|
نحن اليوم على
أعتاب مرحلة صعبة ، و هذا أمر طبيعي جداً ، فكلما ضاق الخناق على "شارون"
كلما تفنّن في أساليب الإرهاب ، و كأني اليوم بالحبل يلتف على عنق أطماعه و
أحلامه السياسية ، فربما كان يتمنى أن يتوّج حياته التي أمضاها في خدمة
المشروع الصهيوني بإنجاز صهيوني كبير و فريد ، و لا أقصد بذلك أن يصل كما
يظن البعض إلى إبرام اتفاقية سلام مع الفلسطينيين ، فهذا أمر لا يفكّر به
صاحب التاريخ الإرهابي الحافل بالمجازر و الاغتيالات ، و لكن الإنجاز
الكبير في نظر "شارون" أن يقوم بإكراه الفلسطينيين على القبول بالوطن
البديل الذي من وجهة نظره سيكون وطناً مؤقتاً سرعان ما تغتصبه و تبتلعه
دولة الغصب و العدوان الصهيونية ليعود الشعب الفلسطيني يبحث من جديد عن وطن
، و أعني بالوطن البديل المملكة الأردنية الهاشمية ، لكي تصبح فلسطين من
بحرها إلى نهرها دولة يهودية خالصة تعد نفسها لقفزات توسعية جديدة .
هذا الحلم لا زال
يراود "شارون" و "نتنياهو" ، فالأخير يقول في كتابه "مكان بين الأمم" و ذلك
في الصفحة 162من الترجمة العربية "و تمتد الأردن على أربعة أخماس المنطقة
التي خصصتها عصبة الأمم وطناً قومياً لليهود" ، و يقول أيضاً في الصفحة 163
: "إنهم لا يكتفون بوجود دولة فلسطينية شرق الأردن التي تسيطر على معظم
أراضي أرض (إسرائيل) و فيها أغلبية فلسطينية حاسمة" ، و يعني بذلك أن
الفلسطينيين عندما يطالبون بدولة في الضفة و القطاع كما تفعل السلطة بأن
عليهم ألا يطالبوا بذلك و يكتفوا بدولتهم شرقي النهر ، إذن هكذا ينظرون إلى
الأردن أنها أرض (إسرائيلية) محتلة من قبل الفلسطينيين ، و ذلك فإقامة دولة
فلسطينية من وجهة نظرهم يجب أن تكون شرقي النهر و ليس غربيه ، و بما أن هذه
الدولة كما يراها نتنياهو تقوم على أرض (إسرائيلية) محتلة من قبل العرب
فإذن هي دولة مؤقتة ، فما أن يتمكّن اليهود من تحرير أرضهم المزعومة في
الأردن ستزول تلك الدولة الفلسطينية ليبدأ الصراع من جديد و نحن في وضع
أسوأ نبحث من جديد عن وطن .
هذا الحلم كان
يداعب شارون أيضاً و هو يتحدث عن الدولة اليهودية في قمة العقبة فيقول
"بصفتي رئيس وزراء (إسرائيل) مهد الشعب اليهودي" ، و من هذا القول يفهم أنه
لا مكان للفلسطينيين في وطنهم فلسطين لأنها مهد الشعب اليهودي كما يؤمن
"شارون" ، و عندما زلّ لسان "شارون" و نطق بكلمة الاحتلال فنهشته الأقلام
الصهيونية إذا به يقول في اليوم التالي إنه لم يقل إن الأرض محتلة فهذه أرض
(إسرائيل) المحررة متحدثاً عن الضفة الغربية و قطاع غزة .
