|
نداء
بقلم / الشيخ رائد صلاح
الشيخ رائد
صلاح - رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني
1- شعبنا
الفلسطيني شعب عريق له امتداده الإسلامي والعربي، لذلك فتاريخه هو جزء من
هذا التاريخ الإسلامي العربي، وحضارته هي جزء من الحضارة الإسلامية
العربية، وهو شعب غني بالقيم الإنسانية العالمية الرفيعة، وهو شعب يحب
السلام المحلي والعالمي ويدعو إليه، وهو شعب يعشق الحرية لنفسه ولغيره
ويسعى إليها، وهو شعب ينتصر للعدالة لرد حقه ورد حقوق الآخرين، وهو شعب
لا يحب مشهد الدم في يوم من الأيام، ولا يحب إيذاء الآخرين ولا قتلهم ولا
سرقة ابتسامة أطفالهم ولا تعكير فرحة عيدهم، ولا يحب مصادرة أرض الآخرين
وهدم بيوتهم وسرقة خيراتهم، وهو شعب لا يطيق غربة الخيام لنفسه ولغيره
لأنه اكتوى بنارها عشرات السنوات، وهو شعب لا يطيق رؤية دموع الأرامل
وبكاء الأيتام وصراخ الرضع الصغار في حياته أو في حياة الآخرين، لأنه ما
زال يتقلب على جمر مئات آلاف الأرامل و الأيتام المفجوعين في البيت
الفلسطيني المكلوم، وهو شعب لا يطيق الأبصار السريع الخاطف لمشهد مجزرة
أو مأساة مذبحة تقع عليه أو على غيره من أمم الأرض، لأنه ما زال يتحسر
ويتجرع مرارة الحسرة كل عام، ففي كل عام يغرق في مجزرة وفي كل عام يغوص
في مذبحة، ولا يزال هو والموت كالروح والجسد لا يفترقان منذ عشرات
السنين، هذا شعبنا الفلسطيني وهذا نبض صغاره و كباره ونبض أرضه ومدنه
وقراه ومخيماته ، ونبض حاراته وشوارعه و أزقته وبيوته، ونبض حقوله و
أشجاره وبساتينه و أزهاره، ونبض ليله ونهاره!!
2- ولكن شعبنا
الفلسطيني شعب طورد وما زال يطارد منذ بداية القرن الماضي (القرن
العشرين) !! منذ بداية القرن الماضي وهو يعيش النكبة تلو النكبة إلى
اليوم بدون توقف !! منذ القرن الماضي لم ينفض يديه من تراب القبور التي
لا يزال يحفرها ولا يزال يدفن فيها قوافل الشهداء كل يوم!! منذ القرن
الماضي ولم تُغلِق بيوت العزاء أبو أبها ولا تزال القهوة المرة (السادة)
تدار على وفود المعزين، ولا تزال أسراب التوابيت تغدو وتروح بين البيوت
والمقابر، ولا تزال النائحات تنوح ولا تزال الثكالى تولول ولا يزال
الأيتام يبكون!! منذ القرن الماضي ولا تزال إذاعات وفضائيات وصحف أهل
الأرض تتحدث عن ويلات شعبنا الجريح الذي لم يتوقف نزيف جرحه إلى الآن!!
فقبل عشرات السنوات حدثونا عن مجازر ارتكبها الاستعمار البريطاني في حق
شعبنا !! ثم حدثونا عن مجازر ارتكبتها العصابات الصهيونية في حق شعبنا!!
أما اليوم فنحن الذين نحدث عن المجازر التي لا تزال الحكومات
"الإسرائيلية" ترتكبها في حق شعبنا !! قبل عشرات السنوات حدثونا عن مجزرة
الطنطورة ومجزرة عيلوط والشجرة وعين غزال واجزم والدوايمة !! ثم حدثونا
عن مجزرة دير - ياسين وكفر قاسم وخربة خزعة!! أما اليوم فنحن الذين نتحدث
عن مجزرة جنين ومجزرة بلاطة ومجزرة مسجد الحرم الإبراهيمي ومجازر المسجد
الأقصى المبارك!! هذا شعبنا الفلسطيني وهذا تاريخه الذي ما زال حاضرا
وهذا حاضرة الذي ما زال يدب دبيب المثخن بالجراح والمضرج بالدماء والمثقل
بالهموم والذي لا يزال يجر خلفه مأساة الإنسان والمقدسات والأرض
والمحاصرين والمهجرين واللاجئين!!
3- قبل أيام
التقيت مع أخ كريم ممرض يعمل في أحد المستشفيات الحكومية "الإسرائيلية"
فحدثني عن طبيب يهودي، اندفع وقال هذا الطبيب اليهودي انه زار مخيما
فلسطينيا في الضفة فرأى نساء و أطفالا بدون رجال !! فسأل أين الرجال؟!
