|
ما إن أعلنت حركة
المقاومة الإسلامية حماس عن تعليقها العمليات الجهادية لمدة ثلاثة أشهر حتى
ارتفعت أصوات الأمريكان و الصهاينة قائلين إن هذا لا يكفي و مطالبين بحلّ
التنظيمات الإسلامية المجاهدة و نزع أسلحتها ، إن مثل هذه الدعوات لها
أهداف خبيثة و خطيرة منها:
هذه التصريحات لا
تعني أنها ترمي فعلاً إلى حلّ التنظيمات الإسلامية المجاهدة و نزع أسلحتها
بقدر ما تهدف إلى التهرّب من التزامات كانت في حينه مجرد ضحك على الذقون ،
فالذين يطالبون بحل التنظيمات الإسلامية المجاهدة هم أول من يدرك و يؤمن أن
هذا الطلب غير قابل للتنفيذ و هو طلب تعجيزي لا أكثر و لا أقل ، فالعدو
الصهيوني كان يحتل الضفة و قطاع غزة قبل مجيء السلطة التي أفرزتها أوسلو
احتلالاً مباشراً ، و لقد مارس كل أشكال الإرهاب من اعتقال و اغتيال و نفي
كما فعل في ديسمبر 1992 عندما نفى الآلاف من مؤيدي الحركة الإسلامي إلى مرج
الزهور ، ففي ليلة واحدة تم إبعاد 416 من قادة و كوادر الحركات الإسلامية
إلى مرج الزهور ، كما تم في نفس الليلة اعتقال ما يقارب 1500 من عناصر و
مؤيدي حماس ، و لقد زعم اليهود يومها أنهم قضوا على حركة حماس قضاء مبرماً
، فماذا كانت النتيجة ؟ لقد قويت شوكة حركة حماس ، و تضاعف نفوذها ، و
ازدادت ضرباتها قوة ، و بدأت باستخدام سلاحها الرادع و هو العمليات
الاستشهادية التي زلزلت أركان العدو ، فإذا كان العدو الذي جرّب كل أشكال
القمع و الإرهاب و هو الذي يملك القوة و العتاد فشل فشلاً ذريعاً في حلّ
التنظيمات الإسلامية و نزع أسلحتها فهل يعقل أن تنجح السلطة الفلسطينية
التي لا تملك سيادة على شبر من الأرض في تنفيذ هذه المهمة ، و هل يصدّق أحد
أن السلطة الفلسطينية قادرة على تحقيق ما عجز عن تحقيقه "شارون" في الضفة
الغربية و قد احتلها من جديد احتلالاً مباشراً كما كان الحال قبل مجيء
السلطة الفلسطينية المنبثقة عن اتفاقية أوسلو ، أعتقد أن أحداً لا يمكنه أن
يصدّق ذلك ، كما أننا نذكر أنه في عام 1988 تمكّن العدو الصهيوني من اعتقال
جميع القيادة المؤسسة لحركة المقاومة الإسلامية حماس ، و لكنه فشل في تحقيق
هدفه الذي يتمنّاه و هو حلّ التنظيم و نزع أسلحته ، من هنا ندرك أن الهدف
من وراء هذه الدعوة هو التهرّب من تصريحات سابقة ظنّها البعض في حينه أنها
التزامات أمريكية و صهيونية بإقامة دولة فلسطينية ، فعندما يرهن الأمريكان
و الصهاينة قيام الدولة الفلسطينية بتحقيق شرط غير قابل للتحقيق إنما بذلك
يريدون النكوص على أعقابهم من تصريحات "بوش" و زمرة البيت الأبيض التي
وعدوا بها العرب قبل قيام أمريكا بضرب العراق بقيام دولة فلسطينية .
