|
1- لقد رفض آخر
خليفة مسلم في آخر عهد للخلافة أن يفرط بشبر واحد من فلسطين ، ولقد أصر
ذاك الخليفة وهو السلطان عبد الحميد الثاني على الرفض يوم أن توجه
إليه "هرتسل " عارضا عليه آلاف الليرات الذهبية مقابل
أن يعطي السلطان عبد الحميد الثاني حق الهجرة لليهود إلى فلسطين ، فكان
أن أجابه السلطان و أكد له أن فلسطين ليست ملك يمينه وأنه يخشى أن يسأله
الله عنها إذا ما فرط بشبر منها ، لا بل أكد له السلطان أن ألم المقص
الذي قد يقطع من لحم السلطان أهون عليه من أن يوافق على قطع جزء من
فلسطين و إعطائه إلى غير أهله !! ثم أمر هرتسل بالانصراف !! وانصرف هرتسل
.
2- - في المقابل
فإن أول حاكم عربي في أول عهد جديد لأول نظام عربي جديد صادَقَ على إقامة
المشروع الصهيوني على أرض فلسطين !!! وقد وقع ذلك من خلال ما عرف باسم
"الثورة العربية الكبرى " حيث تمرد قائدها الشريف حسين ومن يواليه على
الخلافة الإسلامية ووالوا الإنجليز ، وأبرموا
بينهم وبين الإنجليز صفقة مفادها أنهم يوافقون على قيام المشروع الصهيوني
على أرض فلسطين مقابل أن توافق حكومة
الإنجليز على قيام مملكة عربية مستقلة .
3- وتم تنفيذ
ذلك فيما بعد ، وقام المشروع الصهيوني في حينه على أرض فلسطين ، وتحقق
حلم أبطال الثورة العربية الكبرى وقامت لهم مملكة ، ولكنهم ظلوا على شعور
أن قيام مملكتهم ارتبط مع قيام المشروع الصهيوني ، وأن نجاح مملكتهم
ارتبط مع نجاح المشروع الصهيوني ، وأن استمرار مملكتهم ارتبط مع نجاح
استمرار وجود المشروع الصهيوني ، وأن استتباب الأمن في مملكتهم مربوط مع
استتباب الأمن في حاضر ومستقبل المشروع الصهيوني !! لذلك فقد رحبوا
-بالخفاء- بقيام المشروع الصهيوني لا بل دعموه وآزروه ومهدوا له كل الطرق
حتى يحرز نجاحا كبيرا في أقصر وقت ممكن .
4-وهكذا وُضِع
أول مسمار في نعش فلسطين ، وهكذا وُضِع أول" إسفين" في حاضر العالم
العربي والإسلامي ، ثم ماذا ؟ من الواضح لكل عاقل أن بعض النظم قامت بعد
ذلك وقد كان هناك يد للمشروع الصهيوني في قيامها وتوفير المناخ المناسب
لنجاحها ، وواضح جدا أن ذلك ما كان مجانا بل كان معناه أن تتحول هذه
الأنظمة إلى أنظمة داعمة ولو بالخفاء لقيام
واستمرار قيام المشروع الصهيوني على أرض فلسطين !!! وهكذا وُضِع ثاني
مسمار في نعش فلسطين ، وهكذا وُضِع ثاني إسفين في حاضر العالم العربي
والإسلامي ، ثم ماذا ؟ .
5- سعت قيادات
المشروع الصهيوني بعد ذلك أن تمد "جسور
الحوار السرية" مع بعض النظم التي كانت قائمة أو التي قامت فيما بعد !!!
ثم تحولت "جسور الحوار السرية " إلى قناعات
بين هذه الأنظمة وبين قيادات المشروع
الصهيوني أن هناك مصالح كبرى مشتركة تربط بين
الطرفين !! أصبحت قناعات لدى هذه الأنظمة أن بعض مصالحها مرتبطة ببعض
مصالح المشروع الصهيوني ، وأن المخاطر التي
قد تهدد واقع المشروع الصهيوني هي نفس المخاطر التي قد تهدد واقع هذه
الأنظمة ، لذلك فإن القضاء على مصادر هذه المخاطر هي
مصلحة مصيرية مشتركة للطرفين!! وهكذا وُضِع ثالث مسمار في نعش فلسطين ،
وهكذا وُضِع ثالث إسفين في حاضر العالم العربي والإسلامي ، ثم ماذا؟.
