|
شهدت الأيام
الماضية حملة أمريكية مكثّفة ضد حركة المقاومة الإسلامية حماس أخذت
طابعاً صارخاً من حيث التركيز و التحريض لدرجة أن بوش و أركان إدارته
تجنّدوا لهذه الحملة فلا يكاد يمرّ يومٌ دون أن نشهد خطاباً أو
تصريحاً لأحدِ أركان هذه الإدارة يحرّض به على حركة حماس أو يدعو
الدول لمحاربتها و قطع الاتصالات معها و تجفيف منابعها ، و وصل الأمر
أكثر من ذلك عندما خرجت هذه الإدارة عن اللياقة الدبلوماسية المتعارف
عليها بين الدول بمطالبتها الأوروبيين و الدول العربية و من خلال
وسائل الإعلام بشن الحرب على حماس و دعوتهم إلى تصنيفها ضمن قائمة
"الإرهاب" دون التمييز بين جناحيها السياسي و العسكري في حديثٍ
موجّهٍ للأوروبيين و لتقف مستشارة الأمن القومي لتعلن في مؤتمرها
الصحافي في لندن بأن رئيسها و إدارته يمارسون الضغوط على الدول
العربية لقطع العلاقة مع حماس .
هذا العداء ضد
حركة حماس ليس جديداً بمضمونه و لكنه فاضحٌ في شكله مما دفع العديدين
للتساؤل عن أهداف و دوافع هذه الحملة المجنونة ، و ما ستكون نظرة
حركة حماس اتجاه هذه الحملة ضدها و قولها فيها ، هذا ما سنحاول
الوصول إليه هنا .
أهداف و دوافع
الحملة الأمريكية على حماس :
بعد فشل إدارة
بوش في تحقيق هدفها المعلن من حربها في أفغانستان و المتمثل بالقبض
أو قتل الشيخ أسامة بن لادن و القضاء على تنظيم القاعدة فما زالت
المقاومة موجودة و تكبّد القوات الأمريكية الخسائر بين الحين و الآخر
مما اضطره للاعتراف بذلك بدبلوماسية فاشلة عندما أعلن خلال مؤتمره
الصحافي مع الرئيس الباكستاني بأنه من غير المهم القبض على أسامة بن
لادن ما دام قد فكّك قيادة القاعدة و أن القضاء على خلايا القاعدة قد
يحتاج لسنوات .
ثم فشله بإثبات
امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل التي اتخذها ذريعة لشن الحرب على
العراق ، و فشل التقديرات التي أعلنها بأن الشعب العراقي سيستقبل
جنوده بالورود و إذا بالشعب العراقي يستقبلهم بالرصاص الأمر الذي
حوّل نشوته بالنصر السريع إلى كابوس فلا يكاد يمرّ يوم إلا و تزداد
فيه العائلات الأمريكية الثكلى جرّاء مقتل أبنائها في العراق في حربٍ
قامت على التزييف و الكذب .
أمام هذه
الانتكاسات و غيرها و مع قرب الحملة الانتخابية وجد بوش نفسه في
مأزقٍ فلا هو حقّق ما وعد به في السياسة الخارجية و لا أعطى القضايا
الداخلية الاهتمام المطلوب ، فكان لا بدّ له من البحث عن أمرٍ يحسّن
من خلاله صورته فوجد في القضية الفلسطينية مخرجاً يحقّق فيه أكثر مما
يريد فهي قضية لها أثرها على مستوى العالم و تحظى الانتفاضة
بالمتابعة فالعمل فيها و إحياء ما يسمى بالعملية السلمية سيعتبر
إنجازاً مهِماً يسجّل له ، و كعادته بسوء الحسابات ظنّ أن الأمر سهل
فلديه الكيان الصهيوني الذي رسم معه خطة للتسوية و هو في مأزقٍ جرّاء
المقاومة و لديه بالجانب العربي من هو على استعداد للقبول بما يطرح ،
لكن و مرة أخرى لم تسِرْ الأمور كما تمنّى ، فمن جهة واجه حليفه
الصهيوني يخرّب الخارطة التي رسموها معاً على أمل الحصول على ميزات
أكثر ، و على الجانب الآخر لم يجديه الذين وافقوه على ما طرح عليهم
نفعاً حيث كانت المقاومة الفلسطينية له بالمرصاد بشموخ لم يعهده من
قبل و معها الشعب الفلسطيني الذي يرفض الإذعان و رفع الراية البيضاء
و يصرّ على حقوقه كاملة غير منقوصة .
