الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page
 
 

 

 

عودة


 

فولكلور الانتفاضة

بقلم : أ. إبراهيم الحارس

 

المضمون التراثي في ثورة 1936/1939 تراكم التجربة وانبعاثها

في إطار البحث ، أو السؤال الباحث عن فولكلور للانتفاضة ، التجسيد الجديد والمعنى الراصد لصياغات الشعب وتفاعلاته وممارساته في ظل الحياة ، والزمن الرافض لاسطورة الزيف ، لا بد ، من التوقف قليلاً عند تجربة الشعب ووعيه في ثورة 1936/1939 ، لأن الانتفاضة الأخيرة هي تراكم من تراكمات الثورة وامتداداً للوهج الثوري في بنيان الفلسطيني المقاتل ، حيث انحازت جميع جماهير الوطن للأرض والتراب ، وصمدت الثورة . كل فئات المجتمع ، مع بروز واضح للدور القروي ، الفلاحين فيها ، في لحمة واحدة .

*ولسنا في معرض تقييم نتائج الثورة واخفاقاتها وانتصاراتها وفتوحاتها ، ولكن الثورة وعبر سنوات الكفاح الطويلة بنت في شعاب ، الجبال والقرى الفداء المتناثرة على خارطة الوطن الكبير في الظلام وتحت الشمس ، نوعاً من أدب خاص ، أدب لا ينبت الا في ظل الثورة ، حيث الوهج غير الوهج وحيث التداعي الحر المفعم برائحة الوطن وعبق البطولة . حينها تكون السماء معدة لاستقبال مواكب الشهادة .

*الأدب هنا أدب خارج عن اطاره العام ، أدب يصنعه الشعب في عملية ابداعية جماعية لا مجال فيه للخصوصية الفردية الا في الاطار الجماهيري ، وهذه هي خصوصية أدب الشعب - فولكلوره - الذي يعرف بأنه انبعاث لفعل الأجيال البشرية من ضرورات حياتها وعلاقاتها ، ومن افراحها وأحزانها حيث الأرض أساس هذا الأدب العريق ، وشكله النهائي هو صياغة الجماهير المغمورة المجهولة التي تعيش لصق الواقع. "من تعريف أحمد رشدي الصالح" .

*وقبل البحث في تراث الثورة لابد من الاشارة إلى ان المضمون التراثي لثورة 1936/1939 يجد مقابله بصورة أو بأخرى في الثورة / الانتفاضة (187) ، وذلك ان الانتفاضة في مضمونها شكل من أشكال الحياة الشعبية التي قامت للدفاع عن نفسها تماما كما قامت الحياة الشعبية في ثورة 1936 وقد لاحظ الباحث نمر سرحان : "ان القاسم المشترك بين تلك الثورة والانتفاضة الحالية هو التهديد الشامل للحياة الشعبية ، ففي الثورة الأولى هجمة صهيونية وهجرة يهودية تسلب الأرض من السكان وتحيل الفلاحين إلى اقنان في أرضهم وفي الثورة الحالية حملة ابادة شاملة والاعداد لتهجير جماعي شامل للشعب الفلسطيني يخرجه من أرضه ويحوله بالكامل إلى شعب من اللاجئين . وفي كل الأحوال كان على الحياة الشعبية ان تدافع عن نفسها .." .

*شكل الممارسة والدفاع عنها في ثورة 1936 كان شكلا شاملا لكل ما تعنيه من صور الدفاع عن الحياة ؛ إذا نظرنا إلى الدوائر الثلاث التي تبرز بصورة واضحة مجالات الحياة الشعبية وهي العادات والتقاليد ، المرويات والمحكيات والممارسات الشعبية .

*دراستنا لن تكون دراسة مقارنة بين واقع شعبي فرضته الثورة ؛ أو لأفرزته فعاليات الحدث ، وواقع شعبي انتفاضي ولد في رحم الفعل والتلاحم الجهادي الكبير في أرجاء الوطن ، فتوقفنا عند محطة 1936 توقف من يحاول عرض ذلك الواقع باعتبار ما حدث يوم (7/8/1987) هو تراكم فعلي ونتيجة تفاعلات ومعاناة الشعب في علاقاته الدائمة بالعدو ، الذي يريد تحول كل شيء وافتعال زمن جديد لا يعترف به الزمن الفلسطيني القائم الآن وغداً . وعليه بحثنا سيكون في إطار القراءة السريعة والمرور العابر لاهم افرازات الزمن الثوري ، حيث تفاعل أبناء القرى والمدن في مواجهة آلة الحرب الإنجليزية والغطرسة الصهيونية .

