الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page
 
 

 

 

عودة


 

( الحلقة الأولى )

مختـارات مـن شعـر انتفاضة الأقصى المباركة

جمع ودراسة

 

الدكتور يوسف شحدة الكحلوت

أستاذ الأدب والنقد المساعد

رئيس قسم اللغة العربية بالجامعة الإسلامية – غزة

 

  

بسم الله الرحمن الرحيم

قال تعالى:

{يأيُّها الَّذينَ آمنُوا اصْبرُوا وصَابِرُوا ورابطُوا واتَّقوا اللَّهَ لعلَّكم تُفلحون}

صدق الله العظيم

 

إهـــــداء

إلى الوطن الغالي فلسطين

إلى الأقصى الأسيرِ الحزين

إلى كلِّ شهيدٍ وجريحٍ وسجين

إلى كلِّ الأُباةِ المجاهدين

 

المبحث الأول: قضايا المضمون

 

لقد اشتمل شعر انتفاضة الأقصى المباركة مضامين شتى تناولها الشعراء في قصائدهم ليعبروا عما يجول في وجدانهم تجاه الأحداث التي تمر بها فلسطين، وسأتناول بمشيئة الله أهم المضامين التي وردت في أشعارهم بالدرس والتعليق.

 

1- فلسطين:

فلسطين .. تلك البقعة الشريفة الطاهرة، حاضنة القدس والمسجد الأقصى .. أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين .. مسرى النبي محمد  r ، التي صلى على أرضها وتحت سمائها كل الرسل والأنبياء؛ ليؤكدوا على طهرها، ولينفوا عنها كل دنس يلوث أرضها ويعكر جوها، إلا أن الصليبية الحاقدة، والصهيونية الجاحدة أبَوا إلاَّ  أن يُدنسوا هذا الطهر، وأن يُسِموا أهلها الخسف والنصف، ويغتصبوا أرضها ويقتلعوا شجرها، ويقتلوا مجاهديها ويغتالوا أبطالها، ويهدموا بيوتها، ويحاصروا مدنها.  وفي ظل غياب الأماجد الذين يحفظون الطهر والعفاف، تخرج أمنا فلسطين وسط ذلك كله باحثة عن أباة الرجال علَّها تجد عمرَ أو معتصماً أو صلاحاً، ليأتي أوان الخلاص من السامري الذي أذاقها ألواناً من العذاب، يبحث عن تاريخ كاذب وعن نسب مقطوع، وفي ذلك قال الشاعر محمد وليد في قصيدته "فلسطين أمي"([1]):

                  

                   فلسطين أمي ..

                   تنادي أباة الرجال ..

                   لقد قيدوني

                   وشدوا بصدري الحبال

                   وفي ساحتي سامري

                   يجوس خلال الديار

                   ينقب عن جده في الرمال

                   ويرعى الخنازير فوق سهولي .. وفوق الجبال

                   لقد ألحقوني .. بركب الضلال ..

                   وقد هودوني

 

ويأتي الشاعر محمد طه ليبشرها بالنصر القادم بعد طول انتظار، حيث ظهرت بوادر هذا النصر؛ بعدما عُرف الدرب بعد ضلال والتزم بالهدى والنور، والتُجئ إلى ربِّ البرية جل وعلا، لذلك فإن فجر النصر قادم وظلام الهزيمة سيندحر، ولا ينسى الشاعر أن يقدم هذه البشرى المتأملة في جوٍّ من المناجاة لفلسطين مهبط الأنبياء، ودرة البلاد، وطاهرة التراب، فقال في قصيدته التي بعنوان "أبشري فلسطين"([2]):

أبشري يا فلسطين بالنصر إنا
قد عرفنا الرشاد بعد ضلال
يا بلادي وأنت خير بلادٍ
يا بلادي يا مهبط الأنبياء
يا فلسطين أنت لحن جميل
أبشري درة البلاد بفجر

 

قد عرفنا الطريق ربّ أعنَّا
وعرفنا الهدى وبالنور التزمنا
كيف لا‍‍! وقد أعلى لك الله شأنا
وعلى ترابك الطهور نشأنا
ونشيد به اللسان تغنَّى
سيولِّي الظلام الذي قد مللنا

 

2- حال الأمة:

