخطوة تدل على بدء العمل ضد
التحريض كما يرونه .
4- تركيز
المفاوض الفلسطيني على ضرورة قيام الصهاينة بخطوات من شأنها تعزيز و
تقوية الحكومة في الشارع الفلسطيني عبر تسهيلات حياتية الأمر الذي من
شأنه يسهّل تنفيذها للالتزامات المطلوبة منها ، هذا الأمر الذي عزّز
تعالي الصهاينة حيث التقطوا ذلك لاستخدامه للابتزاز و المماطلة من
جهة و لتحقيق خلاف فلسطيني داخلي من جهة أخرى حيث إنهم وجدوا في ذلك
فرصة لإحداث خلاف داخل أطر السلطة و حركة فتح عن طريق التحريض على
الرئيس عرفات و اعتباره يحاول أن يفشِل عباس و ذلك بعدما فوّتت عليهم
قوى المقاومة ذلك بتوافقها المعلن مؤخراً .
5- و من
الأمور التي نتوقّف عندها في هذا السياق ما تقوم به بعض الشخصيات
الفلسطينية من حملات و مبادرات تهدُف إلى التنازل عن الثوابت
الفلسطينية عن طريق تحويلها إلى قضايا تخضَع لوجهات نظر و تصويرها
على أنها محلّ خلاف و تباين في الشارع الفلسطيني ، و تهدف مثل هذه
التحركات إلى تهيئة الشارع الفلسطيني كي يقبل بالتنازل عن حقوقه ، و
من أخطر ما صدر هو ورقة سري نسيبة مع رجل الاستخبارات الصهيوني و
التي تدعو صراحة إلى شطب حق العودة و السيادة على القدس ، بل إنها
تدعو لدولة بدون سيادة !! ، هذه الورقة التي يجهد نفسه ليحصل على
تواقيع عليها من الفلسطينيين . و كذلك الاستطلاع الذي قام به مركز
خليل الشقاقي و الذي يدّعي فيه بأن 90 % من اللاجئين في الأردن و
لبنان و فلسطين لا يريدون العودة إلى بيوتهم و أملاكهم في الجزء
المحتل عام 48 و يقول إن هذا الاستطلاع لخدمة المفاوض ، إن هذه
المبادرات لا يمكن إلا أن تفسر على أنها تقديم خدمات تهيئة مجانية
على حساب الحق الفلسطيني و توقيتها يشهد بذلك ، و أمام هذه الخدمات و
عدم صدور أي موقف رسمي حولها فإن الصهاينة سيتمادون بالمماطلة و
الاشتراطات على أمل أن تتحوّل الثوابت الفلسطينية إلى وجهات نظر يمكن
المساومة العلنية عليها .
هذا بعض ما
يساعد الصهاينة في سياستهم بحسن نية أو بقصد و ما لم يصوّب المفاوض
الفلسطيني نهجه هذا فإن الأمور ستتجه إلى غير صالح الشعب الفلسطيني و
أن يجني المفاوض الحد الأدنى مما توقعه فضلاً من أن يستطيع تحقيق
الحقوق الفلسطينية الكاملة ، و على المفاوض الذي اختار هذا الطريق
الذي لا نتفق معه عليه أن يدرك أن الحقوق لا يمكن أن تسترد بهذه
الطريقة حتى لو تم تقزيم الحقوق بالشكل المطروح .
|