#دراسة الباحث فؤاد إبراهيم عباس عن الموروث الشعبي في ثورة 1936/1939 من الدراسات المعنية برصد الظاهرة الفولكلورية في الثورة الفلسطينية ، وهي تقدم صورة شاملة نوعاً ما حول ذلك التراث ، فعلاوة على (المظاهرة) التي هي انحدار أو تعبير جماهيري احتجاجي ، مثَّل الموَّسم في فترة تاريخية دوراً مماثلا للمظاهرة ، ولكن المظاهرات في ظل الانتداب والهجمة الصهيونية أصبحت التجسيد النضالي لأبناء فلسطين ضد سياسيات الاستعمار ، وقد تعددت أشكال تلك المظاهرات من مظاهرات التمهيد ، وشرارة الثورة ، ومظاهرات العمل على استمرار الاضراب ، والمظاهرات الحاشدة والمظاهرات الاحتجاجية ومظاهرات التصعيد ... كلها تمثيل نضالي لاحتشاد الجماهير في مشهد قوي استجابة لنداء الجهاد والكفاح ضد الغرباء . وكانت تلك المظاهرات الشكل الفولكلوري السائد في ثورة أبناء فلسطين 1936 ، وقبله من ثورات ، ويكفي ان المجاهد الكبير موسى كاظم الحسيني والد الشهيد عبد القادر الحسيني توفي متأثراً بجراحه التي أصابته أثناء مظاهرة قادها ضد الاحتلال الإنجليزي لفلسطين . إضافة إلى هذا الشكل فإن أشكال الحياة الشعبية في ظل الثورة توزعت على ثلاث دوائر أو هكذا اقترح فؤاد عباس لدراسة تلك الظاهرة من خلال هذه الدوائر "المرويات والمحكيات ، العادات والمعتقدات ، الممارسات" .

ففي إطار المرويات والمحكيات قدمت ثورة فلسطين مجموعة من الشعراء الذين مثلوا الجيل الذي أغنى التجربة التراثية ، ففي أدبيات تلك الفترة نعثر على أشعار الشهيد القسامي نوح إبراهيم - صوت الثورة ويكفي ان نستعير وصف الأستاذ اكرم زعيتر لشعر نوح واستشهاده للتدليل على حجم الشعر وأثره في الثورة حيث يقول :

"ونوح شاعر شعبي ينظم الأزجال والأناشيد بالعامية وأحيانا بالفصحى ويلقيها في الاجتماعات الوطنية العامة ، وهي تثير النخوة وتؤجج الحمية وكنت حريصاً في الاجتماعات الشعبية التي أسهم في الدعوة اليها أو اعدادها ولا سيما في اجتماعات حزب الاستقلال ، ان أدعو هذا الفتى لالقاء أناشيده الحماسية ولا يكاد يقف بلباسه العربي وكوفيته وعقاله المقصب على المنبر أو المسرح حتى تنطلق الأكف ترحيباً .. وطالما حمل الجمهور على ان يردد بعض مقطوعاته الحماسية .." إلى ان يقول : "ومما يدل على أهمية هذا الشاعر الشعبي الاعلان الرسمي الصادر في يوم 22 شباط من هذا العام من قبل مراقب المطبوعات" ثم يذكر نفس القرار الذي يمنع فيه المراقب دخول وتداول ديوان شعر نوح إبراهيم ، مجموعة (أناشيد نوح إبراهيم) ومما جاء في حيثيات القرار ان احظر أيضاً استيراد تلك النشرة اليها - "إلى فلسطين" - وأمر بضبط ومصادرة جميع نسخ تلك النشرة المطبوعة أو المنشورة أو المستوردة خلافا لهذا الأمر . ولعل قصيدة نوح دبرها يا مستر يا مستر ديل" من أشهر قصائد الثورة الساخرة في القائد الإنجليزي ، وقصيدته في رثاء القسام التي هي انفعالات التلميذ باستشهاد شيخه ، يذكر ان صورة الشيخ القسام كانت لوحة الغلاف للمجموعة .

