|
رغم كلّ ما قيل
و يقال حول الاصطفاف الدولي حول ما سمّي زوراً بعملية السلام في
الشرق الأوسط ، و رغم كثرة المشاريع و المبادرات التي طرحت لذلك ، و
رغم القبول الفلسطيني الرسمي لكلّ ما يطرح بما فيه من انتقاصٍ للحق
الفلسطيني و تنفيذه للاشتراطات المجحفة ، رغم كلّ ذلك نرى العدو
الصهيوني يضرِب بعرض الحائط كلّ هذه المبادرات و المشاريع و من خلفها
إما بشكلٍ واضح برفضها ، و إما بالموافقة المشروطة التي تفرغها من
مضمونها ، أو بسلوكه على الأرض الذي ينسف أية احتمالية لنجاحها .
ليبرز التساؤل
حول هذا الموقف الصهيوني و ما يخفيه من وراء هذا الموقف . هل هي
القوة فحسب ؟ أم أن هذه المبادرات تسلبهم ما اكتسبوه عنوة ؟! .. و
الحقيقة أنه يغيب عنا في كثير من الأحيان حقيقة المشروع الصهيوني ، و
الذي بمجرد تذكّره فإنه سرعان ما يزول التساؤل ، فالصهاينة هم أصحاب
مشروعٍ كبير ، مشروع وضعوا أسسه في مؤتمرهم المشؤوم يوم استقر رأيهم
على فلسطين لتكون وطناً لليهود مستغلين مكانتها الدينية و الجغرافية
على حدٍّ سواء ، فالدين يساعدهم في جلب يهود العالم إليها و يبرّرون
به حقّهم المزعوم في فلسطين بزعمهم أنها أرض الميعاد ، و الموقع
يساعدهم على السيطرة على قلب العالم العربي تمهيداً لاستكمال مشروعهم
بقيام "إسرائيل الكبرى" كما يحلمون.
و من أجل هذا
الهدف بذل اليهود الجهود الكبيرة مستخدمين كلّ رذائل الأخلاق من أجل
تحقيقه ، فمن الترغيب و الترهيب ، إلى الابتزاز و التهديد و الدسائس
، فالقتل و التخريب و الإرهاب … بل إنهم لم يتردّدوا من قتل اليهود
من أجل أن يقنِعوا يهود العالم بالهجرة لفلسطين بذريعة تعرّض اليهود
للاضطهاد و الظلم حيث يوجدون ، و سخِروا لذلك الأموال العظيمة ، و
كلّ ما لهم من نفوذ في دول العالم ، بل إنهم كادوا يقتلون مناحم بيغن
نفسه من أجل تحقيق ذلك ، (فمن أجل كسب تعاطف البريطانيين المحتلين
لفلسطين في حينه و أقتبس بتصرّف من مذكرات رابين حول هذا ، فهو يقول
إنهم كانوا في إحدى المرات قرّرت البالماخ التعرّض لسفينة قادمة
لفلسطين تهرّب اليهود و تم إطلاق النار عليها و قتل بعض اليهود
القادمين ، و يقول إنه سمع بعض القادمين يقولون مناحم في السفينة
ذاكراً أنها المرة الأولى التي يتعرّف بها عليه) .
و من هنا ينكشِف
سرّ المواقف الصهيونية ، و تتجلّى الحقيقة الصارخة التي هي أن أية
مبادرة أو مشروع مهما خصّ الصهاينة بالميزات ، و مهما كان انحيازه
لهم ، لن يرضي الصهاينة ما لم يحقّق هدفهم كاملاً ، و ذلك بأن تكون
فلسطين كلها لليهود وحدهم ، و تكون خالية من غيرهم تماماً ، حتى من
أصحابها الشرعيين و هم الفلسطينيون ، و دون ذلك فستنسَف كلّ
المبادرات بدبلوماسية و بدونها ، فما دام الأمر يتعلّق بالمشروع
الصهيوني فكلّ الوسائل مشروعة .
و من هنا فإن
العجب يزول عندما نرى تعامل الصهاينة مع ما يُطرَح من مشاريع ، و
يزول العجب عندما نراهم يأخذون منها ما يصبّ في مشروعهم ، و يرفضون
ما سِواه بطريقة و بأخرى ، فهم أصحاب هذا الفن من التعامل القائم على
الخداع و الكذب ، فعلى سبيل المثال فإنهم يرَكّزون على ما يؤكد
الاعتراف بهم و بكيانهم على أرض فلسطين المحتلة و يطالبون به كشرطٍ .
هذه هي الحقيقة
خلف الموقف الصهيوني التي ما زال الكثيرون لا يدرِكونها ، أو أنهم لا
يريدون إدراكها ، إنها الحقيقة التي أدركتها المقاومة الفلسطينية منذ
زمن بعيد عندما أعلنت أن صراعنا مع الصهاينة صراع وجود لا صراع حدود
، و عندما فضحت الدوافع الصهيونية من قدومهم لفلسطين ، و حذّرت من
مكرهم و خداعهم و من حولهم .
هذه الحقيقة
التي عادت حركة المقاومة الإسلامية و باقي قوى المقاومة تذكّر بها
الأمة اليوم ، و هذه الحقيقة التي تهيّأت المقاومة للوقوف في وجهها و
مقاومتها دفاعاً عن الأرض و الإنسان و الهوية ، و لهذه الحقيقة و
إدراكها من قوى المقاومة كان الاستقراء المبكّر لفشل كلّ التسويات مع
الكيان الصهيوني صائباً و في محله ، فمن يدرِك الحقائق على حقيقتها
يدرك العلاج ، و في حالتنا فإنه لا خيار سوى خيار من أدرك حقيقة
العدو و دوافعه و أهدافه ، و هم هنا قوى المقاومة الفلسطينية و
خيارهم خيار المقاومة .
و آن الأوان لمن
لم يدرِك هذه الحقيقة أو يتعامى عنها أن يدرِك أن الاستمرار في نهج
التسويات لن يؤدّي إلا إلى منح الصهاينة المزيد من الوقت و الهدوء
لتنفيذ مخطّطاتهم دون عائق أو تشويش .
و آن الأوان لأن
ندرِك تركيز الصهاينة على افتعال الأزمات حول هذا الملف أو ذاك - رغم
أهمية هذه الملفات - ما هيَ سوى محاولات لإشعالنا عن جوهر الصراع و
الذي هو سبب كل الملفات المطروحة حالياً و هو الاحتلال ، يجب أن لا
ننحرِف عن هذا الهدف القائم على ضرورة إنهاء الاحتلال ، و بزواله
ستجد كل الملفات طريقها للحل ، و أعني بذلك أن نضع لأنفسنا
استراتيجية واضحة للتعامل مع الصهاينة بحيث تكون الأهداف واضحة
بأولوياتها و أوقاتها دون أن نتجاهل الملفات الساخنة ، في ذات الوقت
بأن لا يكون ذلك على حساب العمل للهدف الرئيس .
|