الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

ارشيف مقالات الشيخ رائد صلاح

عودة

 

ضريبة القدس الشريف

 

بقلم / الشيخ رائد صلاح

الشيخ رائد صلاح - رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

 

يبدو أنه لم يعد استعداد لدفع أية ضريبة منا على الصعيد الإسلامي والعربي والفلسطيني للحفاظ على القدس الشريف !!! إلى درجة أنه بات يخيل للعاقل  الحزين أنه لم يعد استعداد حتى لدفع الضريبة الكلامية للحفاظ على القدس الشريف !! فسياسة تهويدها تجري على قدم وساق ، ليلا ونهارا ، جهارا وعلانية في كل مساحة النفوذ الواسعة التي يسميها أرباب المشروع الصهيوني " القدس الكبرى " أو "  القدس التاريخية " !! نعم بكل أسى وأسف سياسة تهويدها تجري في أكثر من موقع وبأكثر من أسلوب وبكم وكيف تراكمي متزايد ومتصاعد،  أما نحن أمة المليار ونصف المليار فما زلنا نغط في نوم أهل القبور اتجاه كل ما يجري لها وفيها !! إلى درجة انه قد يخيل للعاقل أن هذه القدس هي قدس أخرى لا علاقة لنا بها لا أصلا ولا فصلا ولا تاريخا ولا حاضرا ولا مستقبلا، وكما يقال " يخلق من الشبه أربعين " !! نعم قد يخيل للعاقل أنها قدس تشبه قدسنا ولكنها ليست هي قدسنا !! قد يخيل للعاقل أنها ليست هي القدس التي فتحها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وحررها صلاح الدين وضيعها " أبطال الثورة العربية الكبرى  "!!.

 قد يخيل للعاقل أنها ليست هي القدس التي تتربع بكبرياء على قمة مجد الشام وتضع على رأسها تاج فخارها المسجد الأقصى المبارك !! قد يخيل للعاقل أنها ليست هي القدس التي تشرفت بليلة الإسراء وتطيبت بقبور آلاف الصحابة - رضي الله عنهم - وتحنت بدماء شهداء التابعين واتباع التابعين والسلف الصالح الذين دخلوا إليها ولم يخرجوا منها !! قد يخيل للعاقل إنها ليست هي القدس شقيقة مكة المكرمة وشقيقة المدينة المنورة إلى ابد الدهر والى يوم الدين !!!

 فها هي أرضها تُغتصب وها هي منازلها تُهدم ، وها هي مقدساتها تنتهك ، وها هم أهلها يصرخون ولا مجيب !! نعم كأني بهم إذا صرخوا واإسلاماه !! أو إذا صرخوا واعرباه !!أجابهم صوتهم قائلا لهم :

لقد أسمعت لو ناديت حيا          ولكن لا حياة لمن تنادي  !!

كأني بهم إذا صرخوا مستغيثين أجابهم صدى استغاثتهم :

ناموا ولا تستيقظوا        ما فاز إلا النّوّم !!!

 كأني بهم إذا ضاقت صدورهم وحشرجت نفوسهم فنادوا مضطرين أجابهم صدى ندائهم :

"الصمت" أصدق إنباء من الخطب        في حده الحد بين الجد واللعب  !!

 أو أجابهم صدى ندائهم : " إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب "، لا بل بات يخيل للعاقل أن هناك بعض الأطراف منا قد تنازلت عن كلمة " الشريف " في قضية " القدس الشريف " وباتت ترضى بكلمة " القدس " فقط !! وهناك بعض الأطراف منا قد تنازلت عن " أل التعريف" في كلمة القدس وباتت ترضى بكلمة " قدس " فقط !! وهناك بعض الأطراف منا قد تنازلت عن " القاف " في كلمة " قدس" وباتت ترضى بكلمة " دَسْ " فقط !! إيه يا بيت المقدس ماذا يمكن لنا أن نعتذر !! إيه أيتها القدس الشريف يا زهرة المدائن!! يا أيتها العاصمة الإسلامية العالمية للخلافة العالمية الموعودة !! إيه أيتها الحرة الأسيرة المقيدة !! إيه