إضافة إلى نوح إبراهيم ، فهنالك فرحان سلام ، ومحمود زقوت وغيرهم من الشعراء الذين أرخّو للثورة ومعاركها ، وكانت قصائدهم صوت المعركة والطلقة التي تلهب حماس الجماهير ، كما ان الشاعر الشهيد عوض النابلسي وقبل وفاته كتب

* ستي وسيدي .. ذاكرة الأشياء لا تموت

قصيدة على جدران السجن بالفحم تعتبر من أصدق قصائد تلك الفترة حتى ان الشاعر توفيق زياد اعتبر القصيدة نموذجاً عالياً من النماذج الشعرية التي تثير وتؤجج الحمية بشكل يفوق أي قصيدة أخرى من قصائد المقاومة .

ومن هذه القصيدة :

باليل خلي الأسير تا يكمل نواحوا

راح يفيق الفجر وترفرف جناحو

تا يتمرجح المشنوق في هبة رياحو

شمل الحبايب ضاع وتكسرت اقداحوا

يذكر ان هذا الشعر كان يغنى ، كما ان الشاعر الشعبي في مقاومته استخدم كل ألوان الشعر الشعبي من العتابا والميجنا .. وغيرها .

اللون الآخر الذي قدمته ثورة 1936 ، السرد القصصي حيث يستخدم القاص الربابة ، ويستشهد بالشعر ، على طريق مرويات الزير سالم وأبو زيد الهلالي وغيرها من التقليد القصصي الذي كان يستخدم في المقاهي كلون من ألوان الترفيه ، في إطار الثورة كانت لنوح إبراهيم تجارب حيث قدم قصة جميلة لامرأة فلسطينية ضحت بحليها من أجل ان يذهب ولدها الصغير إلى الجهاد .

وكان للمثل الشعبي دوره في التحريض والتأكيد على معاني الثورة والبطولة والانتماء والهوية حيث لاحظ غسان كنفاني في دراسته لثورة 1936 ، انحسار الأمثال الشعبية التي تؤكد الخنوع والعبودية والتواكل ، لأنها ثقافة خاملة لا جدران لها . فمن مثل زوان بلادنا ولا قمح الصليبي ، محل "اللي بياكل من خبر السلطان يضرب بسيفو" وغير ذلك ..

شمولية الثورة ، وسيطرتها على كل مظاهر الحياة ، حيث قامت حياة جديدة في زمن الثورة - شكلت أحاديث الناس ومناقشاتهم تلك المناقشات التي كانت تدور في المضافات وعلى مصاطب البيوت وعلى البيادر في ليالي الصيف الجميلة ، فتناقش جماهير الناس أحداث الثورة وآخر المبادرات السياسية ، كل هذا النشاط السياسي جعل من أعضاء اللجنة الملكية التي زارت فلسطين لتقصى الحقائق يقررون ان فلاحي فلسطين كانوا يمتلكون وعياً سياسياً يفوق ما عليه أهالي جنوب إيطاليا ، وكل ذلك اندمج في إطار التجربة التراثية .

في اطار العادات والمعتقدات في العادات الفلسطينية أثريت التجربة الجديدة في ظل الثورة ، حيث أفرزت الثورة مجموعة من التقاليد الشعبية ارتبطت بالكفاح والبطولة ، كالنجدة حيث ينادي الأهالي لنجدة القرى المنكوبة أو القرى المحكم عليها الحصار من قبل جنود الإنجليز ، كما ان الثورة قدمت تقليدً جميلا ، لعل شرارة الثورة انطلقت من (المرابطات) ، حيث يرابط الثوار في أماكن جبلية على الطرق وعند أبواب الوديان انتظاراً لدوريات الإنجليز فينقضون عليها حال وصولها ، مثال ذلك عندما رابطت مجموعة من الثوار على طريق طولكرم بقيادة فرحان السعدي وتصدوا لدورية إنجليزية لتشتعل الثورة بعد ذلك في جميع أنحاء فلسطين .

