|
في الوقت الذي لم
يطرأ فيه على الموقف السوري أي تغيير يمكن للإدارة الأمريكية أن تغلف به
هذه الهجمة على سوريا ، نرى أن المواقف الأمريكية و الصهيونية قد قفزت
قفزات متسارعة في توجيه الاتهام و الإدانة لسوريا ، ثم في القيام بالعدوان
السافر و الغاشم عليها ، فقد قام الجانب الصهيوني بالغارة الاستفزازية على
دمشق ، و أما الجانب الأمريكي فقد تمثّل عدوانه في مشروع القانون المسمى
"محاسبة سوريا و سيادة لبنان" ، هذا القانون الظالم الذي أقرّه مجلس النواب
الأمريكي يوم الأربعاء 15/10/2003م بغالبية كبيرة ، فلماذا كانت هذه
الاستفزازات العدوانية من كلا الجانبين الصهيوني و الأمريكي في هذا الوقت
بالذات ؟ و ما سرّ هذا التزامن في التحرّك العدواني من الطرفين في آنٍ واحد
؟
ما من شك أن لهذا
العدوان من الطرفين اللذين يمثّلان محور الشر في عالمنا المعاصر أهدافه
الخبيثة ، و أرى أن من بين الأهداف التي يريد أن يحقّقها محور الشر هذا ما
يلي :
- محاولة
يائسة للهروب من أزمات داخلية يعيشها كلاً من الطرفين ، فأما شارون و قادة
العصابات الصهيونية الذين يتحكّمون في القرار الصهيوني فقد أخفقوا في توفير
الأمن و الاستقرار لشعبهم كما وعدوه ، مما جعلهم على شفا جرفٍ سياسي هارٍ
يوشك أن ينهار بهم ، و أما بوش و قادة الإرهاب الأمريكيين فيعيشون أزمة
سياسية طاحنة أيضاً ، خاصة أنهم على أبواب الانتخابات القادمة بينما احتلال
العراق أصبح يمثّل شوكة في حلق هذه القيادة و فشلاً كبيراً لها على كلّ
الصعد : الصعيد العسكري ، و الصعيد الأمني ، و الصعيد الأخلاقي ، و الصعيد
الاقتصادي ، مما خلق حالة من الاستياء في الشارع الأمريكي خاصة أنه يستقبل
يومياً تقريباً أعداداً من النعوش الأمريكية القادمة من العراق ، و كذلك
داخل المؤسسة العسكرية على مستوى الجنود و الضباط العاملين في العراق ،
الذين يواجهون الموت في كلّ لحظة ، مما أدّى إلى خلق حالة من الرعب و
الإحباط و التذمر داخل صفوف الجيش حيث إن هناك أغلبية بين القوات الأمريكية
المقيمة في العراق تتمنّى العودة إلى أمريكا و الهروب من جحيم العراق
.
- محاولة
يائسة من كلا الطرفين للتضييق على المقاومة الفلسطينية التي فضحت عجز
الكيان الصهيوني في القدرة على البقاء و الاستمرار و قد أفقدته أمنه و
استقراره و دمّرت اقتصاده بطريقة لم يعهدها من قبل ، فهم بممارسة الضغط على
سوريا إنما يأملون أن تقوم سوريا بخطوات عملية ضد قيادة الفصائل الفلسطينية
المقيمة في سوريا ، و هذا من شأنه أن يضيق على المقاومة من جانب ، و أن
يخرج بعض الأنظمة التي لعبت دوراً ضد المقاومة الفلسطينية من دائرة الحرج
الذي يخلقه لها الموقف السوري من جانب آخر .
- محاولة
يائسة من القيادة الأمريكية الشريرة لإقناع نفسها أولاً ، ثم إقناع الشعب
الأمريكي ثانياً ، و إقناع العالم ثالثاً أنها لا زالت قادرة رغم ما
تتلقّاه من صفعات في أفغانستان و العراق على تهديد أي قطرٍ على وجه الأرض ،
و من هنا جاء التهديد إلى سوريا يفتقر إلى أي مبرّر يمكن لأمريكا أن تتذرع
به اللهم إلا مبرر الصفاقة و الشر و العدوان و الغطرسة .
