الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

عودة

عملية التسوية السياسية امتداد لهزيمة الخامس من يونيو 1967 , دولة الاحتلال أعطت كل ما تستطيع ولا يمكنها تقديم المزيد والسلطة الفلسطينية تناور على هذه الحدود !!

بقلم : د. أسامة المحمود

لم تكن هزيمة الخامس من يونيو حزيران مجرد هزيمة بل كانت إعلانا للظهور الصهوني والفشل العربي في واحدة من أخطر قضاياهم المصيرية التي وصلوا إلى السلطة في معظمهم على أكتاف شرعيتها القومية والوطنية وحافظوا على سلطتهم بالتزامهم بالنضال في سبيلها وكان المؤمل من وراء النكسة في تلك الحرب التي لم يحارب فيها العرب حقا في أيام ستة حسم الاحتلال الصهيوني نهايتها بطريقته السريعة فأسقط درة القضية وعنوانها "القدس" تحت قبضته واقتطع خاصرة مصر الكنانة "سيناء" وابتلع الجبال الاستراتيجية من سوريا"الجولان" واستولى على عدد من مناطق الجنوب اللبناني والأردن ولم يمتلك العرب آنذاك إلا أن يعيدوا تثبيت وضعهم المهزوز من جديد وحصل ما كان ينبغي أن يفعلوه فاجتمعوا ليؤكدوا التزامهم بالقضية الفلسطينية وعدم التفاوض مع الكيان الصهيوني إلا أنهم في الوقت ذاته خفضوا سقف مطالبهم من  فلسطين كلها من البحر المتوسط إلى نهر الأردن إلى الأراضي التي احتلت عام 67والتزموا بالقرار الدولي 242 و 338 وهذا أكبر تنازل بدأه العرب في مسلسل الهزيمة الكبرى للنظام العربي وأتيحت للعرب فرصة نادرة بأن يعيدوا هيبتهم في حرب 73 إلا أنهم أرادوا من هذه المعركة الاستمرار في مسيرة الهزيمة بدلا من رفع سقف مطالبهم وتمكين وضعهم الدولي والإقليمي والداخلي  فوقعت كبرى الدول العربية "مصر" اتفاقها في كامب ديفيد مع العدو الصهيوني وزار الرئيس المصري القدس واعترف بشرعية احتلال الصهاينة للأرض المحتلة واعترف ضمنيا بكون القدس عاصمة لهذا الكيان بزيارته لها وترافق مع هذا كله مزيد من الاتصالات السرية مع الكيان الصهيوني قامت بها بعض الدول العربية وشكلت اختراقا آخر للموقف العربي الذي يبدي الصمود ويعلن الرفض لهذا الكيان وكانت هذه الاتفاقية دافعا لمزيد من التوسع الصهيوني والاستفراد بالدول العربية بعد أن حيدت كبرى هذه الدول وذراعها القوية "مصر" وبدأت حرب لبنان لكسر شوكة المقاومة اللبنانية و تصفيتها وإقامة كيان حليف لها في لبنان وتمكنت بعد مخاض عسير من إخراج هذه المقاومة من آخر جيوب المقاومة ؛ وبدا الأمر سهلا للكيان الصهيوني الذي شعر بالاستقرار لسنوات عدة إلا أنه سرعان ما فاجأته  الانتفاضة الفلسطينية عام 87 والجديد فيها أن خرجت من خاصرته بل من قلبه ، فهؤلاء هم الذين يعيشون تحت الاحتلال وخاضعون لسلطانه واستمرت الانتفاضة قرابة العشر سنوات أعلن فيه الشعب الفلسطيني انحيازه لبرنامج المقاومة و التحرير وكانت الانتفاضة فرصة أخرى للوضع العربي والفلسطيني الرسمي أن يتراجع عن هزائمه ويلتحق بركب الشعب الذي يتقدم دائما على حكوماته إلا أن الوضع العربي كان بعد حرب الخليج الثانية مترنحا ولم يستطع أن الانسجام مع الانتفاضة فقرر أن يركب موجتها ليدخل في مشروع استسلام كبير يضمن له الراحة والاستقرار والتخلص من القضية التي تؤرقه دوما ولا يجد طريقة للتخلص من تبعاتها الواجبة