الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

أحدث الإضافات

 

عودة

 

 

 

نزيف القلم

المسجد الأقصى.. خط أحمر*

مخلص برزق

 

خرجنا من المسجد بعد صلاة الفجر صبيحة الجمعة وإذ بالبدر يطل قريباً منا متألقاً متباهياً بسناه الذي غمر المنطقة بلونه الفضي فزاد اللوحة التي رسمها الربيع جمالاً وبهاءً والتي اكتملت روعة وفتنة بنسمات عليلة هبت مع ريح الصبا وأصوات ساحرة ندية للعصافير والبلابل تشق سكون الفضاء..

 

دار في خلدي في تلك اللحظات تساؤل كثيراً ما راودني في كل مرة كنت أحظى فيها بالتمتع بتلك الأوقات الفريدة فخلو الشوارع ينبئك بأن غالبية القوم يغطون في نوم عميق مفرطين بتلك الأوقات الثمينة المباركة والتي خصها الله تعالى بذلك الجمال الأخّاذ.. أخذت أسائل نفسي حتى متى تفرط أمتنا بوقتها الثمين وهي أحوج ما تكون إليه؟! وكيف نلتمس من الله النصر ونحن نتثاقل عن صلاة الفجر؟!

 

ظلال سوداء كانت تزحف في تلك اللحظات على الجزء الشمالي الغربي من وجه القمر فبدأ يغرق بأكمله في الظلام بسبب خسوف كلي أصابه في ذلك اليوم الذي جاء عقب يوم الذكرى المشؤومة لنكبة فلسطين..

 

تزاحمت الخواطر في رأسي وأنا أشاهد هذه الظاهرة الفلكية العظيمة "فهششتها" جميعاً وأطلقت لنفسي العنان للتأمل في مصاب القمر الجلل والذي خلت لوهلة أنه يصرخ فينا مستغيثاً علّ أحداً يرفق بحاله ويرد لـه شيئاً من جميل صنعه.. ولكن من سيسمع صرخاته ومن سيصحو على وقع استغاثاته والقوم كلهم نيام.. كلهم – إلا من رحم الله – نيام!!

 

عدت لبيتي وأنا أحاول مغالبة شعور بالأسى والحزن انتابني فجأة بعدما تراءى لي المسجد الأقصى بدراً منيراً في سماء أمتنا يصرخ فينا أن هلموا لإنقاذي فظلال الاحتلال القاتمة تخيم عليّ منذ ستة وثلاثين عاماً دون أن يلوح في الأفق بصيصاً من نور يبدد تلك العتمة..

 

استرجعت في تلك اللحظات شريط الأخبار الذي تجرعنا مرارته خلال اليوم الماضي وما حواه من مخاطر رهيبة تحدق بمسجدنا الأسير كان منها تصريحات المجرم وزير الأمن الداخلي الصهيوني بالسماح لأفواج القاذورات البشرية من بني صهيون بتدنيس الحرم القدسي الشريف.. إضافة لاعتقال قادة الحركة الإسلامية في فلسطين المحتلة عام 1948م وفي مقدمتهم رئيسها المجاهد الشيخ رائد صلاح.

 

أمضيت يومي وأنا مسكونٌ بهواجس كثيرة حول مصير أقصانا الحبيب وما يمكن أن تؤول إليه الأمور ولكنني وبمجرد أن خطوت خطواتي الأولى خارج المسجد عقب صلاة الفجر ورأيت البدر مضيئاً مرتفعاً عالياً كأسطع ما يكون شعرت به كأنه فرح مسرور يباهي بأشعته ونوره الخلائق بعدما تخلص من الظلام الذي شوّه وجهه لوهلة من الزمن وقطع فيض سناه عن العالمين..

 

في تلك اللحظات عاد لي الأمل من جديد بانقشاع الظلام المخيم على أقصانا الحبيب وتراءت لي صور متتابعة لأفواج المصلين وهم يشتبكون مع قوات الاحتلال في حرم الأقصى دفاعاً عن طهره وقداسته.. رأيتهم أجساماً نورانية يدفعون كتلاً ظلامية تحاول إغراق الأقصى بالظلام.. رأيت صوراً مضمخة بالدم.. امتزجت فيها دماء الشهداء الذين خضبوا ساحاته عام 1990م بدماء أولئك الذين سقطوا في أحضانه عام 1996م مع دماء شهداء انتفاضة الأقصى الحالية .. وتيقنت بأن المسجد الأقصى خط أحمر لا يمكن لشعبنا أن يسمح بتخطيه أبداً وأن أي إجراء عدواني من قبل الصهاينة سيكون الرد عليه حاسماً قاطعاً تسيل فيه الدماء حرّى ذوداً عن مسجدنا الغالي الأسير وصوناً لحرمة وطهارة مسجدنا الأثير..

 

سيبقى المسجد الأقصى قبلة لنا في الجهاد ضد أخبث خلق الله ولن نسلم مفاتحه أبداً لهم وإن تناوشتـنا سهام الأعداء ورماح الإخوة والأصدقاء، ولسوف نمضي قدماً نحو محرابه الطاهر يحدونا الشوق لسجدة على أعتابه أو أن ننال شهادة في أكنافه.

 


* المقال كتب عام 2003م