|
في كل مرة يمر فيها
العدو الصهيوني بمأزق حقيقي ، نرى أن السلطة تبادر و بشتى الطرق لإنقاذه ،
قد لا يكون ذلك هو هدفها الحقيقي، و لكن لا أشك لحظة أن الذي يجري على أقل
تقدير يعكس حالة العجز السياسي الذي يحكم مسار السلطة منذ نشأتها الأولى في
سراديب أوسلو، و لو كانت السلطة تتمتع بشيء من الحنكة السياسية لاستثمرت
المأزق الصهيوني على أقل تقدير لصالحها، ولا أقول لصالح القضية التي لم تعد
على سلّم أولويات اهتمام السلطة .
وأما العدو الصهيوني
فنراه ينجح دائما في الخروج من مأزقه عبر استغلال بعض القيادات ذات النفس
السياسي القصير ، التي تهتم بتحقيق أهداف مظهرية لا تمس حقيقة و جوهر
القضية ، و لا ينكر أحد أن الكيان الصهيوني يعيش اليوم أزمة حقيقية زلزلت
أركانه و ضربت أمنه ، و دمّرت اقتصاده و حطمت معنوياته ، و كان في مقدور
المقاومة أن تترجم إلى إنجازات حقيقية لولا رهان العدو الصهيوني على بعض
المتعجلين لقطف الثمار و لو كانت مرّة ، أو المتخوفين على مكتسباتهم
الشخصية من استمرار المقاومة ، و بالتالي كان رهانه دائما أنه لا يعدم أن
يجد من يقبل بتنفيذ الإملاءات الصهيونية التي تسمى زورا و بهتانا اتفاقيات
أمنية ، بينما هي في واقع الحال مجرد إملاءات ينفّذها الطرف الفلسطيني وحده
دون التزام الطرف الصهيوني بأي شيء في مقابل ذلك .
و اتفاقية "غزة - بيت
لحم أولا" لم تخرج أبدا عن هذا السياق ، فقد تمخضت عن استعداد السلطة
للتصدّي للمقاومة في عملية تقاسم وظيفي مع العدو المحتل ، دور السلطة في
ذلك حماية سلامة و أمن جنود الاحتلال و قطعان المستوطنين ، فروح و جوهر هذه
الاتفاقية توفير الأمن للصهاينة ، بينما لا يوجد في المقابل ما يحفظ أمن و
سلامة و حرية الشعب الفلسطيني ، و لقد اعتبر شارون هذه الاتفاقية مجرد
مناورة قائلا : "إن الخطة الأمنية الجديدة لا تلزم (إسرائيل) بتغييرات
جوهرية على أرض الواقع ، بل تلزم السلطة بوقف العمليات ضد (إسرائيل)" ، و
أضاف شارون: "إن ما حدث في بيت لحم لا يعد تغييرا جوهريا ، إذ أن قوات
الجيش لم تكن أصلا داخل بيت لحم و ضواحيها" .
و ما يجري على أرض
الواقع يؤكد ذلك أيضا ، فها هو الأمن الفلسطيني يبدو اليوم في أسوأ أحواله
، طفل يقتل في غزة ، و اغتيال في طولكرم ، يعقبه اغتيال شقيق أحمد سعدات في
البيرة ، ثم هجوم على خانيونس بالطائرات و الدبابات ، مع زرع عبوة ناسفة في
أحد المنازل و من ثم تفجيرها عن بعد أثناء عودة المواطنين لتفقد منازلهم
المدمرة ، مما أدى إلى استشهاد أحدهم و جرح ستة آخرين ، كل ذلك يحدث في
الوقت الذي أخذت فيه قوات الأمن الفلسطينية بنصب الحواجز على الطرقات
لحماية المستوطنات في غزة ، و منع المجاهدين من تنفيذ العمليات من بيت لحم
، و مما يزيد الطين بلّة أن هناك عشرات المستشارين الذين يتقاضون مرتبات
أثقلت كاهل الشعب الفلسطيني و لا دور لهم إلا هزّ الرأس بالموافقة ، أو
ممارسة النفاق السياسي في البحث عن عبارات يدلّسون بها على الشعب ، و
يضلّلون بها الرأي العام ، حتى يسوقوا مثل هذه الاتفاقيات الأمنية الخطيرة
التي تعطي العدو كل شيء بينما تجرّدنا من كل شيء ، و الكارثة الأخيرة هي
أسوأ الكوارث السياسية التي مرّت بها قضيتنا الفلسطينية حتى يومنا هذا .
