|
كأنها
جموع مهولة ، تهدر لحياة شخص ما ، أو
لعلها عليه لا له ، أصواتهم تصم الآذان ،
وكأنني تبينت في وسطهم شيخاً يبكي وينتحب
، رافعاً صوته بالبكاء والعويل ، إلا
المسجد الحرام..إلا الكعبة المشرفة ، إلا
المسجد الحرام ..إلا الكعبة المشرفة ،
تبينت ، فإذا أنا في ساحة الحرم الشريف قد
زال عنه كثير من رونقه التليد ، قد تهدمت
أعمدته ، وتقوضت أركانه ، وإذا بالساحة
الطاهرة تخلو من الناس ، فإذا بي وحيد
فريد لا صاحب لي ولا ونيس ، وإذا بي أري
الأرض تفيض بالجثث ، عليهم أطمار بالية ،
كانت يوماً ثياباً للإحرام ، وإذا بي أرى
كأن الكعبة المشرفة قد خُلع عنها ثوبها
المهيب ، فبدت وقد تهدم أغلبها ، وكأنني
رأيت علماً يرفرف كالمزهو بالنصر أعلى
سارية وسط الأجداث ، ليت شعري ، ماذا أتى
بهذا العلم البغيض إلى تلك البقاع
الطاهرة ؟ وكأن الأيام تدور ، وتكر
الليالي كعقد حُلَّت عقدته ، فإذا
بالأصوات المُصِّمة تهدأ ، وإذا بالجمع
العرمرم ينفض سامره ، وتخبو جذوته ،
وكأنني أرى البلاد قد هدأت ، والأوطان
قد سكنت ، اللهم من صائح يصيح ،
أ و مذكر يذكر بالمقادس المسلوبة ، فيضيع
صوته كضيعة الغريب في الفيافي والقفار .
أفقت من غفوتي وأنا أستعيذ بالله من
الشيطان الرجيم ، وحاولت أن أتناسى رؤياي
، غير أنها ملأت حياتي ، وملكت لبي ،
فقصدت بها ثُللاً من المؤولين ، فقالوا
أضغاث أحلام وما نحن لتأويله بقادرون ،
إلا أن دللت على شيخ المعبرين ، فطويت
إليه الأرض تسوقني إليه رؤياي ، فما
قصصتها عليه إلا وقد اختلجت أهدابه
القصيرة ، وعلت وجهه سحابة حزن ، وارتجفت
يداه المعروقتان على منسأته الناحلة
، ورماني بنظرة طويلة ، ولم يعقب .
عودة |