6- ظهرت بعض
الأنظمة التي ما كانت متأثرة بكل ما قلت ، ولكن هذه الأنظمة قامت وفي
داخلها قابيلة استغلال وجود وبقاء المشروع الصهيوني لصالحها !! ولو نطقت
هذه الأنظمة صراحة لقالت : إن من مصلحتها وجود وبقاء المشروع الصهيوني
حتى تستعمله "شماعة" أمام جماهيرها المطحونة ، فتعلق كل أسباب الفشل على
هذه "الشماعة" !! كأن تقول إن على الجماهير
أن تصبر على الوضع الاقتصادي الصعب لأن النظام يصرف الملايين على التصدي
للمشروع الصهيوني !! أو كأن تقول : أيتها
الجماهير نحن في حالة طوارئ لأننا ما زلنا في حالة حرب مع المشروع
الصهيوني ، ولذلك فإن النظام مضطر اضطرارا أن
يعلن عن قوانين عرفية صارمة ، وسيضطر النظام
أن يحاكم كل خارج عليه على ضوء هذه القوانين العرفية !!! والويل كل الويل
لمن شق وحدة الصف الوطني !!! الويل كل الويل لمن عمل
على زعزعة النظام وضرب المصلحة العامة بعرض الحائط !!! الويل كل الويل
لمن التف على النظام وبذلك فقد إلتف على مصلحة
الجماهير !! وبذلك بنت بعض الأنظمة لنفسها عددا من السجون أكثر مما بنت
من المدارس !! وبذلك بنت بعض الأنظمة لنفسها عددا من الأجهزة الأمنية
وأجهزة المخابرات أكثر مما حشدت جيوشا على الحدود !! وبذلك سمحت بعض
الأنظمة لنفسها أن تعلق أعواد المشانق وأن
تصدر أحكام الإعدام وأن تذبح وتسلخ أشراف الجماهير !! وبذلك سمحت بعض
الأنظمة لنفسها أن تتصرف بمقدرات الجماهير و أموالها بلا رقيب ولا حسيب
!! وكل ذلك تم تعليقه على" شماعة " اسمها
مقاومة وجود وبقاء المشروع الصهيوني !! وهكذا وُضِع رابع مسمار في نعش
فلسطين ، وهكذا وُضِع رابع إسفين في حاضر العالم الإسلامي والعربي !!
7-ولذلك فإن كل
هذه الأنظمة التي تحمل هذه الصفات التي ذكرتها أو التي تحمل بعض هذه
الصفات ، كل هذه الأنظمة كانت من المرحبين والمشجعين - بين السطور -
لإقامة منظمة التحرير الفلسطينية !! لماذا ؟! حتى تتجرد قضية فلسطين من
بعدها الإسلامي والعربي ، وبذلك تجد هذه الأنظمة لنفسها الأسلوب المناسب
والطريق المشروع كي تتملص من دورها تجاه قضية فلسطين تحت ذريعة أن قضية
فلسطين قد قام لها العنوان الكبير الذي بات يحمل أثقالها وهمومها !!
ولذلك صفقت الجماهير “من المحيط إلى الخليج"
لأحد الرؤساء" الخالدين !!"يوم أن قال في خطبة سياسية له عصماء
صقعاء:"فلسطين للفلسطينيين"!! قال ذلك حتى يجد لنفسه ولغيره الذريعة
المناسبة حتى يتفلتوا من الواجب الملقى على عاتقهم تجاه قضية فلسطين !!
وبذلك لعبت هذه الأنظمة في موضوع فلسطين لعبه مزدوجة !! فهي من جهة شرعت
لنفسها فلسفة سياسية ثورية وتقدمية تخلت من خلالها من أعباء القضية
الفلسطينية ، ومن جهة ثانية حولت وجود وبقاء المشروع الصهيوني إلى
"شماعة" علقت عليها كل أسباب فشلها وبررت من خلالها كل ممارسات القمع
التي عاملتها الجماهير حتى الآن !!
8-وبذلك تخلت هذه
الأنظمة حقيقة عن القضية الفلسطينية وتركت لمنظمة التحرير لوحدها دور
القيام بحمل هذه القضية الثقيلة جدا جداً !! في بُعدها الديني والقومي
والوطني والتاريخي والحضاري !! ولأن منظمة التحرير لا تملك الإمكانيات
والقدرة على حمل هذه القضية كما كان وما زال واضحا لكل عاقل ، فقد وجدت
هذه المنظمة نفسها تصارع لوحدها أكثر من مصارع في وقت واحد على حلبة
واحدة !! وأصبح ذلك كما لو طلبنا من فتى في مقتبل العمر أن يحمل حملا يزن
مئات الكيلو غرامات !! واضح جدا أن هذا الفتى لن يستطيع حمل ذلك ، لا بل
هناك خطر أن نخسر هذا الفتى وأن نفقد ما كان سيحمله هذا الفتى !! لذلك
تعاقبت الأيام و أصبحت القضية الفلسطينية تخضع لسياسة التقلصات يوما بعد
يوم !! فقد كانت في الوجدان الرسمي الفلسطيني تلك القضية المقدسة التي
تمتد من البحر إلى النهر ، إلا أنها تقلصت حيث أصبحت تلك القضية التي يجب
أن تجد لها حلا عادلا في حدود الضفة الغربية وقطاع غزة !! وليت الأمر وقف
عند ذلك بل خضعت لسياسة التقليص بعد ذلك حيث تحولت من قضية تطالب بدولة
فلسطينية إلى قضية تطالب بسلطة فلسطينية في حدود الضفة الغربية وقطاع غزة
!! ثم تقلصت و أخذ يقال ما نسبة مساحة هذه السلطة من مساحة الضفة الغربية
وقطاع غزة ؟! وما هي الصلاحيات الداخلية لهذه السلطة ؟! ولماذا لا يوجد
لها صلاحيات خارجية ؟! ثم تواصلت حُمّى التقليصات لدرجة أننا بدأنا نسمع
بعض القيادات الفلسطينية تعلن عن موافقتها للاكتفاء بحق العودة في حدود
(عدد ما) فقط في الضفة الغربية !! وبعض القيادات الفلسطينية راحت تعلن
أنها ترضى بحق (إداري ما) في القدس الشريف !! والبعض راح يقول إن من
الممكن الحديث عن (تفاهم ما) حول المسجد الأقصى المبارك !! الأمر الذي
دفع الكثير من المظلومين أن يصرخوا قائلين : يا ناس !! يا نشامة !! ماذا
بقي من القضية الفلسطينية ؟! وهنا أقول رحمك الله يا (أستاذ سيد قطب) !!
