|
يغيب عمّن
يتحدّثون عن المتغيرات الدولية و ضرورة التعامل معها و يبرّرون بها
تعاطيهم مع مشاريع التسوية المطروحة رغم كونها تنتقص الحقوق
الفلسطينية إن لم تلغيها بمعظمها ، أن من ضمن هذه المتغيّرات الهبوط
الحاد بالمستوى الأخلاقي في التعامل الدولي الذي أصبح يتعامل فيما
بينه و مع القضايا المطروحة من منطلق المصالح و ليس من المنطلقات
الأخلاقية و القانونية كما هو الأصل ، فنرى هؤلاء يراهنون على الضغط
الأمريكي على الكيان الصهيوني لإلزامه بالتسوية المطروحة ، الأمر
الذي فيه تجاهل واضح للمتغيّرات التي طالما يتهم معارضوهم بعدم فهمها
و اعتبارها في سياساتهم .
و بالنظر إلى
سياسة التعامل الأمريكية نرى أنها سياسة ازدادت هبوطاً و انحطاطاً
أكثر من الهبوط السائد المعتمد في الدول و الذي تتعامل فيه هذه الدول
كلّ و حسب مصالحها ، عندما أصبحت السياسة الأمريكية تنطلق من مصلحة
الإدارة الحاكمة في البيت الأبيض بشخوصها حتى لو كان ذلك يتعارض ليس
مع الدول الأخرى و إنما لو تعارض مع المصلحة الأمريكية العامة .
و مع كون
الإدارة الأمريكية تمتلك مقوّمات هذا الضغط عسكرياً و اقتصادياً و
سياسياً إلا أن ذلك لا يعني إمكانية استخدامها بمعزلٍ عن حساب
المصالح لدى الإدارة الأمريكية الموجودة .
و بالنظر إلى
الواقع اليوم و المرافق لطرح مشروع التسوية الجديد نجد أن ما يمتلكه
الكيان الصهيوني من أوراق قوة أكبر و أكثر مما تمتلكه الإدارة
الأمريكية ، فاليوم المصلحة للإدارة الأمريكية الحالية تقضي الضغط
ليس على الكيان الصهيوني و إنما على من يراهن على هذا الضغط و هم
الفلسطينيون ، لأن هذا يصب في مصلحة هذه الإدارة .
و يمكن تلخيص
بعض عناصر القوة بيد الصهاينة اليوم في مواجهة الإدارة الأمريكية
بالنقاط التالية :
1- الانحسار
المتزايد لدور الأمم المتحدة و مجلس الأمن بسبب الفعل الأمريكي عشية
و غداة احتلال العراق الأمر الذي يعزّز سياسة عدم الاكتراث المستمر
لقراراتها من قبل الصهاينة ، الأمر الذي كان يمكن أن يستخدم كورقة
للضغط.
2- قرب
الانتخابات الأمريكية و حملتها الأمر الذي يعزّز حاجة الأداة
الأمريكية إلى الكيان الصهيوني للحصول على دعم ذراعه الأمريكي في
الانتخابات – و المتمثل باللوبي الصهيوني - و الذي حرِم منه في
الانتخابات السابقة ، خاصة لأن هذه الإدارة قد خذلت من دعمها من
الجاليتين الإسلامية و العربية ، الأمر الذي يعزّز دور اللوبي
الصهيوني في مصير هذه الإدارة .
3- فقدان
الأمريكان للحجة القوية للضغط على الصهاينة بعد احتلالها للعراق و
ممارساتها العدوانية ضد العراقيين ، فمثلاً كيف تطالب بإنهاء
الاحتلال الصهيوني و هي تمارس هذا الاحتلال ، و كيف تطالب بإطلاق
سراح الأسرى و احترام حقوقهم و هي تمارس ذلك بأبشع الصور ، و تضرب
كلّ قوانين حقوق الإنسان بعرض الحائط ، ناهيك عن التخريب للبيوت و
الممتلكات العامة و الخاصة ، و تحويل الممتلكات إلى مقرات و معسكرات
للاحتلال بما يعني مصادرة ذلك … كيف ستضغط و هذا حالها و هذه
ممارساتها ؟! .
