|
يتنازع الشارع
الفلسطيني خياران ، خيار يمثّل
السلطة و هو خيار المفاوضات ، و خيار يمثّل
فصائل المقاومة الفلسطينية و على رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس و هو
خيار المقاومة .
و هذان الخياران
يعكسان المواقف الاستراتيجية لكلّ
طرف ، و الموقف الاستراتيجي الذي يتّخذه
طرفٌ ما إنما يريد أن
يحقّق من ورائه
أهدافاً محدّدة
، فإذا لم يكن هناك هدف محدّد
و واضح المعالم عندئذ يصبح هذا الخيار خياراً
عدمياً عبثياً
فاشلاً ، لأن أصحاب
هذا الخيار لا يعرِفون
ما الذي يريدون تحقيقه ، و أما إذا كان الخيار الاستراتيجي له أهداف واضحة
و محدّدة و ثابتة
فيكون خياراً
جدياً قادراً
على تحقيق أهدافه و لو بعد حين .
و إذا قلنا
إن خيار المقاومة يهدُف
إلى حماية الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني من التآكل و الضياع ، و
يسعى إلى تحرير كامل التراب الفلسطيني المغتصب منذ عام 1948م ، و حتى يتمّ
ذلك يحرُم التنازل عن
أي شبرٍ من فلسطين ،
أو عن أيّ حقٍّ
من حقوقنا الوطنية المشروعة ، نلاحظ هنا أن هناك أهدافاً
واضحة تمثّل العدالة
من جانب ، و من جانب آخر تنسجم مع شرعنا الإسلامي الذي يراعي صيانة كرامتنا
، و يحترم ثقافتنا و مفاهيمنا و مشاعرنا الوطنية ، هذه الأهداف قد لا يتحقّق
جميعها دفعة واحدة ، و لكن ما من شكٍّ
أن بعضها يمكن أن يتحقّق
في زمنٍ قياسيّ
قصيرٍ فيشكّل
مرحلة من مراحل التحرّر
الوطني ، و البعض الآخر قد يحتاج إلى جهدٍ
أكبر و زمنٍ أطول و
المستقبل وحده كفيلٌ
بتحقيقه ، فالانتصار يولّد
الانتصار ، و لكن هذا الخيار من شأنه أن يحمي الحقوق الوطنية المشروعة من
شراهة التنازلات على طاولة المفاوضات إلى أن تتحقّق
الأهداف كاملة غير منقوصة .
و لكن أصحاب خيار
المفاوضات في ظلّ
الواقع المهزوم الذي تعيشه الأمة ، و في ظلّ
التفوّق العسكري
النوعي الذي يتمتّع
به العدو ، و في ظلّ
المتغيّرات الدولية
التي لا تعمل لصالح القضية الفلسطينية و عدالتها ، و في ظلّ
انحياز ما يسمّى
بالمجتمع الدولي الكامل لصالح الإرهاب الصهيوني و العدوان الصهيوني و
الاحتلال ، يرون أن مثل هذه الأهداف غير قابلة للتحقيق ، و أن الذين يتمسّكون
بهذا الخيار عدميّون
عبثيون و لن يحقّقوا
في النهاية إلا الفشل و الدمار ، و لا يفوتهم أن يذكّرونا
بالمثل القائل "الكف ما بيلاطم مخرز" ، متجاهلين المأزق الحقيقي الذي يعيشه
الاحتلال بسبب المقاومة الفلسطينية التي أفقدته أمنه و استقراره ، مما يجعل
خيار المقاومة خياراً
واقعياً قادراً
على تحقيق أهدافه ، خاصة أن أصحاب خيار المفاوضات لم يثبُتوا
يوماً على هدفٍ
محدّد .
فقبل أوسلو كان هدفهم
تحرير فلسطين من البحر إلى النهر ، و بعد أوسلو أصبح هدفهم إقامة دولة
فلسطينية كاملة السيادة في الضفة الغربية و قطاع غزة ، ففي كلمة ألقاها في
الجلسة الافتتاحية للمفاوضات النهائية مع "الوفد الصهيوني" يوم 8/11/1999 م
حدّد ياسر عبد ربه
رئيس الوفد الفلسطيني المعايير التالية التي تمثّل
سقف المفاوض الفلسطيني :
-
انسحاب (إسرائيل)
إلى حدود الرابع من حزيران 1967م وفقاً
لقراري مجلس الأمن 242 و 338 .
- لا
يمكن حلّ قضية
اللاجئين الفلسطينيين إلا بناءاً
على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.