عليه فوجد في رغبة القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية بخوض ما سمته معركة السلام مع الكيان الصهيوني والقبول بما يقدمه الاحتلال تحت سقف القرارات الدولية والالتزامات الأمريكية والروسية وتحت شعار الأرض مقابل السلام وجدت الأنظمة أن هذه هي الفرصة المناسبة فدفعت بعض الأنظمة منظمة التحرير دفعا ترافق مع رغبتها "أي المنظمة" لدخول عملية التسوية وتحت ضغط الوضع الدولي السيئ واختلاف موازين القوى وانهيار الاتحاد السوفييتي وسيادة النظام الدولي الجديد ورغبة الكيان الصهيوني في التخلص من الانتفاضة الفلسطينية وما يمكن أن تجره من تعقيدات وتدخلات فلسطينيا وعربيا وإسلاميا ورغبة أخرى بألا تتحمل كلفة الاحتلال الباهظة بأن تقوم جهة أخرى بهذه العملية  نيابة عنها ضمن مشروع تسوية متفق عليه … كل ذلك سرّع في عملية التسوية التي ألقت فيها الولايات المتحدة بكل ثقلها وأسفرت عن توقيع إعلان المبادئ "اتفاق أوسلو" أو " غزة – أريحا أولا" وتضمن اعترافا صريحا بشرعية الاحتلال الصهيوني في سابقة غريبة يعترف فيها أهل بلد بشرعية احتلال بلدهم من قوة غاشمة مقابل سلطة مدنية بلدية على شطر من أراضيه المحتلة تحت السيادة الاسمية واعتراف بمنظمة التحرير وعودة محدودة لعدد من كوادره العاملة في برنامجه "السلمي" الذي يستهدف في النهاية المشروع الوطني للشعب الفلسطيني بتحرير كل أراضيه المحتلة من المعتدين الصهاينة إلا أن أخطر مصائب هذا الاتفاق أنه أجّل البحث في قضايا النزاع الأساسية : القدس والأرض واللاجئين و الدولة وتقرير المصير والمستوطنات والحدود … وتركوا هذا الأمر للتفاوض والحركة السياسية وحصلت الهزيمة الكبيرة الأخرى إذ وجد هؤلاء المفاوضون أنفسهم أمام واقع لا يستطيعون تجاوزه فالكيان الصهيوني أعطى كل ما يستطيع في عمليات إعادة الانتشار الأولى وليس مستعدا لتقديم تنازلات حقيقية في موضوع المستوطنات الحاضنة للمشروع الصهيوني الديمغرافي ولا في موضوع القدس العنوان التاريخي والديني للصراع ولا في موضوع اللاجئين الفلسطينيين القنبلة الموقوتة التي ستفجر الكيان من الداخل حال عودتهم .. ومع أنهم أبدوا بعض المرونة في موضوع الدولة الفلسطينية إلا أن الواقع والمخطط يقول إنها دولة شكلية بمواصفات صهيونية محضة تغذي الشعور الوطني بالانتماء للفلسطينيين وتعطي الضمانة العملية بالأمان للكيان الصهيوني بحكم الاتفاقات الحاسمة في تفصيلاتها بحيث لا يمكن للسلطة الفلسطينية التراجع عنها

وأزمة التفاوض الآن كلها ترجع لهذه الفلسفة السياسية فالصهاينة أعطوا كل ما يستطيعون والسلطة الفلسطينية لا تستطيع أن تخطو خطوتها المقبلة دون أن تأخذ ثمنا ولو كان قليلا كما حصل عام 93 في اتفاق أوسلو ، ويزيد الوضع تعقيدا الانتفاضة الشعبية الفلسطينية التي أجمعت كل قوى الشعب الفلسطيني وفصائله دون استثناء على ضرورة تصعيدها حتى تحقيق الأهداف الوطنية المنشودة " التحرير".

ولكن الضغط الصهيوني والأمريكي والأوروبي على السلطة الفلسطينية المرهقة بثقل الاتفاقيات المجحفة التي وقعتها يدفع الآن إلى ركوب آخر لموجة الانتفاضة لحرفها عن مسارها الجهادي والوطني لتنتظم في سلك مسلسل الهزائم العربية فهل يتم لهم ذلك ؟!