الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

عودة

لاغتيال الحلم والعمر الجميل : رصاصة واحدة لا تكفي

بقلم : أسامة العيسة - الخليل

 

كان يوم الثامن عشر من تموز عام 1995 قائظا في مدينة الخليل, و كان المواطنون يختبئون في بيوتهم, يجلسون أمام المراوح الهوائية بتراخ, أو يروحون في قيلولة, و لكن في بيت جميل في حي (عين سارة) في المدينة التي اكتسبت اسمها من أبي الأنبياء إبراهيم الخليل, تمتد أمامه الحقول المزروعة بالكرمة, كان الأمر مختلفا, فسكان البيت يتمتعون بنشاط واضح, و بفعلهم تدب الحركة في البيت تحضيرا لمناسبة احتفالية للفتى نضال(12) عاما أحد سكان البيت, فاليوم هو الاحتفال بعيد ميلاده الأول..!

و كنت مدعوا لحضور ذلك الاحتفال, و لاستمع لحكاية ذلك الفتى الخليلي الذي أضاء الشمعة الأولى في حياته الجديدة.

رصاصة حمقاء

بتاريخ 18/7/1994, اندلعت في قطاع غزة بالقرب من حاجز بيت حانون المعروف باسم حاجز أبرز, الفاصل بين قطاع غزة و بين العالم, اضطرابات نفذها مجموعات من العمال العاطلين عن العمل و عرفت باسم (ثورة الجياع), بسبب استمرارا إغلاق قطاع غزة و عدم السماح للعمال منه بالخروج إلى أعمالهم.

و في اليوم نفسه تضامنت مع الجياع و ثورتهم عدة مدن في الضفة الغربية, و من بين هذه المدن كانت الخليل التي تركزت المواجهات مع جنود الاحتلال فيها, في منطقة باب الزاوية في وسط الخليل, و في ذلك اليوم نزل نضال الشماسي ذو السنوات الاثنتي عشر  من (عين سارة) حيث يسكن إلى باب الزاوية, و بعد المواجهات أو في أثنائها أعلنت قوات الاحتلال حظر التجول , فعاد نضال كما نزل راكبا دراجته إلى منزله, دون ان يدري ان قناصا, وصفقت أمه السيدة نوال الشماسي بان الأحاسيس ماتت في قلبه, سيطلق عليه رصاصة غادرة من الخلف.

و دخلت الرصاصة الحمقاء, فوق الخاصرة لتخرج من الجهة اليسرى بعد ان أزالت ثلاثة فقرات من العمود الفقري و اخترقت الأمعاء الغليظة و الدقيقة.

نقل نضال إلى مستشفى عالية في الخليل, و ادخل إلى غرفة العمليات, و فتح بطنه و اغلق ب (42) غرزه, بدون تقديم علاج كافي له, كما اعتقدت والدته, ذات الإرادة الصلبة, فطلبت نقله إلى مستشفى هداسا الإسرائيلي في القدس, و كان ذلك وقتها يتطلب موافقة الإدارة المدنية, و هي الجهاز المدني للاحتلال فبي المناطق الفلسطينية , وقتذاك, و جرى حديث متوتر بين أم نضال و ممثل للإدارة المدنية, الذي طلب, نتيجة للحديث و الإلحاح الحديث مع مسؤول في مستشفى عالية الذي كان, بوصف مستشفى حكوميا خاضعا لمسؤولية الإدارة المدنية, ..و سمعت أم نضال المسؤول في المستشفى يقول لممثل الإدارة المدنية على الهاتف (..نضال سيبقى في المستشفى أسبوعا و سيروح على البيت).

دهشت نوال الشماسي مما سمعته, و عرفت بطريقتها  و بإحساسها, و هذا هو المفزع, ان كلام مسؤول المستشفى كان (شفرة) مع ممثل الإدارة المدنية تعني باختصار ان الحالة ميئوس منها.

ولم يكن منطقا كهذا يمكن ان يمر على نوال الشماسي, المعروفة بإصرارها العنيد,, فبذلت جهودا إضافية, و نقلت ابنها في اليوم التالي لإصابته إلى مستشفى هداسا المتطور, و في اليوم نفسه, انفجرت أمعاؤه, فادخل إلى غرفة العمليات, و أجريت له عملية, استمرت, كما هو متوقع ساعات طويلة, و خرج منه إلى غرفة العناية المركزة, و درجة حرارته تدور حول الأربعين مئوية, و استمر كذلك نحو (36) يوما, و السيدة نوال مرابطة أمام غرفة الإنعاش, ترى بعينيها تدهور صحة ابنها و كيف نزل وزنه من (43) كيلو غرام إلى (25) كيلو.

و بعد ان أصبحت درجة حرارة جسد نضال في معدلها العادي, كان على نوال الشماسي ان تحمل ولدها نضال و تنقله إلى مستشفى (ألين) و هو قسم من هداسا, ليتلقى ابنها علاجا طبيعيا, و بعد أربعة أيام من مكوث نضال في ألين داهمته آلام شديدة فأعيد مرة أخرى إلى هداسا, ليكتشفوا بان لديه أمعاء مثقوبة..!

..و أجريت لنضال ثمان عمليات, و أمضى تسعة اشهر في مسيرة العلاج و هو يقوم بعمليات الإخراج الطبيعي من جنبه, و تحسنت صحته, بعد زرع جسر بلاتيني في عموده الفقري, تكلف 78 ألف دولار, و جعله يستطيع الجلوس على السرير و على الكرسي المتحرك لأول مرة بعد إصابته.