من هنا أصبح في
حاجة لمخرجٍ من المخرج فالوقت ليس لصالحه فتوجّه لإعلان الحرب على
حركة حماس تحت العنوان الكاذب الحرب على "الإرهاب" ، و بتحميلها فشل
عملية السلام المزعوم و إعلانها كعدوّ للسلام و أنها عقبة أمام
السلام و الخارطة ، و من هنا فإن دوافع و أهداف الحملة على حركة حماس
تصبح جلية و تتلخص بـ :
1-استخدامه
الحملة للتغطية على فشله و كمخرج له من أزمته بالإيهام بأنه ماضٍ في
طريق السلام و مصرّ على تحقيقه و ها هو يعمل على إزالة العقبات من
طريق الخارطة و العنوان لذلك حماس .
2- توفير
المساندة للكيان الصهيوني و التغطية على جرائمه و إطلاق يده لتتقيد
مخططاته الإرهابية بحق الشعب الفلسطيني على أمل أن يكافئه الصهاينة
بدعمه في حملته الانتخابية ، و العنوان حماس كونها تشكّل عصب
المقاومة من حيث القدرة و الإمكانية لتحقيق الردع للكيان الصهيوني
ظناً منه إمكانية القضاء عليها و من ثم تتراجع باقي قوى المقاومة و
تصبح الطريق أمامه سالكة لتنفيذ جرائمه و كلّ ذلك بمبرّر الحرب على
"الإرهاب" .
3-يسعى من خلال
حملته الغبية على حماس إلى تمهيد الطريق أمام حملته الصليبية التي
سبق أعلنها و بدأت فصولها في أفغانستان و العراق و ذلك بدعوته لدول
العالم لشنّ الحرب على حركة حماس و التحريض عليها بحجة "الإرهاب" و
أنها عقبة أمام تحقيق السلام المزعوم داعياً إلى قطع العلاقة معها و
تجفيف منابعها و هو بذلك يهدِف لقيام الدول بشنّ الحرب على التيارات
و المؤسسات الإسلامية الموجودة في بلادها بحجة دعمها لحماس أو
علاقتها بها … و هذا يعني إبعاد هذه التيارات عن الساحة لتمرير حربه
الصليبية دون عناء و مقاومة معتمداً على سهولة تطويع الأنظمة .
4-يسعى من خلال
هذه الحملة إلى كسر روح المقاومة التي بدأت ترهقه في أفغانستان و
العراق و في العديد من مناطق العالم التي تستهدف المصالح الأمريكية و
التي تتأثر بما يجري في فلسطين بصورة أو بأخرى لمكانتها الدينية عند
المسلمين و كونها القضية المركزية للعرب .
موقف حماس من
هذه الحملة
بعكس ما ظنّ و
تخيّل البعض بأن هذه الحرب على حركة حماس سوف تجعلها ترفع الراية
البيضاء فإذا بحماس تفاجئ العالم بموقفها و ثقتها بنفسها رغم إدراكها
لحجم المؤامرة بلسان حالها القائل (أقتلوني … مزّقوني … قيّدوني …
أبعدوني … اهدموا بيتي … احرقوا نخلي … جرّفوا أرضي … احرثوا زرعي …
سمّموا مائي … لوّثوا هوائي …… فلن تنالوا من عزيمتي و إصراري و
إقدامي … فلا التهديد يرهبني .. و لا الترغيب يغريني) ..
هذا الموقف الذي
عزّزته حماس بقدرتها على الردّ على الجرائم الصهيونية بسرعة أربكت
الصهاينة و أذهلت العالم رغم الاحتلال الكامل للضفة الغربية و الحصار
المحكم للقطاع و ضخامة الإجراءات الصهيونية .
و بهذا الموقف
تطمئن حماس الذين أحبوها في كلّ مكان بأنها ماضية في طريقها طريق
المقاومة و الجهاد بخطى واثقة مطمئنة لوعد الله عز و جل و واثقة
بنصره مستشعرة لمعيّته في كلّ أمورها و خطواتها ، فلن تؤثّر عليها
كلّ الحملات المسعورة تماماً كما لم تنلْ كلّ إجراءات الصهاينة بحقّ
شيخها الجليل الشيخ أحمد ياسين الذي يعاني مما يعاني ، فلن يفتّ من
عزيمة حماس استشهاد أبنائها أو قادتها .
أما قولها في
هذه الحملة المجنونة عليها من بوش وإدارته بأنها حملة مفلس نابعة من
جنون العظمة والغباء والجهل .
