"أخي
جاوز الظالمون المدى .. فمن للجهاد
ومن للفداء " ... لا يسعني سوى
الاعتذار عن التصرف على هذا النحو
في الشطر الثاني من بيت الشعر
لقصيدة الشاعر القومي الراحل "
على محمود طه " ولا غضاضة في هذا
التعمد والقصد من تحريف معنى ، فحال
أمتنا اليوم يدعو لرثاء أكثر من أي
وقت مضى مما لا يجوز معه كتابة
القصيدة بشكل صحيح كما كان آنفا
وكما عرفناه ، فهذا يعد هزلا ويجافي
الواقع ثم أن روح القصيدة كانت
تستنهض أُناسا آخرين من زمن العزة
والكرامة القومية قبل " الأمركة
" و " الإنترنت " وكانوا
يتشحون سيوفهم وإرادتهم دوماً
وتأهبا لنجدة الملهوف وإغاثة
المستضعفين من الأشقاء إذا جار
عليهم الأعداء ولست بحاجة للتذكرة
بمفردات التاريخ الحديث في 1956م ، 1967م
.
الحسرة
تأكل القلوب حقا والدموع لا تجف من
المآقي ، فالإحساس بالعجز والتخاذل
والاشمئزاز مما يحدث لعنة أصابت
الأمة منذ عام 1977 وتأكدت في عام 1990م
، وغمرنا اليأس واعتصرنا الألم
وتحولت سيوفنا الخشبية سياجا
مضروبا وحدوديا لحماية كيان
الخنازير المدنِسة لحرمة الأقصى
الشهيد حين نُزف له كل يوم جموع
الضحايا من أبناء أمتنا وأمام
أعيننا ، فيتم ذبحهم بأنياب أحفاد
القردة .
فيما
مضى ووقتما كنا نسمع القصيدة أعلاه
مغناة في المذياع ، كانت تستنفر
فينا صغارا وكبارا روح النخوة وقيم
الشهامة والرجولة للتصدي لهذا
الظلم بشكل مباشر أو الانفعال له
بشكل كامل كأضعف الإيمان وكان
النضال هادرا وكم روى الشهداء
أرضنا العربية بدمائهم الزكية على
امتداد الساحة العربية مقاتلين
وقادة في عزة وتصميم على رفض الخنوع
والذل والتبعية . يا ويلتنا ماذا حل
بنا ؟ وماذا فعلنا بأنفسنا ؟ هلكنا
ويا لهلاك هذه الأمة قطراً بعد آخر
مما هو آت من خلال طاولات
المفاوضات الملعونة وصكوك
الاستسلام المعلن وتزايد شروط
التنكيل المملاة علينا في استزادة
واستعذاب ، أتراها دماءنا قد تجمدت
في عروقنا أم جفت تماما وهانت علينا
حياتنا بعد ما هانت لدينا آخرتنا ؟
ويا
لوعة الأقدار فيما
نزل بنا ، فلقد هان كل شيء فأهاننا
أخس صنوف البشر وأبشعهم ظلما
وعدوانا وتنكيلا بنا ، واأسفاه على
عروبتاه فلم يعد لطعامنا مذاق
بحلوقنا وامتزج الحلو بالمر
وأصابنا الاكتئاب من وطأة الإحساس
بالعجز والدينونة فيما بين الأمم ،
فنحن أمة من العاجزين والمحبطين
والمهلهلين والمتخاذلين من المحيط
إلى الخليج وبرز من بين صفوفنا
المتنطعون على موائد أعدائنا
وسادتنا في الغرب الدنيء وبني
صهيون الأنجاس ، محقة النساء إن لم
يلبسن ويتشحن بالسواد حدادا على من
يموتون من التخمة أو الذل لا
استشهادا من أجل عزتنا وكرامتنا
ومقدساتنا ، الانحدار أخذ بنا
ويسرع ليهوي بالجميع في براثن
الفناء ولا يليق بأمة كانت متوثبة
منذ عهد قريب أفل وكانت صرخات أخلص
أبنائها تعلو زئيرا للانقضاض على
أعدائها بالرداء ولا بتالي كي تنال
مكانتها اللائقة تحت شمس الحرية
وضياء العزة والكرامة القومية .
وعلى
الرغم من قلة وندرة الإمكانيات
والأسلحة المتاحة بين أيديها حينئذ
، كان هناك من يحرك الأحداث بشجاعة
وصدق للأمام ولأعلى رغم قسوة
التحديات والصعوبات وجبروت
الأعداء ، وكنا في أوج لحظات النكسة
نلوذ بالأسد الجريح وهو يلملم
جراحه ويعلنها مدوية في زئيره
باللاءات الثلاث الشهيرة " لا
صلح ، لا تفاوض ، لا اعتراف" مع
كيان خسيس دخيل زرع بإرادة حاقدة
وظالمة ليصبح جسما غريبا مرفوضا ،
يحتل أرضنا ويعبث بمقدساتنا وينتهك
حرماتنا واعراضنا ، ولم يبال بما
حاكوه ضده وتحمل أكثر من الكثير
وصمد الشعب بإعلانها استنـزافاً
وحربا ضروسا بكل الإصرار والعزيمة
والتضحية والفداء السالف دفاعا عن
حاضر وماضي ومستقبل أمة لا يعرف
قيمتها حقا ولا تاريخها سوى
المخلصين فقط من أبنائها الأفذاذ .
رحم الله الرجال العظام ولا عزاء
لأمة ما زالت ساهرة تعبث بشموع
غربية تحرق ولا تضيء ظلمات ليلنا
العربي البهيم ، ولا حياة لمن تنادي
شعرا أو نثرا .
عودة