فبعد أن نظر بعين بصيرته ماذا ستكون العاقبة قال : هذا أول مسمار وُضِع
في نعش القضية الفلسطينية !! نعم قال ذلك وقد رأى الأيدي الخفية لبعض
الأنظمة التي تترست من خلف قيام منظمة التحرير لتدق في قضية فلسطين
مسامير نعشها يوما بعد يوم وعاما بعد عام !! فهل تجرؤ هذه الأنظمة على
الاعتذار ؟! هل يجرؤ منظرو هذه الأنظمة الذين نسجوا من حولها الهالات
المقدسة وخاطوا لها شعارات المرحلة ؟! هل يجرءون على الاعتذار ؟!
9- وهكذا تدهورت
الأوضاع وما زالت حتى الآن ؟! هكذا استغلت هذه الأنظمة قيام منظمة
التحرير لتختزل القضية الفلسطينية في إطار فلسطيني فقط !! أما العالم
الإسلامي والعربي فهو عالم مؤيد ليس إلا !! ثم ماذا... استغلت هذه
الأنظمة التوقيع على اتفاقية "أوسلو" ليجري تعديل ماهية القضية
الفلسطينية من قضية تبحث عن دولة إلى قضية تبحث عن سلطة !! ثم جرى
استغلال آخر لتداعيات "انتفاضة الأقصى" فراح البعض يسعى إلى إغلاق ملف
العودة ثم إغلاق ملف القدس ثم التنازل عن شيء اسمه "السيادة الفلسطينية"
، ولا ندري ماذا يدور في الدهاليز السرية خلال هذه الأيام !! والأنكى من
ذلك أن هذه الأنظمة التي مَنّت الجماهير بالحلول المستوردة البديلة عن
الإسلام ها هي توصل القضية الفلسطينية إلى ما وصلت إليه فهل يجرءون على
الاعتذار !! إن هذه الأنظمة طالما حاولت أن تشوه حقيقة الصحوة الإسلامية
المعاصرة تحت ادعاء أن هذه الصحوة مرتبطة مع "أمريكا" !! ولكن الذي تبين
أن هذه الأنظمة هي المرتبطة مع "أمريكا" حتى النخاع وأن الصحوة الإسلامية
المعاصرة تعاني من الغطرسة الأمريكية !! فهل تجرؤ هذه الأنظمة على
الاعتذار ؟! إن هذه الأنظمة سعت إلى ربط مصير القضية الفلسطينية بالمزاج
الأمريكي تحت إدعاء أن كل الأوراق بيد أمريكا !! الأمر الذي أوقع المذابح
بالسلاح الأمريكي على شعبنا الفلسطيني بدون توقف وحتى الآن !! فهل تجرؤ
هذه الأنظمة على الاعتذار ؟! هل يجرؤ بطانات هذه الأنظمة الذين أتقنوا
صناعة الكلام ونظّروا مبررين ضرورة تحييد الإسلام من حياة العالم
الإسلامي والعربي ، ونظّروا مبررين ضرورة الولاء لبريطانيا تارة ثم
الولاء لروسيا تارة أخرى ثم الولاء لأمريكا تارة ثالثة ، هل يجرؤ هؤلاء
البطانات أن يقولوا : إن ما يقع على القضية الفلسطينية هي ثمار للحلول
التي فرضناها على المسلمين والعرب ونحن نعتذر ؟! هل يجرءون على الاعتذار
.
10- ثم لا يكفي
الاعتذار ، فهل يملكون الجرأة على تحمل تبعات الاعتذار ؟ بمعنى أن يقولوا
نعتذر لقد أخطأنا وفشلنا ويجب أن نخلي دور القيادة لغيرنا ؟! هل يملكون
الجرأة أن يقولوا لقد أخذنا حظنا من التجربة خلال أربعة وخمسين عاما
وفشلنا ونحن نعتذر ؟! هل يملكون الجرأة أن يقولوا ضللنا وأضللنا غيرنا
فنحن نعتذر وها نحن نقدم استقالاتنا ؟! هل يملكون الجرأة أن يقولوا لقد
ثبت لنا بالدليل القاطع : أن الإسلام هو الحل !! ونحن نعتذر !! هل يملكون
الجرأة على الاعتذار .
|