4-
الاستقرار في الشرق الأوسط الذي تحتاج إليه الإدارة الأمريكية لتمرير
مخطّطاتها فيه لا سيما الاقتصادية منها مرهون بتصرّف الكيان الصهيوني
فبإمكانه أن يقلب الأمور بجريمة أو مجرّد عدوان على إحدى دول المنطقة
الذي سيضرّ بهذه الإدارة .
5- عدم وجود
الند في موازاة الكيان الصهيوني الذي يمكن أن يحقّق المصلحة لهذه
الإدارة فضلاً عن مواجهته لتهديد الذي يمثّله الكيان الصهيوني في
المنطقة . (بسبب حالة الانهزام التي تعيشها أنظمة المنطقة ) .
أما ما تملكه
الولايات المتحدة من عناصر قوة فهي رغم قوتها إلا أنها بعيدة عن
إمكانية الاستخدام لاعتبارات كثيرة أبرزها أنها تتعارض مع مصلحة شخوص
الإدارة الحالية التي تسعى للبقاء في البيض الأبيض ، و من أبرز هذه
الوسائل ما تقدّمه الإدارة الأمريكية للكيان الصهيوني من دعمٍ في شتى
مجالات اقتصادية و عسكرية و سياسية ، و ما توفّره من حماية للكيان
الصهيوني من خلال التحالف معه و التعهّد بأمنه ..
أمام هذه
الحقائق فإن التعامل الواقعي و المنطقي مع المتغيرات الدولية يجب أن
يدفعنا إلى التمسك بحقوقنا و عدم قبول أي مبادرة لا تستجيب لهذه
الحقوق ، و عدم الاعتماد على الوعود و التعهّدات التي لا بد و أنها
تخضع بالنهاية للمصالح.
أما إذا ما
أصرّ أصحاب التسوية المضيّ في طريقهم رغم كلّ ذلك فليس أقل من
التعامل حسب المنطق السليم الذي يستوجب منا على الأقل أن نستخدم
حقّنا بالتعامل مع المطروح حسب مصالحنا كما يتعامل العالم بذلك مع
تحفّظنا المبدئي على هذا التعامل السائد .
و قبل الختام
أشير إلى أنني لم أشأ منذ البداية للحديث عن الزيارة الفلسطينية
لواشنطن و ما يمكن أن تحقّقه أو تخفق في تحقيقه إلا أنني و في الوقت
الذي كنت أكتب السطور الأخيرة لهذا المقال تم بث المؤتمر الصحافي
لأبي مازن مع بوش الأمر الذي دعاني للإشارة الى ما يؤكّد لي ما ذهبت
إليه في السطور السابقة بخصوص إمكانية الضغط الأمريكي ، حيث إن
الزيارة أكدت ما ذكرته من أن هذا الضغط سيكون على الجانب الفلسطيني و
ليس على الصهاينة الذين تكفل بوش بالوقوف معهم ، و ذلك بنقطتين :
أولاً : أن
الزيارة شهدت على هامشها اجتماعات أمنية بين وزير الأمن الفلسطيني
السيد محمد دحلان و كلّ من مسؤولة الأمن القومي و مدير الاستخبارات
الأمريكي كلّ على حدة ، و طبعاً لدراسة المطلوب أمنياً من الحكومة من
جهة و الاطلاع على خطط السيد دحلان من جهة أخرى .
ثانياً : تفهّم
بوش لعدم الإفراج عن بعض المعتقلين بحجة (الإرهاب) و هو ذات الموقف
الصهيوني ، في حين أن ذكر موضوع الاستيطان جاء بصيغة الرغبة و ليس
كونه التزام مستحق ، و تعليق المطالب الفلسطينية لحين يبحثها مع
شارون .
|