- توجيه
التهديد لكلّ الدول العربية و الإسلامية في المنطقة من خلال توجيه التهديد
لسوريا و العدوان الغاشم عليها ، فأمريكا و الكيان الصهيوني يأملان من
العدوان على سوريا و تهديدها أن تعيش دول المنطقة من عربية و إسلامية في
رعب مستمر يدفعها لتنفيذ الإملاءات الصهيو - أمريكية دون تردّد ، و التي من
بينها التصدّي لمقاومة الشعب الفلسطيني و التضييق عليها ، و من بينها أيضاً
المسارعة من قبل الدول العربية و الإسلامية لإقامة علاقات دبلوماسية و
تجارية و ثقافية و أمنية مع الكيان الصهيوني ، و الاعتراف الواضح و الصريح
بما يسمّى (دولة إسرائيل)..
- من
الجانب الصهيوني أيضاً هي محاولة للهروب من الدائرة التي أصبحت قاعدة ثابتة
خلقتها المقاومة الفلسطينية ، و التي تتمثّل بالردّ المؤلم على كلّ عمل
إرهابي يرتكبه العدو الصهيوني ، و من هنا أراد الكيان الصهيوني أن يهرُب من
هذه الدائرة التي كلّفته الكثير من المعاناة بتسديد ضربة لسوريا بدلاً من
توجيه ضربة للفصائل الفلسطينية المقاومة ، تفادياً منها للردّ الحتمي و
الذي أصبح إحدى المسلّمات على أي جريمة صهيونية يرتكبها العدو الصهيوني ،
خاصة في ظلّ الاحتجاج الشديد داخل الكيان الصهيوني من قبل العديد من
المثقّفين و من بينهم أساتذة جامعات ، و كذلك سياسيون و على رأسهم متسناع و
بورج ، ثم التمرّد الذي حدث من قبل ضباط الاحتياط في سلاح الطيران الصهيوني
و الذي شكّل صفعة قوية للمؤسسة العسكرية الصهيونية ، و شهادة واضحة على
لاأخلاقية ما يقوم به العدو الصهيوني من عمليات لا يمكن أن توصف إلا أنها
عمليات جبانة .
- أما
الجانب الأمريكي فيريد من وراء هذه التهديدات و العقوبات و الفيتو الذي
يحول دون إدانة العدوان الصهيوني أن يقدّم خدمة للكيان الصهيوني خاصة بين
يدي الانتخابات القريبة القادمة ، فلا غرابة أن يتسابق الحزبان الجمهوري و
الديموقراطي على كسب اللوبي الصهيوني الذي يلعب دوراً كبيراً في تحديد مسار
و مصير الإنسان الأمريكي .
- كما أن
الجانب الصهيوني و الجانب الأمريكي يحاولان خلق فتنة داخلية بين كلّ من
سوريا و لبنان خاصة أن الجانب الأمريكي يعتبر الوجود السوري في لبنان أحد
أسباب الإدانة الأمريكية لسوريا و العدوان عليها .
ربما كانت هذه بعض
العوامل الحقيقية التي دفعت محور الشر في العالم للعدوان على سوريا ، فإن
كان الأمر كذلك فعندئذ لن تكون سوريا هي الدولة العربية الأخيرة المستهدفة
من قبل محور الشر ، و أرى أن علاج هذا الأمر لا يكون أبداً في مجلس الأمن
الذي أصبح مؤسسة أمريكية على أقلّ تقدير من خلال الفيتو الأمريكي الذي
يقلِب الحق باطلاً و الباطل حقاً ، أو الأمم المتحدة ، أو التزلّف إلى
أمريكا ، أو التقارب مع الكيان الصهيوني ، و لكن العلاج يكمن في وضع أسس و
قواعد راسخة من أجل تقوية الأمة الإسلامية و استنهاضها من جديد كي تواجه
هذه التحدّيات الجسام ، بدون ذلك سنبقى نقدّم لمحور الشر من أمننا ، و
ثرواتنا ، و سيادتنا , و كرامتنا دون أن نحصل على رضاه أو نوقف نهمه و
إصراره على إذلالنا فقط لأننا مسلمون.
|