كما أن لهذه
التصريحات هدفاً خبيثاً و خطيراً و مدمّراً ، ففي الوقت الذي يدرك فيه كلّ
من الأمريكان و الصهاينة أن السلطة الفلسطينية لا يمكنها حل التنظيمات
المجاهدة فهم إذن يهدفون إلى خلق توتر فلسطيني فلسطيني من شأنه أن يحقّق
للاحتلال الصهيوني الأمن و الاستقرار على حساب أمن و استقرار و رفاهية
الشعب الفلسطيني ، و هذا الهدف الصهيوني الخبيث كان أحد إبداعات العقلية
الصهيونية الإرهابية في مواجهة الخصوم من المسلمين و المسيحيين كما جاء في
أحد بنود "برتوكولات حكماء صهيون" الشهيرة ، و لقد أدرك الصهاينة أن الحركة
الإسلامية عندما أعلنت تعليق العمليات إنما فعلت ذلك حتى تفوّت الفرصة على
الضغوط الأمريكية و الصهيونية الرامية إلى خلق توتر فلسطيني داخلي ، فلما
رأوا أن الحركة عرفت كيف تلقي بالقفاز في وجوههم أخذوا يضغطون باتجاه جمع
الأسلحة و حلّ التنظيمات الإسلامية المجاهدة ، و من هنا جاء البيان المشترك
من حركتي حماس و الجهاد الإسلامي الذي يهدّد بإلغاء تعليق المقاومة إذا ما
استجابت السلطة للمطالب الصهيونية و الأمريكية و قامت بملاحقة المجاهدين و
نزع أسلحتهم ، و هذا البيان يعني باختصار أن الحركتين عندما علّقتا
العمليات العسكرية لمدة ثلاثة أشهر إنما فعلتا ذلك من أجل حماية وحدة
الشارع الفلسطيني ، فإن قامت السلطة الفلسطينية بضرب وحدة الشارع الفلسطيني
من خلال الاستجابة لما تطالب به أمريكا و الكيان الصهيوني فعلينا إذن أن
نوجّه المعركة وجهتها الصحيحة باتجاه ضرب العدو الصهيوني حماية لوحدتنا
الوطنية ، كما أن الصهاينة بتحريضهم على جمع الأسلحة و حلّ التنظيمات
الإسلامية المجاهدة يكونون قد نسفوا الهدنة ، فالتحريض شكلٌ من أشكال
العدوان .
كما أن هذه
التصريحات الخبيثة تهدف إلى تبرئة الجانب الصهيوني من كونه هو السبب الأول
و الأخير بما يجري في فلسطين من سفك للدماء ، و ذلك لأنه يغتصب فلسطين منذ
عام 1948 و هي أرض إسلامية من بحرها إلى نهرها و فيها مسرى رسول الله صلى
الله عليه و سلم ، و أنه تحقيق احتلاله لفلسطين قتل عشرات الآلاف من
أطفالنا و نسائنا و شيوخنا و شبابنا و دمّر حياتنا بطريقة إفسادية لا يعرف
التاريخ في أسوأ حقبه لها مثيلاً ، إن المطالبة بحلّ التنظيمات المجاهدة و
جمع أسلحتها يخلق في أذهان المستمعين لهذه التصريحات انطباعاً خاطئاً أن
الشعب الفلسطيني هو المتسبب بكل ما يجري ، و يبقى تحقيق هذا الهدف أمراً
صعباً ما لم تستجب السلطة الفلسطينية للمطالب الصهيونية و الأمريكية بتنفيذ
هذه المهمة كما استجابت من قبل لضغوط مماثلة فاتهمت نضال و جهاد شعب فلسطين
و وصمته بالإرهاب .
و من أهداف هذه
المطالب الخبيثة خلق الذرائع و المبررات لمواصلة الحملة الإرهابية التي
يقوم بها الصهاينة ضد أبناء فلسطين ، و إضفاء الشرعية على الإرهاب الصهيوني
المتمثل بإهلاك الحرث و النسل .
و من الأهداف أيضاً
محاولة العدو الصهيوني الخروج من دائرة الشعور بالهزيمة ، و هو شعور قاتل
حاول "يعلون" أن يفرّ منه عندما أعلن النصر على المقاومة بعد إعلان تعليق
العمليات العسكرية من قبل حماس و الجهاد الإسلامي ، و لكن سرعان ما سفّه
أحلامه استطلاع الرأي للشارع الصهيوني الذي قال 73 % منه إن الصهاينة لم
ينتصروا ، بينما قال 33 % أن المقاومة الفلسطينية قد انتصرت ، و تأتي
المطالبة إذن في سياق محاولة إقناع الصهاينة بالنصر ، لأن الذي يطالب و
يشترط هو المنتصر ، و لكن البيان المشترك لحماس و الجهاد الإسلامي سدّد
ضربة قوية لهذا الهدف عندما هدّد بنسف التعليق إذا استجابت السلطة
الفلسطينية للتحريض الأمريكي الصهيوني ضد الحركات الإسلامية.
هذه بعض أهداف
معسكر الشر و الإرهاب في العالم من وراء التحريض ضد الإسلام و حركاته
المجاهدة ، و وعي الأمة عامة و شعب فلسطين خاصة كفيل بأن يردّ كيدهم إلى
نحرهم ، و يفشِل كلّ مخططاتهم الشريرة .
|