الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

ارشيف مقالات الشيخ رائد صلاح

عودة

 

نحن على العهــــد (2)

 

بقلم / الشيخ رائد صلاح

الشيخ رائد صلاح - رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

 

لا زلت أؤكد لكل الإخوة والأخوات في الحركة الإسلامية أننا على العهد!! ولا زلت أؤكد لكل أهلنا وجماهيرنا وشعبنا وأمتنا أننا على العهد!! ولا زلت أصرخ في وجوه الظالمين نحن على العهد وموتوا بغيظكم!!

 

فنحن الرابحون وإن صورت لكم أيها الظالمون أنفسكم غير ذلك!! ونحن الفائزون وإن غرتكم قوتكم مؤقتا وأوحت لكم بغير ذلك!! وإن تسخروا منا اليوم فإنا نقول لكم كما قال الله تعالى :{ إن تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون} !! وان تضحكوا منا اليوم فأنتم كما قال الله تعالى :{ ان الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون}!! أما  غدا فنحن الضاحكون منكم كما قال الله تعالى (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) !! وكل أمرنا خير!! فان كنا في السجن فكل أمرنا خير!! وإن أصابتنا سراء فكل أمرنا خير!! وإن أصابتنا ضراء فكل أمرنا خير!! ولتفعلوا ما يحلو لكم!! أنتم الخاسرون أما نحن، فنحن على العهد سائرون!!

 

2- وهاأنذا أسطر هذه التذكرة للصديق والعدو والقريب والبعيد والمحب لنا نحن رهائن الأقصى أو الحقود، هاأنذا أسطرها نقلا عن ابن قيم الجوزية في بعض فصول كتابه القيم «زاد المعاد» -مع بعض التصرف- حيث يقول ابن القيم في الجزء الثالث من هذا الكتاب : قال تعالى :{ وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم انه قال :«ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها» وهذه الكلمة تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته (أحدهما) أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة وقد جعله عند العبد عارية. فإذا أخذ الله تعالى من هذا العبد نفسه أو بعض ماله أو بعض أهله فالله تعالى كالمعير يأخذ متاعه من المستعير وهو هذا العبد . ثم يقول الإمام ابن القيم- وهنا أكتب بتصرف- : إن العبد محفوف بعدمين : عدم قبله وعدم بعده، بمعنى أن العبد قبل أن يُرزق المال كان محفوفا بالعدم، حيث لم يكن معه هذا المال، ثم بعد أن يفنى هذا المال فسيكون محفوفا بالعدم أيضا بعد أن فني هذا المال، وان هذا العبد قبل أن يُرزق الولد كان محفوفا بالعدم، حيث لم يكن معه هذا الولد، ثم بعد أن يموت هذا الولد فسيكون هذا العبد محفوفا بالعدم أيضا بعد أن مات هذا الولد، إذن فملك العبد لهذا المال أو لهذا الولد هو ملك معار لهذا العبد من الله تعالى في زمن يسير، وهذا الزمن اليسير ما بين عدم سابق وعدم لاحق!! فلا محل للوهن ولا للحزن في حياة المؤمن!! وعليه أن يتحلى بالصبر والرضا في كل الظروف بغض النظر عن الظروف الذي يعيش فيها!! ولأننا نجتهد أن نحقق هذه القيم الإيمانية فسنبقى نصرخ في وجه الظالمين نحن على العهد وموتوا بغيظكم !! سواء ابتلينا بحرية حركتنا أو أجسادنا أو بنقص من الأموال والأنفس والثمرات!! فكل ذلك في سبيل الله تعالى يهون . ثم يقول الإمام ابن القيم :( (والثاني) أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ويجيء ربه فردا كما خلقه أول مرة، بلا أهل ولا مال ولا عشيرة .. فإذا كانت هذه بداية العبد ونهايته فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود..) ولذلك فإن فكر العبد المتحلي بهذه القيم الإيمانية يدفعه ألا يأسى على ما فاته أو ما أصابه أو ما ابتلي به ولا يفرح بما أوتي من حظوظ الدنيا، وفي نفس الوقت فإن فكره يدفعه أن يطوع كل أمره إلى طاعة الله تعالى استعدادا للقاء الله تعالى الحتمي القريب!! وهكذا يصبح السجن دون لسعة البعوض عند المؤمن الصابر، ويصبح السجن خلوة مع الله تعالى ونعمة كبرى عند المؤمن الراضي، فكيف حال المؤمن الشاكر.