وفي ظل الثورة يزداد الوعي الجماعي وتزداد معه بالضرورة مظاهر الاعتماد والعودة إلى الجذور ، مما يجعل الكل الاجتماعي يسعى إلى احياء ممارساته وعاداته وتقاليده ، ثم التمحور حول ما هو وطني ومن هنا فان أبناء فلسطين في ظل الثورة أحيوا جميع المظاهر الوطنية - من الممارسات في المأكل والملبس - فازدهرت نظراً لمقاطعة الثورة لكل المنتجات الإنجليزية والاستعاضة عنها بالصناعة الوطنية ، حيث قدمت المرأة الفلسطينية الثوب الفلسطيني بأنواعه المختلفة وتطريزاته الحضارية ، وأسهم كل قطاع في الوطن بأزيائه ، أزياء بيت لحم ورام الله ، والجليل ، والخليل ... كما ان الثوار قرروا ان تكون (الكوفية والعقال) زياً للثورة من أجل مصلحة الثورة وفي هذا الجانب يذكر المؤرخ محمد عزه دروزه ملابسات قرار الثوار اعتبار (الكوفية والعقال) زياً عاماً فيقول :

ان السلطات كانت تختص في تفتيشها ومطارداتها في المدن لابسي العقال والكوفية بنوع خاص وكان هذا هو زي القرويين الثوار فتقبض على من تجده منهم فيها في أحيان كثيرة وتضايقهم ، فأوحى ذلك لقادة الثورة باتخاذ هذا الزي زياً عاماً فلم يمض شهر واحد تقريباً حتى تخلى الناس عن الطرابيش وتزيوا بهذا الزي ، بل ومنهم من تجرد من العمائم وتزيا به . وقد اندمج الموظفون العرب في هذا الزي منهم من فعل ذلك بسائق الشعور الوطني الشامل ومنهم من فعله بسائق الخوف والمسايرة ولم يسع السلطات الا الاغضاء لادركها خطورة الحال ، وما كان يهدد الشاذين من أخطار ومن الجدير بالذكر ان أكثر الناس ظلوا على هذا الزي إلى ما بعد خمود الثورة بمدة طويلة اعتزازاً به وبذكرى ظروفه المجيدة ، ومن طريف ما حدث ان بعض المحامين ذهبوا بهذا الزي إلى المحكمة ولبسوا الرداء الأسود وتقدموا للمرافعات فطلب القضاة الإنجليز منهم خلعه في المحكمة على الأقل فكان جوابهم أنه زي قومي ارتضاه قومهم فلم يسع السلطات القضائية الا الاغضاء .. كما راج استخدام (القمباز) الزي الشعبي للرجال .

من كل ما سبق يلاحظ الباحث كيف اندمج الوعي الشعبي لدى السكان في اطار القضية الوطنية ، مما أنتج قيماً وممارسات شعبية اعطت الثورة طابعها الخاص وممارساتها المميزة ، وجعل من الثورة مدرسة الجيل أسهم فيما بعد وهيأ لقياد ممارسات جديدة ، وكانت الثورة الجديدة وهي لحظة من لحظات الوهج الثوري والدم الفلسطيني الجديد هو اشراقة من اشراقات الدم الذي قدم شهيد الفداء القسام وشهداء الثورة جميعاً ، فكانوا رموز الغد الحاضر في وعينا لأن مدرسة الجهاد في كل زمان ، تظل شعلة الغد ، وتظل دماء الشهداء واعراسهم "حياة" قادمة ورمزاً لبقاء الوطن / الذكرى ، الحكاية القصيدة ..

وستظل الأجيال تنشد للشهيد نوح إبراهيم رثاؤه العظيم للشيخ القسام :

عز الدين يا خسارتك ... رحت فدى لأمتك

مين ينكر شهامتك ... يا شهيد فلسطين

عز الدين مرحوم ... موتك درس للعموم

وتنشد مع فرحان سلام :

إن كان بلفور يجهل قيمة الأوطان ... نحن بأرواحنا نفدي أراضينا

 

.........................

* كاتب وباحث في التراث الفلسطيني .