الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

إرشيف مقالات الأستاذ رأفت ناصيف

عودة

 

زوال العجب

 

 بقلم / رأفت ناصيف - حركة حماس – طولكرم

 

رغم كلّ ما قيل و يقال حول الاصطفاف الدولي حول ما سمّي زوراً بعملية السلام في الشرق الأوسط ، و رغم كثرة المشاريع و المبادرات التي طرحت لذلك ، و رغم القبول الفلسطيني الرسمي لكلّ ما يطرح بما فيه من انتقاصٍ للحق الفلسطيني و تنفيذه للاشتراطات المجحفة ، رغم كلّ ذلك نرى العدو الصهيوني يضرِب بعرض الحائط كلّ هذه المبادرات و المشاريع و من خلفها إما بشكلٍ واضح برفضها ، و إما بالموافقة المشروطة التي تفرغها من مضمونها ، أو بسلوكه على الأرض الذي ينسف أية احتمالية لنجاحها .

 

ليبرز التساؤل حول هذا الموقف الصهيوني و ما يخفيه من وراء هذا الموقف . هل هي القوة فحسب ؟ أم أن هذه المبادرات تسلبهم ما اكتسبوه عنوة ؟! .. و الحقيقة أنه يغيب عنا في كثير من الأحيان حقيقة المشروع الصهيوني ، و الذي بمجرد تذكّره فإنه سرعان ما يزول التساؤل ، فالصهاينة هم أصحاب مشروعٍ كبير ، مشروع وضعوا أسسه في مؤتمرهم المشؤوم يوم استقر رأيهم على فلسطين لتكون وطناً لليهود مستغلين مكانتها الدينية و الجغرافية على حدٍّ سواء ، فالدين يساعدهم في جلب يهود العالم إليها و يبرّرون به حقّهم المزعوم في فلسطين بزعمهم أنها أرض الميعاد ، و الموقع يساعدهم على السيطرة على قلب العالم العربي تمهيداً لاستكمال مشروعهم بقيام "إسرائيل الكبرى" كما يحلمون.

 

و من أجل هذا الهدف بذل اليهود الجهود الكبيرة مستخدمين كلّ رذائل الأخلاق من أجل تحقيقه ، فمن الترغيب و الترهيب ، إلى الابتزاز و التهديد و الدسائس ، فالقتل و التخريب و الإرهاب … بل إنهم لم يتردّدوا من قتل اليهود من أجل أن يقنِعوا يهود العالم بالهجرة لفلسطين بذريعة تعرّض اليهود للاضطهاد و الظلم حيث يوجدون ، و سخِروا لذلك الأموال العظيمة ، و كلّ ما لهم من نفوذ في دول العالم ، بل إنهم كادوا يقتلون مناحم بيغن نفسه من أجل تحقيق ذلك ، (فمن أجل كسب تعاطف البريطانيين المحتلين لفلسطين في حينه و أقتبس بتصرّف من مذكرات رابين حول هذا ، فهو يقول إنهم كانوا في إحدى المرات قرّرت البالماخ التعرّض لسفينة قادمة لفلسطين تهرّب اليهود و تم إطلاق النار عليها و قتل بعض اليهود القادمين ، و يقول إنه سمع بعض القادمين يقولون مناحم في السفينة ذاكراً أنها المرة الأولى التي يتعرّف بها عليه) .

 

و من هنا ينكشِف سرّ المواقف الصهيونية ، و تتجلّى الحقيقة الصارخة التي هي أن أية مبادرة أو مشروع مهما خصّ الصهاينة بالميزات ، و مهما كان انحيازه لهم ، لن يرضي الصهاينة ما لم يحقّق هدفهم كاملاً ، و ذلك بأن تكون فلسطين كلها لليهود وحدهم ، و تكون خالية من غيرهم تماماً ، حتى من أصحابها الشرعيين و هم الفلسطينيون ، و دون ذلك فستنسَف كلّ المبادرات بدبلوماسية و بدونها ، فما دام الأمر يتعلّق بالمشروع الصهيوني فكلّ الوسائل مشروعة .

 

و من هنا فإن العجب يزول عندما نرى تعامل الصهاينة مع ما يُطرَح من مشاريع ، و يزول العجب عندما نراهم يأخذون منها ما يصبّ في مشروعهم ، و يرفضون ما سِواه بطريقة و بأخرى ، فهم أصحاب هذا الفن من التعامل القائم على الخداع و الكذب ، فعلى سبيل المثال فإنهم يرَكّزون على ما يؤكد الاعتراف بهم و بكيانهم على أرض فلسطين المحتلة و يطالبون به كشرطٍ .

 

هذه هي الحقيقة خلف الموقف الصهيوني التي ما زال الكثيرون لا يدرِكونها ، أو أنهم لا يريدون إدراكها ، إنها الحقيقة التي أدركتها المقاومة الفلسطينية منذ زمن بعيد عندما أعلنت أن صراعنا مع الصهاينة صراع وجود لا صراع حدود ، و عندما فضحت الدوافع الصهيونية من قدومهم لفلسطين ، و حذّرت من مكرهم و خداعهم و من حولهم .

 

هذه الحقيقة التي عادت حركة المقاومة الإسلامية و باقي قوى المقاومة تذكّر بها الأمة اليوم ، و هذه الحقيقة التي تهيّأت المقاومة للوقوف في وجهها و مقاومتها دفاعاً عن الأرض و الإنسان و الهوية ، و لهذه الحقيقة و إدراكها من قوى المقاومة كان الاستقراء المبكّر لفشل كلّ التسويات مع الكيان الصهيوني صائباً و في محله ، فمن يدرِك الحقائق على حقيقتها يدرك العلاج ، و في حالتنا فإنه لا خيار سوى خيار من أدرك حقيقة العدو و دوافعه و أهدافه ، و هم هنا قوى المقاومة الفلسطينية و خيارهم خيار المقاومة .

 

و آن الأوان لمن لم يدرِك هذه الحقيقة أو يتعامى عنها أن يدرِك أن الاستمرار في نهج التسويات لن يؤدّي إلا إلى منح الصهاينة المزيد من الوقت و الهدوء لتنفيذ مخطّطاتهم دون عائق أو تشويش .

 

و آن الأوان لأن ندرِك تركيز الصهاينة على افتعال الأزمات حول هذا الملف أو ذاك - رغم أهمية هذه الملفات - ما هيَ سوى محاولات لإشعالنا عن جوهر الصراع و الذي هو سبب كل الملفات المطروحة حالياً و هو الاحتلال ، يجب أن لا ننحرِف عن هذا الهدف القائم على ضرورة إنهاء الاحتلال ، و بزواله ستجد كل الملفات طريقها للحل ، و أعني بذلك أن نضع لأنفسنا استراتيجية واضحة للتعامل مع الصهاينة بحيث تكون الأهداف واضحة بأولوياتها و أوقاتها دون أن نتجاهل الملفات الساخنة ، في ذات الوقت بأن لا يكون ذلك على حساب العمل للهدف الرئيس .