 

3- ثم يقول ابن القيم حول كل ما يلقى المؤمن في هذه الدنيا من مظاهر البلاء :(.. ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، قال الله تعالى :{ ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور}!! وهكذا فإن المؤمن الصادق الذي ذاق حلاوة هذه القيم الإيمانية لا يعاني من الندم على ما فات أو من القلق على ما هو قادم بل يمضي في طريقه متوكلا على الله تعالى، يتزود بالتقوى ويتزود بالطاعة ويحدث لكل ذنب توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية ويتقدم إلى الأمام لا يحني لأهل الباطل وزلم الظلم هامة ولا يطأطئ لهم رأسا، فالشجاعة صبر ساعة، والثبات حصن الأصالة مهما اشتدت الظروف، وهكذا يصبح حال المؤمن كطائر السمندل يبيض ويفقس في النار!! ويظل يصرخ في وجه الظالمين: نحن على العهد وموتوا بغيظكم!! وشاهت وجوهكم!! ومزق الله صف ظلمكم!!

 

4- ثم يقول ابن القيم ناصحا لكل السائرين إلى الله تعالى وان وجدوا أنفسهم مضطرين أن يشمروا عن ساقهم ويسيروا في طريق من شوك:(... ومن علاجه أن ينظر إلى ما أصيب به فيجد ربه قد أبقى عليه مثله أو أفضل منه وادخر له إن صبر ورضي ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة وانه لو شاء لجعلها أعظم مما هي) نعم هذه هي الحقيقة التي لا مراء عليها في فكر المؤمن وسلوكه وسيره، فكل مصيبة دون مصيبة الدين فهي جلل، وكل ابتلاء قد ينال من جسد المؤمن أو من أهله أو من دنياه دون أن ينال من عقيدته وأصالة ولائه وطهر انتمائه فهو يهون!! وصدق من قال (لقد وُكّل البلاء بالولاء كي لا يدعي الولاء الكثير) فما يراه الناس بلاء فهو في عين المؤمن ولاء حلق به إلى مقامات الصادقين، وما يراه الناس محنة فهو في عين المؤمن منحة طارت به إلى عالم أفراح الروح، تاركا أقزام الظالمين يتخبطون في غرورهم الموهوم أما هو فلا ينفك يصرخ فيهم نحن على العهد!! وعهدنا عزم من الإيمان يرعاه الواحد الديان!!

 

5- ثم يقول ابن القيم هامسا في أذن المؤمن الذي قد ينظر حوله فلا يرى إلا القليل يسيرون معه في نفس الطريق، وحتى لا يستوحش لقلة السالكين، وحتى لا يضعف وينهار لطول الطريق يضعه ابن القيم أمام هذه اللافتة المباركة :( .. ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب وليعلم أنه في كل واد بنو سعد ولينظر يمنة فهل يرى إلا محنة ثم ليعطف يسرة فهل يرى إلا حسرة، وأنه لو فتش العالم لم ير فيهم إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروه وان سرور الدنيا أحلام أو كظل زائل إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا، وإن سرََّت يوما ساءت دهرا، وان متعت قليلا منعت طويلا، وما ملأت دارا خيرة إلا ملأتها غبرة، ولا سرته بيوم سرورا إلا خبأت له يوما شرورا) ولذلك وان تداعت الابتلاءات على المؤمن كتداعي الأكلة على قصعتها فانه لا ينفك يقول لنفسه أين أنا من خليل الله إبراهيم عليه السلام الذي ألقي في النار؟! وأين أنا من نبي الله إسماعيل الذي تمدد للذبح؟! وأين أنا من نبي الله يحيى  الذي ذبحوه في المحراب؟! وأين أنا من نبي الله زكريا الذي نشروه بالمنشار؟! وأين أنا من خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي مسه الضر وأصابه البلاء بلا انقطاع وهو في الدنيا؟! وهكذا يصغر في عين المؤمن كل بلاء ويرخص كل غال ويهون كل محذور، ويمضي لا يلتفت إلى الوراء حاديا في طرب:

ركضاً إلى الله بغير زادِ     إلا التقى وعمل المعاد

 وإذا ما رصدته خفافيش الظالمين من بعيد، يصرخ في وجوههم: نحن على العهد وموتوا بغيظكم!!

 

6- ويسوق ابن القيم مجموعة أمثلة طيبة تعزز واقعية القاعدة السابقة فيقول :( قال ابن مسعود رضي الله عنه :( لكل فرحة ترحة وما ملئ بيت فرحا إلا مُلىء ترحا) ، وقال ابن سيرين :( ما كان ضحك قط الا كان من بعده بكاء) وقالت هند بنت النعمان :( لقد رأينا ونحن من أعز الناس وأشدهم ملكا ثم لم تغب الشمس حتى رأيتنا ونحن أقل الناس وأنه حق على الله أن لا يملأ دارا خيرة إلا ملأها غبره) وسألها رجل أن تحدثه عن أمرها فقالت :( أصبحنا ذات صباح وما في العرب أحد إلا يرجونا ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا) .