و بعد هذا التطور المهم في حالته, رفض نضال العودة إلى (ألين) في هداسا لتلقي العلاج الطبيعي فأخذته أمه إلى مركز أبو ريا في رام الله, الأمر الذي رفع معنوياته, و بمزيد من الإصرار بدا نضال بممارسة السباحة ويشترك في سباقات المعاقين و يدخل فريق المعاقين لكرة السلة.

و بدا الأمل بعودة نضال لحياته الطبيعة, يدق بقوة في قلب والدته التي باعت مجوهراتها و أرضها لعلاجه, و تعزز الأمل بعد ان اصطحبت نوال ابنها نضال إلى مستشفى اخولوف الإسرائيلي في تل أبيب و عرضته على الطبيب الشهير (دوفكن) الذي عالج ابن الدكتور مصطفة خليل رئيس وزراء مصر الأسبق, في واقعة اهتمت بها الصحف وقتذاك.

و بعد ان قبض اوخلوف الكشفية الكبيرة فحص نضال و طمأن والدته بان هناك إمكانية لإعادة الحياة في رجلي نضال بنسبة تفوق أل 70%

و عندما سمعت نوال هذا الكلام طارت من الفرح, و جندت نفسها لتدبير أجرة العملية, و اتصلت بالدكتور منذر الشريف و كيل وزارة الصحة الفلسطينية الذي كان يتحدث على الهواء مباشرة بإذاعة صوت فلسطين, طلبت منه نوال تحويلا من وزارة الصحة لمستشفى اوخلوف لعلاج نضال على حساب الوزارة, ووافق الشريف على تحويل الفلسطيني البطل نضال, ووعدها على الهواء مباشرة بتحقيق رغبتها و إعادة الأمل لنضال.

و لكن؟؟ يبدو ان كلام الهواء يتطاير في الهواء, فعندما راجعت الدكتور منذر الشريف اعتذر لها اعتذارا شديدا.

في ذلك الوقت لم يعد لدى نوال الشماسي شيئا لتبيعه, و لم يكن لديها النية ان تترك ابنها الذي أصيب في (عصر السلام) دون علاج, و كانت تعتقد انه يجب على السلطة الفلسطينية مساعدتها فكتبت للدكتور رياض الزعنون  وزير الصحة كتابا بهذا الخصوص, و جلست تنتظر, و عندما كانت تحتفل بعيد ميلاد بأنها الأول بعد الرصاصة الحمقاء, لم يكن أي رد قد وصلها بعد.

و عملت السيدة الشماسي على جانب آخر, فهي توقعت بعد إصابة ابنها ان يفتح جيش الاحتلال تحقيقا في الحادث, و لكن ذلك لم يحدث فتوجهت إلى الشرطة لتقديم شكوى, فلم يسمح لها بالدخول بحجة عدم وجود شرطية إسرائيلية لتقوم بتفتيشها.

و أتت ظروف غير متوقعة, فحين ارتكبت السيدة الشماسي مخالفة سير, و تم سحب رخصتها منها و كذلك هويتها, فرحت جدا لأنها ستستطيع دخول مركز الشرطة و تقديم شكوى ضد المجرم الذي كاد يودي بحياة ابنها.

دخلت نوال الشماسي إلى مركز الشرطة بدون تفتيش, و قدمت شكوى مطالبة بالتحقيق مع الجندي الذي أطلق الرصاصة على ابنها, و بعد ثلاثة اشهر وصل كتاب لنضال ليقابل الشرطة العسكرية الإسرائيلية, و لكنه في ذلك الوقت كان يخضع لإحدى العمليات الجراحية التي أجريت له.

و بدأت بين الطرفين لعبة كلعبة القط و الفار, و كلفت السيدة نوال المحامي الإسرائيلي حاييم هيلر مطالبة بتعويض مالي كبير عن إصابة ابنها من قبل جيش الاحتلال.

في ذلك اليوم القائظ في الخليل كان نضال يحتفل بعيد ميلاده الأول, في انتظار ان (يمن ) عليه وزير الصحة الفلسطيني و يأمر بعلاجه, أو تحكم له (العدالة الإسرائيلية) بتعويض.

و كان نضال فرحا لأنه (كتب لي عمر جديد, بفضل الله و أمي التي تابعت حالتي بعزيمة جبارة) كما قال بينما الأصدقاء يطفئون الشمعة الأولى, و نضال يستعد لانتظار طويل و لسان حاله يقول (رصاصة واحدة لا تكفي لقتل الحلم و العمر الجميل).

**

كل ذلك كان يجول بخاطري خلال الاسبوع الماضي , عندما كان نضال الشماسي ووالدته و العائلة و الأصدقاء يستعدون للاحتفال بعيد ميلاده السابع بعد تلك الرصاصة الحمقاء,..كان وضعه الصحي افضل من قبل,لم تعالجه السلطة الفلسطينية و حصل على مبلغ من المال نتيجة (مصالحة) قضائية مع الاحتلال الإسرائيلي,..و بعد ان حصل على شهادة الثانوية العامة بدا بدراسة الحقوق بالمراسلة,

..و كان شاغله الأكبر متابعة أحداث انتفاضة الأقصى المشتعلة من منزله في عين سارة في مدينة الخليل, التي أصبحت محاصرة اكثر من ذي قبل, و يسقط فيها الشهداء بشكل شبه يومي.

 

عودة