أيتها الباكية دموعا وما توقفت عن البكاء منذ عشرات السنوات وحتى الآن !! يا لتعس الحال الذي تغرقين فيه ويا لتعس الصمت الذي نغرق فيه !!  يا لمأساة الاحتلال التي باتت تبذر في حاراتك وشوارعك وأزقتك بذور أشواك " الغرقد " ، ويا لمأساة الوهن الذي بات يبذر في عقولنا وقلوبنا وتحت جلودنا بذور أشواك الخور والهزيمة والخيانة !! يا لمصيبة الذل التي وقعت عليك بالأمس واليوم فأطفأت فيك نور الصفاء ونار العفاف، ويا لمصيبة الجبن التي وقعت علينا فأطفأت فينا كل فضيلة وكشفت فينا عن كل رذيلة !! نعم أنت كما أنت أيتها القدس الشريف تتجرعين مرارة الغربة من رأسك حتى أخمص قدميك !! ونحن كما نحن نتجرع خمور الهوى والشهوات في كل أعضاء جسدنا لأن كل أعضاء جسدنا قد تحولت إلى بطن مستطيلة ومنفوخة كبيرة لكل أصناف الهوى وألوان الشهوات !! وإذا تكلمنا فصوتنا مبحوح وإذا نهضنا فأقدامنا كسيحة وإذا مشينا فخطواتنا - كل خطواتنا  - عرجاء وإذا شهرنا سيفنا فسيفنا من خشب !! إيه أيتها القابعة في زنزانة القهر الطويل هل نقول لك أيتها القدس الشريف سامحينا !! وكيف تسامحينا ونحن أمة المليار ونصف مليار مسلم وعربي وفلسطيني !! هل نقول لك أيتها القدس الشريف أعذرينا !! وكيف تعذرينا وها نحن جيوش مجيشة :

ملأنا البر حتى ضاق فينا            وماء البحر نملأه سفينا

 هل نقول لك أيتها القدس الشريف أمهلينا !! وكيف تمهلينا وقد طال فيك الانتظار وطال فينا الفرار !! كيف تمهلينا وقد طال فيك الصبر وطال فينا الذعر !! كيف تمهلينا وقد طالت فيك الدموع وطال فينا الخنوع !! نعم كيف تمهلينا ؟! كيف ؟! وأنت من يحق لك أن تبصقي علينا وتقولي لكل واحد منا :

فليتك إذ  لم ترعَ حق أبوتي        فعلت كما الجار المجاور يفعل

 نعم أنت من يحق لك أن ترجمينا وتقولي لكل واحد منا :

أنا ثالث الحرمين لا ابغي سوى          أن تستحي من نكبتي يا أمتي

نعم أنت من يحق لك أن تصرخي في وجهنا وتقولي لكل واحد منا :

 إلام  النوم بينكم إلام          وهذه الفرقة الكبرى علام

إيه أيتها القدس الشريف يا صبّارة التاريخ !! كأني بك قد أصبحت حرفا من كلمة " التاريخ " !! كأني بك قد أصبحت حرفا من كلمة الحاضر والمستقبل، لا بل كأني بك قد أصبحت كل أحرف كلمة الحاضر والمستقبل !! وإلا لاندثرت منذ القديم ولأصبحت أثرا بعد عين ونسيا منسيا !! كم زايد عليك المزايدون وأنت كما أنت القدس الشريف !! كم أسَفَّ بمكانتك المفاوضون وأنت كما أنت القدس الشريف !! كم تآمر عليك المتآمرون وأنت كما أنت القدس الشريف !!

نعم نحن في زمن لا يخفى علينا وعليك !! نحن في زمن من طاف فيه سبعة أشواط حول البيت الأبيض فهو البطل وهو المناضل وهو الثوري الصنديد !! ومن طاف فيه سبعة أشواط حول الكعبة المشرفة فهو الإرهابي وهو المتطرف وهو الأصولي المحرض !! نحن في زمن اصبح فيه الوصول إلى واشنطن اقرب على الكثير منا من الوصول إليك !! واصبح فيه الوصول إلى لندن اقرب على الكثير منا من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك !!

نحن في زمن أصبحت فيه مرضاة جورج بوش الابن مقدمة على مرضاتك، لا بل أصبحت فيه مرضاة جورج بوش الابن مقدمة عند الكثير منا على مرضاة رب العالمين !! نحن في زمن اصبح فيه عقد مؤتمرات القمة الطارئة استجابة لنداء جورج بوش الابن فوريا أما نداؤك فقد بات يواجه بالاعتذار ودفن الرؤوس ووضع الكرسف في الآذان أو في احسن الأحوال بات نداؤك يواجه بالحوقلة الغافلة ليس إلا !! نحن في زمن بات فيه يذكر اسم واشنطن أو لندن أو باريس أو موسكو لا بل اسم إسرائيل في الفضائيات العربية اكثر مما يذكر اسمك بكثير !!