 

7- ثم يقول ابن القيم لمن اشتدت عليه الأزمة وضاقت حلقاتها :(.. ومن علاجها أن يعلم أن الجزع لا يردها بل يضاعفها وهو في الحقيقة من تزايد المرض، ومن علاجها أن يعلم أن فوت ثواب الصبر والتسليم وهو الصلاة والرحمة والهداية التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع أعظم من المصيبة في الحقيقة، ومن علاجها أن يعلم أن الجزع يشمت عدوه ويسوء صديقه ويغضب ربه ويسر شيطانه ويحبط أجره ويضعف نفسه، وإذا صبر واحتسب أقصى شيطانه، ورده خاسئا، وأرضى ربه، وسر صديقه، وساء عدوه وحمل عن إخوانه وعزاهم هو قبل أن يعزوه، فهذا هو الثبات والكمال الأعظم...) وممن توسدوا ذروة هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية حيث يتحدث تلميذه ابن القيم كيف انه كان يستقبلهم لدى زيارتهم له في سجنه مبتسما ثم يحدثهم حديث رجل الهمم العالية، لدرجة أن ابن القيم يقول : فكنا نشعر بعد حديثه وكأننا نحن السجناء وهو الحر الطليق، لذلك حق لأصحاب هذه الهمم ولمن تشبه بهم أن يصرخ في وجوه الظالمين نحن على العهد وموتوا بغيظكم!!

 

8- ثم يقول ابن القيم مجتهدا أن يذب عن المؤمن أصوات المثبطين وهو في أتون المحنة :( ومن علاجها أن يعلم أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه، ويكفيه من ذلك بيت الحمد الذي بني له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه، فلينظر أي المصيبتين أعظم مصيبة العاجلة أو مصيبة فوات بيت الحمد في جنة الخلد، وفي الترمذي مرفوعا :«يود ناس يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا لما يرون من ثواب أهل البلاء» ، وقال بعض السلف:( لولا مصائب الدنيا لوردنا القيامة مفاليس) . وهكذا يحول المؤمن صبره ورضاه إلى صارم مسلول يقطع به دابر كل مثبط يعرض عليه التثبيط بثوب الشفقة والرحمة، بغية أن ينجح هذا المثبط بفل عزم المؤمن، ولكن أنّى له ذلك والمؤمن قد صقلت الابتلاءات توسمه لدرجة أنه بات يتقن فن التوسم وبات يتقن فن التمييز بين الغث والسمين وبين الماء الزلال والسراب الخادع، وبات يصدع بالحق القيم صارخا في وجه الظالمين: نحن على العهد وموتوا بغيظكم!!

 

9- ثم يواصل ابن القيم حديثه مشفقا على نفسه وعلينا أن تزل قدم بعد ثباتها، أو أن يكبو السائر كبوة لا قيام بعدها، أو أن يتعثر الناهض عثرة تبقيه طريح الأرض بلا انتصاب فيقول :( .. ومن علاجها أن يعلم أنه وان بلغ في الجزع غايته فآخر أمره إلى صبر الاضطرار وهو غير محمود ولا مثاب، قال بعض الحكماء ( العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم) وفي الصحيح مرفوعا :( الصبر عند الصدمة الأولى) وقال الأشعث بن قيس :( إنك إن صبرت إيمانا واحتسابا وآلا سلوت سلو البهائم )) . وعليه فان المؤمن يمضي في طريقه ولا ينفك يردد كلما اشتدت عليه المحنة ما كان يردده عمران بن حصين في علته :( أحبه إليّ أحبه إليه)!! فهو بالله ولله والى الله، وما ضره عندها أن يصرخ في وجه الظالمين: نحن على العهد!! وموتوا بغيظكم!! ثم لتكن النتائج ما تكون فلله عاقبة الأمور!!

