الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

عودة

سلكـــان

بقلم : هاني الطيطي

قصة قصيرة إهداء إلى البطل الاستشهادي سعيد الحوتري

 

ما أن ْ سارَ الدّمُ في السلكِ الأحمرِ حتى نامتِ العصافيرُ الصغيرةُ في أعشاشِها , ما أن دبت الحياة في السلك الأزرق حتى توارت الآذان خلف نواقيسها, احتضنها بين ذراعيه حتى نامت نوما عميقا شاربة من حلاوة العطاء حتى الثمالة, أقفل سحّابُ سترته , وسار نحو  الملهى الليلي , طالبا لذة أخرى, يستنشق أريجُها المعبق بنسمات حيفا البحرية.

لم يكمل  ربيعه العشرين بعد, شرب من فجر عمان حتى الثمالة,وارتوي من عصر عمان فأشبع الظمأ,  فأوجعته الغربة بقسوتها المرّة, هاله ما يرى من شرور تحوم حول أحلامه الصغيرة, بيوع تصك حوله, رايات كريهة تخفق في سماء عمان الحزينة, رايات سوداء تخفق عالية على  بوابات الشارع العربي المهزوم على أعقابه.

عيناه كوكبان تنيران القلب المكبل بالأصفاد نورا يهتدى  به في ظلمة القهر الذي نحيا, عيناه دمعتان نازلتان على الذي مضى ولم يأت بعد, لم يحن أوان القطف بعد, لم يحن أوان النسيج الليلكي بعد, عيناه زهرتان بيضتان وقت الغسق.

قالت له والرمش يغازل الضوء القادم من عتمة البؤس:

-   لولا زمان الردة لكانت العيون تتغزل  في  بطن العتمة.

همس لها واللّحظ  ينادي العيون الشاردة في شوارع عمان:

-   كنت أحاور شاردات العيون وقت الظهيرة.

تناول تأشيرة السفر فرحاَ بما سيشاهد لأول مرة منذ أن أبرقت الخواطر في قلبه المحب لكل ما هو آت عبر موجات البحر الذي يهوى,  على غير عادته نزل درجات سلم السفارة مهرولاَ نحو بيته, , لم يصدق عندما أعلن عن اسمه في قائمة الموافقين على سفرهم, حاملا معه كل طقوس العشق الذي نما في داخله, ركض في الشارع على غير عادته, ما أن وصل البيت حتى أعلن المفاجأة الكبرى, وحلمه بالسفر إلى الأرض التي لم يرها بعينيه, سمع الكثير من الحكايات, شاهد ملايين الصور, حفظ أسماء مدنها وقراها, عشق هواء حيفا ولم يستنشقه بعد, عدّ الموجات موجة تلو الأخرى, كتب اسمه على غيوم  يافا آلاف المرات, نقش همساته فوق رمال عكا الطرية, رسم شعارات الوحدة على عشب الخليل مرة تلو المرة, ردد عشرات الآيات ونام ليلته هذه غير مصدق  بالموافقة, نام كطفل يداعب بأصابعه الصغيرة نسمات الهواء الجبلية.

غرفته خالية إلا من خارطة لفلسطين وصورة له وهو يستحم في البحر الأحمر, هناك خيط رفيع يتدلى من أعلى السقف مربوط بمديدة خضراء تتطاول حتى تعانق حافة الشباك العلية, ومكتب صغير بال أكل الدهر منه وشرب حتى بات لا يعرف إذا كان مصنوع من الخشب أو الحديد , على سطحه كتاب مروّث بصورة للقسام وآخر يحمل صورة لسفينة على هيئة طائر نورس, وثالث يحمل على غلافه علامة سؤال فوق قبة الصخرة.

بعض الأوراق منظمة فوق بعضها البعض, مجموعة من الأسلاك الملونة, بعض القطع المعدنية, مقص, قطـّاعة أسلاك, مجموعة مفكات, أشرطة لاصقة, علبة كبريت, بعض المخططات الهندسية مرسومة على أوراق مصفر لونها.

لم تكن خيوط الفجر من قد انبلجت, حتى استيقظ سعيد من نومه العميق كعادته, قام بعدة تمارين رياضية خفيفة, ثم توضأ وغير ملابسه وانطلق إلى المسجد.

 

***

غريبة كل الأقدام التي تطأ رما لك يا حيفا, مهينة كل الأنفاس آلتي تمتزج بهوائك, لوثوا غيومه المشبعة بقطرات الماء, أقاموا فوقك جسور الوهم ومحميات القردة, لونوا السماء بالوان سوداء, أهانوا الموجات باللعب فيها, غريب كل من قدم إليك يا حيفا من الغرب , لا يعرف أن للرمال عيون ترصد الخطوات وتختصر الأزمنة وتلبس الإكليل الأبيض استعداد لليلتها الموعودة.

لبست حيفا ملابس الزفاف, وتزينت بالحلي لعرسها القادم, أعدت العدة لليلة الموعودة,  قد حان الوقت لتقري عينا, وتنامي ليلة طويلة حلمت بها منذ أكثر من ثمانية عقود, قد حان وقت الزفاف, تراقص حبات الرمال مع موجات البحر المغنية, تماوجت القوارب طربا على أنغام موسيقى قادمة من أعماق الماضي, لبس البحر حلة بيضاء على شاطئك, وأعلن أن ميلاد الفجر قد اقترب,  طقطقة الأقدام السوداء قد حان صمتها.

اقتربت الساعة وحان عناق الاسلاك, عناق الروح لقبلتها, عناق الرضيع لثدي أمه الحبلى بمواريث العصور الذهبية, اللحظات تخطو هاربة نحو الجهة الاخرى, عيون ادمتها الغربة, فلوب تكسرت فوق أمواج حيفا لاهثة, رموش تتهصر على عيونها, اقتربت الدقائق وحان الهمس.

صوت آت عبر بوابات الجنوب المحرر " منتصب القامة أمشي  مرفوع الهامة أمشي في قبضي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي" يشد الغيم الى  جبالها, لم تبهره أضواء المدينة بموسيقاها الصاخبة, سائر في رحم النسيم  القادم عبر نوافذ القهر المؤرق من كل الجهات, أصوات تتراقص على أنغام أجسام لا تعرف سوى العري, تتماوج أمام عدسات الموت القادم من عمان, لحظات وينتهي المشهد, وتتبلور الحكايات القادمة من الغرب, تعلن أن الصمت سيد الأزمنة, والغواني قديسات قدمن أجسادهن المثلجة قرابين لكل الجدائل المنتثرة على أكتاف أشباه الرجال الغرباء في وطني.

أمم تأتي, بارجات تحط, حاملات تقلع, لتصمت عيون تناجي الليل, وتكتحل برذاذ الحرية القادمة, جموع تتماوج على قارعات الطريق:

-   أرجعون... أرجعون.

أخرى تصرخ:

- أعيدوا لي زمن كنتُ أتنفس فيه.

أخرى ناجية, لا تعرف أنها ستغوص في وحل الموت مرة ثانية لتعلن أمام العدسات, بأن المشهد غير المشهد, وأن القادم سيكون علينا الأسوأ.

-   لنرحل.

تعلن عمان الحداد على الغواني, ويعلن الحداد في حارات عمان  على سعيد. ويعلن الصمت في العواصم الأخرى, وتبدأ حكاية الموائد الفارغة من جديد , لتعلن صمت الآهات الحزينة, وأن القاتل سيد الأبرياء والمقتول سيد الارهاب.

وتعلن الحارات بأن:

-   سعيد سيد شهداء  العصر الأت .

عودة