نحن في زمن بات فيه سهر الليل وسبح النهار مكرس للإصلاح السياسي تلبية لنداء الأوامر العاجلة من ماما أمريكا، أما أنت أيتها الحزينة المفجوعة فقد حشروك في خانة النسيان !! إيه أيتها القدس الشريف لو تكلمت مآذنك وقبابك ولو نطقت حجارة جبالك وسهولك وأوديتك ولو تحدثت حجارة بيوتك وبوائكك وتكاياك ماذا كنت ستقولين لنا ؟! هل كنت ستقولين لنا : إلى متى هذا العقوق !؟ أنا أقول لك هذا صدق  ونحن نستحق ذلك !! هل كنت ستقولين لنا : هيا اخجلوا على أنفسكم يا عددا بلا مدد ، وجمعا بلا سمع ، وحشدا بلا جد !! أنا أقول لك صدقت وبررت وبالحق نطقت ونحن نستحق ذلك !! هل كنت ستقولين لنا : قوموا امسحوا عاركم المتدفق في شوارعي وفي رحاب الأقصى المبارك !! أنا أقول لك هذا اقل ما يقال في حقنا !! هذا أهون تقريع قد تقذفينه علينا !!

نعم لأننا نحن الذين قيل لنا أن روهان قد حرق المسجد الأقصى المبارك فنهضنا صارخين ثم صمتنا، لان نهضتنا كانت نهضة الكاذبين لا الصادقين !! نحن الذين قيل لنا إن دهاقنة الصهيونية باتوا يبنون لهم ناطحات السحاب في جبل أبو غنيم أحد أركانك الذي تمتد جذوره في التاريخ فصرخنا ويا ليتنا لم نصرخ !! وصحنا ويا ليتنا لم نصح !! وهتفنا ويا ليتنا لم نهتف !! لان كل صراخنا وصياحنا وهتافنا داسته مجنـزرات الجرافات التي كانت وما زالت تجرف حقول التين والزيتون في هذا الجبل، والتي ما زالت تُُتَوج بشق الشوارع الواسعة وبناء الجدران الإستنادية الضخمة وإقامة ناطحات الاستيطان الصهيوني على قلب جبل أبو غنيم، أما نحن فأخرست ألسنتنا وكأن شيئا لم يكن !! بل ما عدنا نتلفظ بكلمة " أبو غنيم " وكأن التلفظ بها بات تآمرا على مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني وسعيا لشق وحدة الصف الفلسطيني وإلتفافا على استقلال القرار الفلسطيني الذي لا ادري ما بقي منه في هذه الأيام !!

نعم نحن الذين قيل لنا لقد امتدت اذرع أخطبوط الاستيطان الصهيوني إلى باب العامود فقمنا بوثبة وطنية ميتة منذ البداية لمواجهة ذلك إذ كانت بمثابة القفز الموضعي ليس إلا !! نحن الذين قيل لنا انهم يزحفون بوباء استيطانهم إلى " برج اللقلق " !! انهم يهدمون بيوت أهلكم في القدس الشريف !! انهم يصادرون أسواق القدس الشريف القديمة !! انهم يطردون المئات من أهلكم من منازلهم ثم يغلقون المنازل !!  انهم يجرفون مقبرة المالحة !! انهم يجرفون مقبرة مأمن الله !! لقد اقتسموا مسجد المالحة وسكنوا فيه !! لقد اغتصبوا مسجد عين كارم !! لقد صادروا مسجد عكاشة !! نعم قيل لنا اكثر من ذلك عما يجري في القدس الشريف !! وماذا كان ردنا ؟! لقد كان لسان حالنا وما زال يقول قولة الضعيف المهزوم الفار لا قولة القوي المنتصر الصامد ، نعم انه لسان حالنا الكليل النحيل الذليل بات يمثل كما في الأفلام ويقول لأهل القدس الشريف : صبرا آل ياسر أن موعدكم الجنة !!

ثم قيل لنا بعد ذلك لقد أغلقوا بيت الشرق وطردوا كل من كان فيه فقمنا باستعراضات إعلامية وتجليات دعائية ثم لذنا بالصمت وانتهت الحكاية وبتنا نتحدث عن بيت الشرق ونقول : " يحكى أن .. !! ثم ماذا ؟!ها هو أخطبوط الاستيطان الصهيوني يمتد بأذرعه إلى جبل المكبر في القدس الشريف الآن في هذه الأيام، وها هو العمل يجري هناك على قدم وساق بالضبط في الوقت الذي يهز فيه جورج بوش الابن - وكل مساعديه بعصاه أمام شعبنا الفلسطيني ويقول : هيا عجلوا بالإصلاح السياسي وإلا !! فهل نخجل على أنفسنا ؟! وكيف نخجل على أنفسنا ؟! ومتى نخجل على أنفسنا ؟! هل سنتلقى الرد على ذلك يا أمة المليار ونصف المليار ؟! ومتى !! ( ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا ) .