 

10- ثم يجد ابن القيم مجتهدا أن يصوغ من نصائحه ماءً زلالاً يفيضه ريا للسائرين في الطريق الى الله تعالى فيقول: ( ومن علاجها أن يعلم أن الذي ابتلاه بها أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وانه لم يرسل البلاء ليهلكه به ولا ليعذبه به ولا ليجتاحه، وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه وليسمع تضرعه وابتهاله وليراه طريحا ببابه لائذا بجنابه مكسور القلب بين يديه، رافعا قصص الشكوى إليه، قال الشيخ عبد القادر ( يا بني إن المصيبة ما جاءت لتهلكك وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك، يا بني القدر سبع والسبع لا يأكل الميتة) والمقصود أن المصيبة كير العبد الذي يسبك به حاصله، فإما أن يخرج ذهبا أحمر وإما أن يخرج خبثا كله.. فان لم ينفعه هذا الكير في الدنيا فبين يديه الكير الأعظم، فإذا علم العبد أن إدخاله كير الدنيا ومسكبها خير له من ذلك الكير والمسبك، وانه لا بد من أحد الكيرين فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل ) إن كلمات ابن القيم ليست من قبيل الكلمات المتقاطعة، وان كلمات الشيخ عبد القادر ليست من فوازير ( من سيربح المليون) بل هي كلمات ملذوعين صابروا على البدايات المحرقة طامعين بالوصول إلى النهايات المشرقة!! طاعة لله تعالى ونصرة لدين الله تعالى، ورجاء أن يرد عنهم إيمانهم نار جهنم يوم القيامة!! وأمام هذه الغايات ما أصغر الدنيا في عيونهم!! فلو قيل إنها أصبحت في حجم حبة السمسم في عيونهم قل هي أصغر!! ولأن الدنيا قد تقزمت بهذا الحجم في أعينهم، فمن باب أولى أن يتحول الظالمون في عيونهم إلى قريب من العدم، ومن باب أولى أن يظلوا صارخين في وجوه الظالمين: نحن على العهد وموتوا بغيظكم!! وانتظروا إنا منتظرون .

 

11- ثم يلفت ابن القيم قلوب المؤمنين وعقولهم الى أمر كريم لأنهم قد يكونوا عنه غافلين فيقول:( ومن علاجها أن يعلم أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلا وآجلا فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده  في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب تكون حمية له من هذه الأدواء وحفظا لصحة عبوديته واستفراغا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلي بنعمائه كما قيل:

قد ينعم الله بالبلوى وان عظمت

ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

 

فلولا انه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء، لطغوا وبغوا وعتوا، والله سبحانه اذا أراد بعبد خيرا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله يستفرغ به من الأدواء المهلكة حتى اذا هذبه ونقاه وصفاه أهلّه لأشرف مراتب الدنيا وهي عبوديته وأرفع ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربه )!! وهكذا فان المؤمن وهو يتصدى للابتلاءات التي تقع عليه وهو ماض في طريقه فانه لا ينسى أن يتصدى لوساوس النفس التي هي في الحقيقة أخطر عليه من كل عدو وخارجيّ!! ولذلك فإن المؤمن يحرص دائما على الانتصار على نفسه كي يبقى دائما مؤهلا للانتصار على عدوه الخارجيّ!! وكي يبقى دائما مؤهلا أن يصرخ في وجه الظالمين: نحن على العهد وموتوا بغيظكم!! والله من ورائكم محيط!!

 

12- ثم يختتم ابن القيم هذه القواعد القيمة بخاتمة مسك فيقول: ( ومن علاجها أن يعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة الآخرة يقلبها الله سبحانه كذلك، وحلاوة الدنيا بعينها مرارة الآخرة، ولئن ينتقل من مرارة منقطعة الى حلاوة دائما خير له من عكس ذلك، فان خفي عليك هذا فانظر الى قول الصادق المصدوق :«حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات»، وفي هذا المقام تفاوتت عقول الخلائق، وظهرت حقائق الرجال، فأكثرهم آثر الحلاوة المنقطعة على الحلاوة الدائمة التي لا تزول، ولم يحتمل مرارة ساعة بحلاوة  الأبد، ولا ذل ساعة لعز الأبد، ولا محنة ساعة لعافية الأبد، فإن الحاضر عنده شهادة، والمنتظر غيب، والايمان ضعيف، وسلطان الشهوة حاكم، فتولد من ذلك ايثار العاجلة ورفض الآخرة، وهذا حال النظر الواقع على ظواهر الأمور وأوائلها ومباديها، واما النظر الثاقب الذي يخرق حجب العاجلة ويجاوره الى العواقب والغايات فله شأن آخر، فادع نفسك الى ما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم والسعادة الأبدية والفوز الأكبر، وما أعد لأهل البطالة والاضاعة من الخزي والعقاب والحسرات الدائمة، ثم اختر أي القسمين أليق بك، وكل يعمل على شاكلته، وكل أحد يصبو الى ما يناسبه وما هو الأولى به .. ) .