فقيل له : منهم القتيل ومنهم السجين ومنهم الطريد !! يقول هذا الطبيب
اليهودي : فقلت في نفسي يا ويلنا عندما يكبر هؤلاء الأطفال !! لا بد أنهم
سيثأرون لآبائهم !! ثم ماذا ؟! حدثني أخ كريم آخر أنه كان ذات يوم في
معهد التشريح الطبي (ابو كبير) الموجود في (تل أبيب) وشاء الله تعالى أن
تقع عملية تفجير حافلة عندما كان هذا الأخ في ذاك المعهد (أبو كبير)،
وكما هو متوقع بدأت وكالات الإعلام تتحدث عن عدد الضحايا والجرحى و إذ
ببعض اليهود الذين كانوا هناك في ذاك المعهد يقولون لبعضهم : نحن السبب
في كل ما يقع علينا لأننا ما عدنا نعرف ماذا يوجد لنا في غزة حتى نبقى في
غزة؟! وماذا يوجد لنا في الخليل حتى نبقى في الخليل؟! وماذا يوجد لنا في
بيت لحم ورام الله و نابلس وجنين و طولكرم و قلقيلية حتى نبقى فيها ؟! ثم
ماذا؟! شاء الله تعالى واجتمعت مع أحد الناشطين السياسيين في حزب
"إسرائيلي" فقال لي خلال حوار جرى بيننا : " إننا شعب "إسرائيلي" غبي جدا
ونغالط أنفسنا كثيرا !! أنا كثيراً ما أسأل نفسي : لو رأيت الآخرين
يقصفون بيوتنا بالطائرات والمروحيات والدبابات ماذا كنت سأفعل ؟! هل كنت
سأقف متفرجا أم كنت سأغضب وانتقم ولعلي كنت سأفجر نفسي؟! نحن شعب غبي جدا
لأننا قد نبيح لأنفسنا ذلك ونستغربه على الآخرين!!"، ثم ماذا ؟! أذكر
عندما وقعت مجزرة مسجد الحرم الإبراهيمي الدامية الحزينة، بعد أيام على
وقوعها قال أحد وزراء حكومة رابين في حينه : " لقد جررنا أنفسنا إلى
دوامة انتقام لا مخرج منها، لأن الذي يعتقد أن هناك جنودا لرب "إسرائيل"
فإن هناك جنودا كذلك لرب المسلمين، والذي يميز جنود رب المسلمين انهم
يملكون الاستعداد للتضحية بأنفسهم " ؟! ثم ماذا ؟! ها هو الكاتب المشهور
في المجتمع "الإسرائيلي" (ا.ب يوشع) يصرح أخيراً ويقول متهما سياسة
الحكومات "الإسرائيلية" إنها هي السبب المباشر بكل ما يصدر عن
الفلسطينيين من أساليب مقاومة تسعى لإنهاء الاحتلال "الإسرائيلي"!! لقد
تعمدت أن أسرد كل هذه الشواهد لأقول للجميع لا تغالطوا أنفسكم وآن الأوان
أن تعترفوا بالحقيقة !! آن الأوان للبيت الأبيض الأمريكي وللحلف الأوروبي
وللكريملين الروسي آن الأوان لهم أن يعترفوا بالحقيقة !! وآن الأوان لكل
المجتمع "الإسرائيلي" ولكل الحكومات "الإسرائيلية" أن تعترف بالحقيقة !!
آن الأوان لبقية شعوب الأرض وحكوماتها أن تعترف بالحقيقة !! تلك الحقيقة
الساطعة كسطوع الشمس التي تقول : إنه لا حل للصراع الفلسطيني
-"الإسرائيلي" ومن ثم لا حل للصراع العربي -"الإسرائيلي" ولا حل للصراع
الإسلامي -"الإسرائيلي" ما دام الشعب الفلسطيني يغوص بدمائه من رأسه حتى
أخمص قدميه وما دامت القدس الشريف وما دام المسجد الأقصى يرفلان بثياب
الحداد وما دام الملايين من اللاجئين الفلسطينيين يصرخون منذ قرن من
الزمان ولا يسمعون صدى لصراخهم !!
4-آن الأوان
لجورج بوش الابن أن يعلم أن المكر الأمريكي أن ملك القدرة على إزالة
الجبال فلن يملك القدرة على إزالة الحق الفلسطيني !! لينظر بوش الابن إلى
الوراء !! لينظر في خزانة الوثائق السرية الأمريكية !! لينظر إلى تجربة
"ريجن" والى تجربة من قبله ومن بعده !! لينظر إلى تجربة " كلينتون-مونيكا
" !! سيجد بوش الابن أن عشرات الخطط رسمت لإزالة الحق الفلسطيني ولكنها
فشلت !! سيجد بوش الابن أن المدمرة "نيوجرسي" نجحت أن تقصف أعضاء من
الجسد الفلسطيني في لبنان ولكنها لم تنجح أن تقتل الروح الفلسطينية !!