- أن
القدس في قلب الصراع في الشرق الأوسط ، و القدس الشرقية هي أرض احتلت عام
1967م ، و لا بدّ
من التعامل معها بناءاً
على قرارات مجلس الأمن ذات العلاقة ، مع ضمان حق الجميع في الوصول إلى
الأماكن الدينية .
- أن
النشاط الاستيطاني هو نشاط غير شرعيّ
بموجب اتفاقيات جنيف ، و بموجب العديد من قرارات مجلس الأمن الدولي ، و لا
يمكن أن يشكّل
- في حال من الأحوال - مبرّراً
للاستيلاء على الأرض .
و هكذا فإن سقف
المفاوض الفلسطيني بعد أوسلو قد شطب حقّ
الفلسطينيين في 78 % من وطنهم ، و بذلك فقد ألغى حقّنا
التاريخيّ و القانوني
و الدينيّ في فلسطين
.
أما الموقف الصهيوني
فقد كان واضحاً في
لاءات باراك الشهيرة التي أطلقها عند انتخابه رئيساً
لوزراء العصابات الصهيونية ، لا لعودة و تقسيم القدس ، لا لعودة اللاجئين ،
لا للانسحاب حتى حدود الرابع من حزيران عام 1967 ، مع إصراره على الاحتفاظ
بثلاث تجمّعات
استيطانية كبرى تمثّل
أكثر من 80 % من مجموعة المستوطنات في الضفة الغربية
.
و بعد قراءة واعية
لوثيقة جنيف لا بدّ
أن نتساءل : ألم تكن
هذه الوثيقة ترجمة دقيقة للاءات باراك ؟! ،
فقد شطبت حقّ
العودة للاجئين الفلسطينيين ، و قد ضمِنت
للصهاينة الاستيلاء الكامل على القدس شرقيّها
و غربيّها ، كما أكّدت
على عدم الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967 ، و أعطت للصهاينة
الحقّ بالاحتفاظ
بمعظم التجمّعات
الاستيطانية ، كما أعطتهم الحق باستباحة أجواء الضفة الغربية و قطاع غزة
.
من كلّ
ذلك يتبيّن لنا أن
المفاوض الفلسطيني قد تنازل في أوسلو عن أربعة أخماس فلسطين و ذلك بالتنازل
عمّا تمّ
احتلاله عام 1948 ، و أما في جنيف فقد تنازل عن
بقية فلسطين ، و ذلك بالتنازل عن السيادة عمّا
تمّ احتلاله عام 1967
، فبالإضافة إلى التنازل عن القدس و عن الأراضي التي اغتصبتها المستوطنات ،
فقد حرمت الفلسطينيين من أيّ
سيادة على ما تبقّى
من أراضي الضفة الغربية و قطاع غزة ، في الوقت الذي حفظت فيه للسلطة دوراً
وظيفياً بالسيادة على
التجمّعات السكنية
الفلسطينية دون الأرض و السماء ، و لئن سألت المفاوض الفلسطيني لماذا قبلتم
بهذه التنازلات الخطيرة ؟ أجابك بلا تردّد
بأن الجانب الصهيوني لا يمكن أن يقبل بأقلّ
من ذلك !!! ..
و الآن و قد تبيّن
أن سقف وثيقة جنيف هو السقف الصهيوني السابق ، و أن غاية ما يمكن أن يصل
إليه المفاوض الفلسطيني هو ما يمكن أن يقبل به الجانب الصهيوني ، فلا غرابة
إذن و قد رفض كلّ من
شارون و بيريز هذه
الوثيقة و أن الخطوة
القادمة ستقود المفاوض الفلسطيني للقبول بما هو أدنى من السقف الصهيوني
السابق ، فيخرج علينا قائلاً إن
الواقعية تقول إن
الكثافة السكانية الفلسطينية الحالية في الضفة الغربية و قطاع غزة تشكّل
خطراً على الكيان
الصهيوني ، و بالتالي لا يمكن أن يستقيم معها حلّ
يمكن للجانب الصهيوني أن يقبل به ، فلا بدّ
من وضع حدٍّ للخطر
الديموغرافي على الكيان الصهيوني ، و لا بدّ
إذن من القبول بسياسة الترانسفير للفلسطينيين ، لأنه ليس في إمكان الجانب
الصهيوني أن يقبل بأقلّ
من ذلك , أليست السياسة فن الممكن؟!!!!!! ..
و بعد كلّ
ذلك ألا ترون معي أن وثيقة جنيف تشكّل
نعياً لخيار
المفاوضات ؟! ..
|