|
ما كنت يوماً أظن
أن الانحطاط البشري يمكِن أن يصل إلى هذه الدرجة من الإسفاف التي صيغ بها
البيان المشبوه بتوقيع "شرفاء حماس" ، هذا البيان قد عكس بلا شكٍ مستوى
الانحدار القيمي و الأخلاقي الذي انحطّ إليها كاتبوا هذا البيان المشبوه و
ناشروه ، بل إن أسوأ العملاء أخلاقاً لا يمكن في تصوّري أن يصِلوا في مستوى
انحدارهم إلى هذا السفح الوضيع ، و لكن الهزيمة إذا أخذت بتلابيب النفوس
تفعل بها أكثر من ذلك ، فالعميل و المهزوم كلاهما في النهاية يصبح أداة في
يدِ سيّده يسيره كيف يشاء ، حيث تعمى بصيرته فلا يرى إلا بعين سيده ،
أتدرون من سيّد كاتب ذلك البيان المشبوه ؟ إنه شارون .
أنا لا أريد أن
أتهم كاتب ذلك البيان بالعمالة حتى و إن تبيّن يوماً أن الأمر كذلك ، و لكن
مما لا أشكّ فيه أن كاتب البيان ، و من أعطاه الأمر بكتابته ، و من أشرَف
على نشره و توزيعه ، هم ثلة ممن باعوا ضمائرهم لليهود بسبب الهزيمة التي
يعيشونها سواء كانوا عملاء أم لم يكونوا ، فلا فرق عندئذ .
إن هذه المقدّمة
التي اضطررت إليها إنما جاءت عملاً بقول الله عز و جل (لا يحب الله الجهر
بالسوء من القول إلا من ظُلِم) ، و عملاً بقوله سبحانه (و الذين إذا أصابهم
البغي هم ينتصرون) ، و لكن يبقى السؤال لماذا جاء هذا البيان المشبوه في
هذا الوقت بالذات ؟ و جرحنا الراعف في الدكتور إبراهيم المقادمة لم يندمِل
بعد ؟ هذا الشهيد الذي ذاق في سجون السلطة أضعاف ما ذاق في سجون الاحتلال ،
مع أن العذاب الذي تعذّبه في سجون الاحتلال تقشعر من هوله الأبدان ، لماذا
تحرّك السمّ في قلب كاتب هذا البيان المشبوه فلم يستطع إلا أن ينفثه ؟ أنا
لا أرى جواباً لهذا السؤال إلا ما يلي :
- إن كاتب هذا
البيان المشبوه ، عميلاً كان أم لم يكن إنما يريد جرّ الشارع الفلسطيني إلى
معركة داخلية تصرِفه عن مقاومة الاحتلال ، و بهذا فهو يحقّق ما يريده
الصهاينة علم أم لم يعلم ، و أغلب الظن أنه يعلم .
- إن كاتب هذا
البيان المشبوه لم يجد حجة يدافع بها عن نفسه في ما أطلقته من تصريحاتٍ
موضوعية عندما قلت إن الحواجز الأمنية إنما توضَع لاعتراض المجاهدين ، و
ترفع عند الاجتياحات و دخول المستعربين ، إن كان هذا القول قد آلم السلطة
فلتتوقّف إذن عن أفعالها تلك ، لأن أطفال فلسطين يعلمون أن ما جاء في
تصريحي هو ما حدث في الضفة الغربية عند اجتياحها ، و هذا ما يحدث اليوم في
قطاع غزة ، بل حدَث في الضفة ما هو أسوأ من ذلك عندما قامت السلطة بتسليم
المجاهدين للعدو الصهيوني في بيتونيا ، و عندما قبِلت باعتقال الفلسطينيين
في "جوانتينامو" أريحا ، و شاركت في إبعاد الفلسطينيين عن وطنهم .