فبمقتضى هذه الاتفاقية
سيقوم الجانب الفلسطيني بتوفير الأمن للعدو الصهيوني الذي لن يتوقف عن
ممارسة أبشع صور الإرهاب ضد شعبنا الفلسطيني ، و على رأسها استمرار احتلاله
لفلسطين و تدنيسه للمقدسات ، و سيعتبر الجانب الصهيوني دفاع الشعب
الفلسطيني عن نفسه خرقا لهذه الاتفاقية ، أما ما يقوم به العدو من اغتيالات
و اقتحامات و مجازر فهو جزء لا يتجزأ من جوهر هذه الاتفاقية المشئومة ،
فعلى ما يبدو أن الاتفاقية تهدف إلى تطهير المدن و القرى و المخيمات من
المقاومين ، ثم تسليمها بعد ذلك للسلطة الفلسطينية لتواصل شلّ المقاومة و
منعها من أداء دورها في حماية الشعب و مقاومة الاحتلال ، ففي بيان صادر عن
جيش الاحتلال جاء فيه : "عملية الانتشار هذه تهدف إلى إفساح المجال أمام
الفلسطينيين للتحرك ضد (الإرهاب)" .
و بمقتضى هذه
الاتفاقية فإن الجانب الفلسطيني يحمل نفسه المسئولية الكاملة عن حفظ أمن
الاحتلال و وقف كل أشكال المقاومة المسلحة ضده رغم بقائه و استمرار
ممارساته الإرهابية ، فإن لم يتحقق الأمن للاحتلال الذي لن يرحل و سيواصل
ممارسة الإرهاب ، يكون الجانب الفلسطيني قد أخلّ بالاتفاقية مما يجعله
متهما أمام العالم ، و يصبح الاحتلال هو المعتدى عليه من قبل الفلسطينيين ،
ليصبح الجلاد ضحية و الضحية جلادا .
و لقد أعطت هذه
الاتفاقية الاحتلال شرعية حرمته إياها الأعراف و المواثيق الدولية ، بينما
نزعت هذه الاتفاقية الشرعية عن المقاومة الفلسطينية ، فبناء على هذه
الاتفاقية يعطي الجانب الفلسطيني للاحتلال الحقّ الكامل في البقاء ما لم
تتوقف كافة أشكال المقاومة ، و كأن المقاومة هي سبب الاحتلال و ليس العكس ،
فقد جاء في بيان لجيش الاحتلال : "الجيش سيواصل تخفيف العقوبات المفروضة
على الشعب حيث يتم احترام الهدوء" ، مشيرا إلى أن "الجيش سيواصل العمل ضد
ما أسماه (الإرهاب) في القطاع الذي سيكون فيه الأمن مهددا" .
و في ظلّ استمرار
الاحتلال و العدوان فإن المقاومة الفلسطينية ستستمر لا محالة ، و ستترجم
السلطة استمرارها على أنه تحدٍّ للسلطة و ليس مقاومة للاحتلال ، و لكي
تنفّذ السلطة ما التزمت به ستبدأ في مواجهة المقاومين الفلسطينيين ، مما قد
يكون له عواقب وخيمة على الوضع الفلسطيني الداخلي ، و هذا ما يراهن عليه
الاحتلال ، بل لن أكون متجنّيا إذا قلت إن هذا هو هدف الاحتلال الوحيد من
وراء هذه الاتفاقية ، و إذا لم يتحقّق هذا الهدف فلن يتوانى الصهاينة في
العمل الحثيث لوضع حدّ لهذه الاتفاقية من خلال ارتكاب مجازر لها أول و ليس
لها آخر .
فلمصلحة من تعقد هذه الاتفاقية ؟!!!!! .
|