أما كونها جنون
عظمة فلما يقوله بوش كما قاله من قبل فرعون زمانه فهو ظنّ عندما رأى
الزعماء يتهافتون على عتباته من كلّ أنحاء العالم سعياً لتجنّب أذاه
و حتى لا يصيبهم بجنونه أنه قد ملك الدنيا و ما فيها فلا مجال و لا
مكان لمن لا يطيع أوامره و يبارك رؤياه ، و غرّه استجابة من استجاب
له رغم أنها استجابات غير مكتملة ليستكبر الأمر عندما واجهت المقاومة
الفلسطينية مقترحاته بالرفض كونها لا تلبّي مطالبها باستعادة حقوق
الشعب الفلسطيني كاملة غير منقوصة ، و كونها لم تتعوّد الانحناء و
الركوع لغير باريها و ليس في قاموسها استسلام و راية بيضاء ترفع ،
فجنّ جنونه لما سمع و رأى فأخذ يتهدّد و يتوعّد و يحرّض و يطالب فعلى
الجميع أن يحارب من تجرأ عليه.
أما وصفها بأنها
تنمّ عن غباء و جهل فلأنها :
5-لم تدرك بأنه
لا يمكن هزم الشعوب حتى لو هزمت كلّ الجيوش و لم يتعلّم ذلك من
فيتنام و أفغانستان و العراق حيث كبّدته الشعوب من الخسائر البشرية
أضعاف ما أصابته الجيوش و الحبل على الجرار كما يقال .
6-لم تدرك بأن
حماس فكرة و منهج محفورة في القلوب قبل أن تكون تنظيماً و قادة و
أفراداً ، و أنها ليست فكرة كباقي الأفكار أو منهجاً كالمناهج ، و
إنما هي منهج رباني محفوظ بحفظه فأنى لبشر أن ينال منه . فكم من
الأباطرة و القياصرة حاربوا هذا المنهج و قتلوا حملته و لكن النتيجة
كانت أن ذهب الأباطرة و القياصرة و أفكارهم دون أن يتذكّرهم أحد و
بقي النهج القويم تتوارثه الأجيال إلى أن جاء دور حماس لتحمله و ثم
لتتعاقبه الأجيال من بعد .
7-أنها لم تعلم
بالمعاني و المبادئ التي ربّت حماس أبنائها عليها من حب للأوطان و
التضحية و حب الشهادة أكثر مما يحب القائمين بهذه الحملة الحياة .
8-أنها لم تدرك
بأن شعباً تبيع نساؤه حليّها و يترك رجاله مصالحهم من أجل الدفاع عن
حريّتهم و ليعزّزوا المقاومة و تلتفّ حوله الشعوب لتوفّر له ما يعينه
لن تستطيع قوة في الأرض من منع الدعم عنه و لن تعجز الشعوب عن
الوسيلة ، فالمقاومة الفلسطينية لا تتلقّى دعمها من الأنظمة و الدول
حتى تجفّف منابع المقاومة و قمة الجهل و الغباء في هذه الحملة أنها
تكذِب على نفسها بذلك . و أقصى ما يمكن أن تحقّقه هذه الحملة هو
حرمان الفقراء و الأيتام من الغداء و الدواء و الملبس .
9-لم تدرك بأن
لحماس من القوة و العزيمة و الإرادة ما يجعلها عصية على أعدائها كما
كانت عندما خرجت مما حيك لها و ضدّها منذ نشأتها أقوى مما كانت عليه
. و لم تتّعظ من الحملة التي قادها كلنتون ضد الحركة ، حماس ، و لا
بكل الإجراءات التي مارسها الصهاينة بحق حماس دون أن تستطيع النيل من
إصرارها .
10- أنها لم
تدرك بأن خيار حماس خيار المقاومة هو الخيار الذي أجمع عليه الشعب و
أن أي عدوان على المقاومة و قواه سيواجه بمقاومة من كلّ الشعب
الفلسطيني الأبي .
ختاماً فها هي
حركة حماس شامخة رغم كلّ ما تتعرّض له و ما يحاك لها تسير في طريقها
و أعداؤها يقفون على رجْلٍ واحدة ينتظرون كلمتها و قرارها في اعترافٍ
صريح جليّ بثباتها و صمودها و استحالة تطويعها و اعتراف بهزيمتهم
أمامها رغم كلّ ما أصابها من أذى و جراح . لسان حالها يردّد قوله
تعالى : (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم
إيماناً و قالوا حسبنا الله و نعم الوكيل) ، و قوله سبحانه : (قل هل
تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين و نحن نتربّص بكم أن يصيبكم الله
بعذابٍ من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربّصون) .
|