- إن كاتب هذا
البيان المشبوه قد أذهله خروج مئات الآلاف في قطاع غزة يشيّعون الدكتور
المقادمة ، و أذهله أيضاً أنهم في مدينة غزة قد أعطوا بيعةً لله أن يكونوا
مع خيار الجهاد و الاستشهاد ، و ألا يقبَلوا بالحلول التصفوية ، أي ألا
يقبَلوا بالتنازل عن شبرٍ من فلسطين ، و ألا يقبَلوا بالمساومة و التفاوض
على الوطن ، و ألا يعترِفوا بما يسمى "إسرائيل" ، فبدلاً من أن يلتحق
مروّجو الفتن بالجماهير الفلسطينية المجاهدة أكل الحقد قلوبهم كما أكل
الحقد قلب شارون تماماً و هو يشاهد تلك المشاهد فلم يجِدوا من وسيلة يعبرون
بها عن غيظهم إلا كيلَ الشتائم و السباب و الاتهامات علّها تروي غليلهم ليس
من اليهود و لكن من "الرنتيسي" المستعين بالله على المفسدين ، و المتضرّع
إليه ألا يمكّن للمفرطين .
- و بعد أن اتضح أن
الجهة التي صاغت هذا البيان المشبوه و وزّعته بكثافة هي المباحث العامة ،
حيث نملك الدليل على ذلك ، لأن المباحث العامة التي خانها ذكاؤها إن كان
عندها ذكاء تركت بصماتها على مسرح الجريمة البشعة ، حيث ظهر رقم هاتفها على
البيانات التي وزّعت عبر الفاكس ليفتضح أمر هذه الأجهزة ، و لتشهد على
نفسِها أنها غارقة في أوحال الفساد إلى أحطّ الدركات ، ناهيك عن أن الذين
قاموا بتوزيع البيان المشبوه هم من المباحث العامة ، إن هذا العمل المخجِل
من قبل أحد أجهزة السلطة يبشّر بأن القادم من الفساد أسوأ بكثير مما مضى ،
فهؤلاء هم الذين يحفظون أمن المواطن ، و هم الذين يحفظون القانون ، و هم
الذين يقيمون العدالة ، إنهم مزوّرون ينتحِلون التواقيع المزيّفة ، و هم
فاحشون ينتقون الألفاظ البذيئة ، و هم واهمون يظنون أن بهذه الطريقة يمكنهم
أن يفقِدوا "حماس" تأييد و دعم هذا الشعب الذي أغرقته الأجهزة الأمنية في
الفقر ، و لا أدلّ على ذلك من أن هذا البيان المشبوه تمت طباعته على حساب
الشعب الفلسطيني ، و الموظفون الذين قاموا بطباعته و توزيعه يتقاضون
رواتبهم من دماء هذا الشعب المرابط ، ليس لتقديم الخدمة لهذا الشعب و لكن
لإشعال نار الفتنة .
- إن اختباء
المباحث العامة خلف توقيعٍ مزور ليدلّ على درجة الخوف التي وصل إليها
القائمون على هذه الفعلة المشينة ، لا أعني الخوف من اليهود و لكن من الشعب
الفلسطيني الذي بات يغلي كالمرجل من شدة الغضب .
- إن هذا البيان
المشبوه يأتي متزامنا مع تهديد الصهاينة لقادة الحركة و عناصرها ، و
متزامناً مع الحملة الصهيونية المسعورة التي تستهدف البنية التحتية لحركة
المقاومة الإسلامية حماس ، و متزامناً أيضاً مع الضربات القوية التي
يسدّدها مجاهدونا للصهاينة في حيفا و الخليل و غزة و بيت حانون و جباليا و
البريج و خانيونس و رفح ، فهل هذا التزامن جاء مصادفة ؟!!!!
إن كاتب هذا البيان
المشبوه فاته أن حماس كلّها شرفاء و الحمد لله ، و لذا فهي لا تستخدم مثل
هذا التوقيع الذي ينتقص من قدرها و قدر مجاهديها الكرام .
و أخيراً لا يفوتني
أن أذكّر الذين صاغوا بيان الانحطاط بآيات من كتاب الله سبحانه و تعالى :
(إن الذين جاءوا
بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم لكلّ امرئ منهم ما
اكتسب من الإثم و الذي تولىّ كبره منهم له عذاب عظيم) .... (و من يكسِب
خطيئة أو إثماً ثم يرمِ به بريئاً فقد احتمل بهتاناً و إثماً مبيناً) ....
(إن الله لا يصلِح عمل المفسدين) .... (إن الله لا يهدي كيد الخائنين) ..
و أخيراً فإني أشكو
إلى الله كلّ من ساهم في ارتكاب هذه الجريمة التي تسيء إلى سمعة هذا الشعب
الفلسطيني المجاهد ، و أعاهد الله على مواصلة فضح المتآمرين على فلسطين .
|