سيجد بوش الابن أن " أوسلو " نجحت أن تخدع عمالقة السياسة في العالم إلا
أنها لم تنجح بخداع الطفل السياسي الفلسطيني !! ليعلم بوش الابن أن ما
نجح به مع الهنود الحمر لن ينجح به مع الشعب الفلسطيني !! فكان يا ما كان
سياسي أمريكي اسمه " كيسنجر" ثم " سايروس فانس" ثم "أولبرايت" ثم
"تينت" ثم "زيني" ثم "شيني" فذهبوا جميعا وبقي الحق الفلسطيني !! وسيذهب
بوش الابن كما ذهب بوش الاب وسيبقى الحق الفلسطيني .
5-آن الأوان
للموقف الرسمي الأوروبي ولموقف الكرملن الرسمي أن يعلم أنه لن يخدع شعبنا
الفلسطيني معسول كلامكم ولا سراب وعودكم بعد اليوم !! شعبنا الفلسطيني
شعب حليم ولكنه لا ينسى من كان من وراء وعد بلفور !! ومن كان من وراء
معاهدة سايكس بيكو ومن كان من وراء التآمر على إسقاط الخلافة الإسلامية
من خلال عملاء مرتزقة وقف في مقدمتهم مصطفى كمال أتاتورك !! ومن كان من
وراء تمزيق الوحدة الإسلامية وتمزيق الوحدة العربية !! ومن هو المستعمر
الذي أذاق أمتنا الإسلامية وعالمنا العربي ويلات الاستعمار بمصر والجزائر
وليبيا والمغرب وسوريا والعراق والخليج والسودان و هندستان و أفغانستان
!! لا بل من هو المجرم الذي لا يزال يذبح أبناء أمتنا الإسلامية في
البوسنة و الشيشان و كوسوفا و أفخازيا وكشمير وبورما !! آن الأوان لأبطال
الموقف الرسمي الأوروبي أن يعلموا أن صفحات استعمارهم السوداء قد طويت
وبقيت صفحات الحق الفلسطيني البيضاء .
6-آن الأوان
للموقف "الإسرائيلي" الرسمي والشعبي أن يعلم أن نكبة فلسطين قد بدأت منذ
أربعة وخمسين عاما ولم تتوقف إلى الآن ، ولكن رغم أنها لم تتوقف ورغم
أنها ما زالت تتواصل بحملها الثقيل الذي فيه من دماء وشهداء ودموع و
أيتام ولاجئين وخيام إلا إن الحق الفلسطيني ما زال قويا منتصبا على قدميه
لن يخرس ولن يكبو ولن يتقاعد ، وان الذي يضحك على نفسه أو على شعبه في
المجتمع "الإسرائيلي" ويدعي أنه بقوة " الشاباك " وبقوة "الموساد" وقوة
"تساهل" وسلاح الجو والبحر سيخمد أنفاس الحق الفلسطيني أقول له إنك مخطئ
في ظنك ومسكين في تفكيرك ومخادع لنفسك ولغيرك !! لقد كانت النكبة الأولى
عام 1948 ولقد كانت هزيمة عام 1967 ثم كان اجتياح لبنان عام 1982 ثم كان
فرض سياسة القبضة الحديدية وتكسير العظام منذ عام 1987 وتخلل كل هذه
السنوات عشرات المجازر التي وقعت على شعبنا الفلسطيني ، ولكن ما زال الحق
الفلسطيني كما هو يفرض وجوده على الساحة المحلية والدولية !! ثم كم هو
مجنون ذلك المسؤول الرسمي "الإسرائيلي" الذي قد يخيل إليه أنه بمواصلة
عملية تصفية القيادات الفلسطينية فسيكسر قناة الحق الفلسطيني !! نعم كم
هو مجنون من يتصور ذلك وكأني به يقول لنفسه إنه سيحرص على التصفية وأن
احتاج الأمر إلى تصفية كل الشعب الفلسطيني !!فهل هذا معقول .
7-أما أنت يا
شعبنا الفلسطيني فنحن على يقين أنك سائر في طريق تحقيق المشروع الفلسطيني
الذي سينتهي بقيام الدولة الفلسطينية ، والذي سينتهي باسترجاع القدس
الشريف والمسجد الأقصى المبارك ، والذي سينتهي بإحقاق حق اللاجئين وتثبيت
حق العودة لهم !! نعم نحن على يقين من ذلك ، وإن سأل بعض الناس متى هو ؟!
فقل عسى أن يكون قريبا ...
|