و أمام هذه الأحلام
و المطامع الصهيونية نكون أمام تحدٍّ كبير ، فإما أن نتشبث بأرضنا و
مقدساتنا و هذا لا أشك أن له ثمناً من دمائنا و راحتنا و استقرارنا و
أموالنا ، و إما أن نتنازل عن كلّ شيء تحت وطأة الإرهاب الصهيوني و الضغوط
الدولية ، و لا أعتقد أن هناك من يقبل بالتسليم بما يريده الصهاينة الذين
وضعوا لأنفسهم خطوطاً حمراء أملاً في تحقيق مشروعهم الصهيوني كما ذكرنا ،
فلا يتوقع أحد أن يقبل "شارون" بما لم يقبل به "باراك" زعيم حزب العمل في
"كامب ديفيد" ، و لن يقبل الشعب الفلسطيني اليوم بما رفضه أمس و دفع من أجل
رفضه ذاك ثمناً باهظاً آلاف الشهداء ، و عشرات الآلاف من المعتقلين و
الجرحى ، و دمّرت حياته و بنيته التحتية و هو شامخ شموخ جبل النار يهتف
بصوت عالٍ الموت و لا العار .
و أما الموقف
الأمريكي البائس ، ففي أفضل صوره يقف صامتاً إزاء الجرائم الشارونية التي
فاقت كلّ تصور ، و أما في أتعس صوره فنراه يقف مشجّعاً للإرهاب الصهيوني ،
و محرّضاً على المزيد من سفك الدماء ، و مباركاً كلّ أشكال الإرهاب الذي
يمارس ضد شعبنا الأعزل في فلسطين ، يضاف إلى ذلك ما تقوم به أمريكا من
تحريض سافر للعالم بأسره ضد مقاومتنا المشروعة ، لقد كتب الكثير عن الموقف
الأمريكي من قضية فلسطين ، و من الصراع القائم بين احتلال يريد أن يثبت
جذوره ، و بين مقاومة فلسطينية مشروعة تبحث عن الحرية و الاستقلال ، و لقد
توافقت الآراء في قراءة الموقف الأمريكي المنحاز تماماً لصالح العدوان و
الاحتلال و الذي يصل إلى درجة قلب الحقائق و طمسها بطريقة مكشوفة ، فعندما
يتحدّث "كولن باول" عن العوامل التي عكّرت أجواء السلام التي طفحت من قمة
العقبة كما يزعم فيذكر عملية القدس التي نفّذتها كتائب عز الدين القسام و
يتجاهل بطريقة تدعو إلى الأسى ما قام به "شارون" من اغتيالات في طولكرم و
غزة ، تلك الاغتيالات التي كانت السبب المباشر لتلك العملية البطولية
الرادعة و التي كان لا بدّ منها لوقف شلال الدم الفلسطيني النازف على يد
شارون و العصابات الصهيونية ، و لكن أمريكا ستبقى دائماً على موقفها الداعم
و المبارك للممارسات الإرهابية الصهيونية ، و السبب في الموقف الأمريكي
التوافق الأمريكي الصهيوني على المعتقدات التوراتية التي تتحكم في التصرفات
الصهيونية ، كما أن هناك نزعة صليبية خطيرة لدى قادة البيت الأبيض تجعلهم
دائماً في الخندق المعادي لأمتنا العربية و الإسلامية .
في ظلّ تلك المطامع
الصهيونية و الدعم الأمريكي لتلك المطامع و ما تؤدّي إليه من ممارسات
إرهابية صهيونية نستطيع الجزم بأننا أمام مرحلة صعبة ، مرحلة سيقدِم فيها
الصهاينة على سفك المزيد من الدماء ، و تدمير المزيد من حياتنا اليومية
بكافة صورها ، سيلقي "شارون" بكل ما لديه من أعمال إرهابية ، و لكن النتائج
تحدّدها إرادة الشعب الفلسطيني و التي يمكننا أن نراهن عليها فثقتنا بها
كبيرة جداً ، و كذلك تحدّدها إرادة المقاومة و استعدادها و جاهزيتها و هذه
أيضاً ظني بها أنها لا تنهزم بإذن الله ، و أعتقد أنها قادرة على تجاوز
العقبات التي تخلقها أمريكا لعرقلتها ، و هذا يعني أننا في المرحلة القادمة
لن نعاني وحدنا فهل يفهم ذلك "شارون" ؟ أنا لا أعتقد أن من تمرّس على
الإرهاب و غرّر به تاريخه الإجرامي يمكنه أن يفهم تلك الحقيقة ، و هنا
سيبقى الصراع حتى يكون النصر ، فما أحوجنا إلى الصبر .
|