|
إن
المتأمل في ما يرشح من تصريحات أمريكية حول القضية الفلسطينية ، لا يحتاج
كثير جهد و لا وعي حتى يفهم أن أمريكا ملتزمة خطا ثابتا و استراتيجيا
معاديا لحقوق شعبنا الفلسطيني و داعما بلا حدود للكيان الصهيوني الذي يمارس
أبشع صور الإرهاب ضد شعبنا الفلسطيني الأعزل .
فمن خطاب "كولن باول" وزير خارجية أمريكا - والذي ينظر إليه البعض على أنه
ممثل السياسة الأمريكية المعتدلة - ندرك الموقف الاستراتيجي لأمريكا، فها
هو يقول بكل وضوح " منذ قامت (إسرائيل) قبل أكثر من نصف قرن ، و الولايات
المتحدة ملتزمة التزاما قويا و متواصلا تجاه أمن (إسرائيل) ، لأنهما دولتان
مرتبطتان معا إلى الأبد ، بواسطة قيم (ديموقراطية) مشتركة، وهذا أمر لن
يتغير إلى الأبد "، من هنا لا يمكن لنا أن نرى في موقف باول من الكيان
الصهيوني موقفا تكتيكيا ، بل هو استراتيجية ثابتة لا يؤثر فيها غضب أو رضى
العرب، و عليه نستطيع تفهم الترحيب الصهيوني بخطاب باول ، فقد رحب شارون
بخطاب وزير الخارجية الأمريكي كولن باول و بالموقف "البناء" الذي تميز به
الخطاب ، و أعرب شيمون بيريز في لقاء تلفزيوني عن ارتياحه لخطاب السياسة
العامة الذي ألقاه وزير الخارجية الأميركية كولن باول ، و قال زلمان شوفال
مستشار شارون " إن (إسرائيل) راضية لأن باول لم يقدم مقترحات جديدة بشأن
قضيتين شائكتين في مفاوضات السلام ، هما مصير القدس و اللاجئين الفلسطينيين
" .
ولكن باول في الوقت الذي تحتاج فيه أمريكا إلى دعم عربي و إسلامي لحملتها
الصليبية على الإسلام ، لم يغفل عن دغدغة عواطف العرب بكلام معسول لم يقدم
و لم يؤخر و لا يسمن و لا يغني من جوع ، و يأتي فقط في السياق التكتيكي
الذي لم يزعج الكيان الصهيوني الذي كان في صورة الخطاب قبل إلقائه ، فقد
طرح باول بعض الأفكار التي تفتقر إلى المضمون و كذلك إلى آلية التنفيذ ،
فقد ذكر باول دعمه لقيام دولة فلسطينية، ومعارضته للاستيطان ، و كذلك
احتلال المدن في الضفة الغربية، وتطرق إلى الإهانات التي يتجرعها
الفلسطينيون من قبل الصهاينة ، و كذلك هدم البيوت و المدارس ، و لكن لم يفت
كولن باول أن يحمل الفلسطينيين مسئولية كل ما يجري و هو يشدد على ضرورة وقف
ما أسماه "الإرهاب الفلسطيني" و يطالب باعتقال المجاهدين على الفور و إلا
فعلى الفلسطينيين أن يتحملوا النتائج .
ويبدو واضحا أن باول أراد بخطابه أن يحقق أهدافا محددة :
-
التأكيد على الدعم المطلق للكيان الصهيوني ، و بذلك يضمن عدم إثارة غضب
اللوبي الصهيوني صاحب النفوذ القوي في الولايات المتحدة الأمريكية ، و
يدعم الحفاظ على الخط الأمريكي الثابت تجاه قضية فلسطين.
-
التدليس على الشعوب العربية و الإسلامية و امتصاص غضبها على أمريكا
لإعلانها الحرب على الإسلام ، فأرادت أن تبدو متوازنة في تناولها للقضية
الأولى للأمة.
-
مساعدة الأنظمة العربية والإسلامية التي التحقت بالتحالف الأمريكي ضد
مواقف شعوبها المعادية للعدوان الأمريكي على المسلمين.
-
محاولة ضمان بقاء الصمت العربي والإسلامي الحالي إزاء الخطوة القادمة
التي ستستهدف دولا عربية وإسلامية أخرى وعلى رأسها العراق .
-
العمل على إجهاض انتفاضة شعبنا الفلسطيني و القضاء على مقاومته و جهاده
كي يتسنى للكيان الصهيوني تحقيق أهدافه بعيدة المدى و على رأسها ما يسمى
بـ "إسرائيل الكبرى" .
-
محاولة شق الصف الفلسطيني وضرب وحدته التي بلغت ذروتها في انتفاضة الأقصى
المجيدة .
ومما يعجب المرء له أن ترحب السلطة بهذا السراب و تعتبره تحولا هاما في
السياسة الأمريكية ، فيما رأى محللون و سياسيون فلسطينيون أن الخطاب لم يأت
بأي جديد ، و أنه ترداد لمواقف أميركية معروفة و معلنة سابقا حيال القضية
الفلسطينية ، هذا عدا عن فشله في تحديد الآليات اللازمة لتنفيذ التوجهات
الأميركية المعلنة مما يؤكد على أنها لم تخرج عن إطار التكتيك .
|