تطرَّق الشعراء في مضامين شعرهم إلى حال الأمة المتردي محاولين بذلك تشخيص الداء؛ ليتم معالجته قبل أن يتفاقم أكثر فأكثر، ومن هؤلاء الشعراء عبد الرحمن سطم الذي قال في قصيدته التي بعنوان "عذراً ربا القدس" ([3]):

 

مسرى الرسول يجول الغاصبون به
فينا الغنى الذي كفَّاه ما بخلت
فينا الأديب الذي خطت أنامله
فينا الذي حرم استشهاد فارسكم
فينا الذي بارك استسلام أمتنا

 

وهمّنا أن ينال الكأس نادينا
تهديهم الدّر والتصفيق تهدينا
قصص الغرام فنوناً كي يواسينا
إن أرخص الروح ذوداً عن أراضينا
وعدَّه الغاية الكبرى ويكفينا

 

لقد ضمَّن شاعرنا في هذه الأبيات واقع أمتنا في مفاهيمها المنحرفة، وهمتها العقيمة، وعزتها السليبة، وأياديها المغلولة -خاصة إذا ما تعلق الأمر بالجهاد وتعزيز المقاومة واستنهاض الهمم- وأدبها الهابط الذي ابتعد عن مشاكلنا، وتنكر لهمومنا، وانحرف لإثارة الشهوات وإشباع الملذات -وما قصص الكتاب في الحب والغرام إلا دليل على ذلك- وشبابها المغيب عن ساحات المعارك إلى ساحات الموسيقى والرقص والغناء، وعلماء الدنيا الذين يسعون لقتل روح الشهادة في نفوس أبناء فلسطين من خلال تفصيلهم للفتوى على مقاس حكامهم كي ينالوا الرضا والقبول منهم، فيحرِّمون على من باع نفسه لله أن يموت شهيداً، ومنا من رضى بالقعود مع الخوالف حين وهنت عزيمته، وخدع بسحب السلام الخُلَّب، فلا عجب أن نرى ونسمع بعد ذلك بما يتعرض له مسرى نبينا من مآسٍ وويلات من المحتل الغاصب دون أن تكون لدى هذه الأمة النخوة لإنقاذه أو الذوذ عنه.

 

ومن الشعراء الذين تحدثوا أيضاً عن حال الأمة زياد السلوادي في قوله ([4]):

يا أخت غزة إن الحال واحدة
صرنا لكل زناة الأرض ممسحة
والمال عند بنوك الغرب محتجز

 

فنحن تعبث في أقدارنا الأمم
فنال أعراضنا العملاق والقزم
والجيب خال شديد الضيق منخرم
 

أما السلاح فجاثٍ في مخابئه
من كان يكفر بالأديان محترم
والفقر والجهل والأمراض سارية
والبؤس والشؤم والإرهاب كم صفة
 

 

مقيَّد بشروط الذُّل ملتزم
ومن ينادي بتقوى الله متهم
والحزن والجوع والويلات والألم
عمَّت على أهلنا مذ بيعت الذمم
 

في هذه الأبيات تنطق الأمة فتعبر عن حالها على لسان الشاعر، فما حالها بأحسن من حال غزة، فالكل محتل أرضه، مغتصب عرضه، محتجز ماله، مُحرَّم عليه أن يذود عن نفسه بسلاحه، فالكافر محترم، والتقي متهم، والفقر والجهل والمرض والحزن والجوع والويلات والألم والبؤس والشؤم والإرهاب كلها سمات أصبحت تخص الأمة الإسلامية من شرقها إلى غربها عندما قبل حكامها هذه الحال، وسلَّموا القيادة إلى أعدائها، واستمرأوا الذل والهوان، وبات الحفاظ على حكمهم وأموالهم وأنفسهم هو الهدف الأسمى الذي تهون دونه كل المصالح والشعوب والأمم والمقدسات، وتباع من أجله الذمم والمبادئ والأوطان.

 

3- القدس والأقصى:

 أكثر الشعراء من تناول القدس والأقصى في أشعارهم بحسبانها محط أفئدة المسلمين، ومعقل عمقهم الديني والعقائدي، وسجل تاريخهم الحضاري الذي أصبح مهدداً بالزوال أمام طغيان ما يسمى بالهيكل، ومن الشعراء الذين تناولوا ذلك عثمان حسين في قصيدته التي بعنوان "لبيك يا أقصى" حيث قال: ([5]):

 

ألمٌ يقطع مهجتي وأنين
لو هانت الدنيا على أصحابها
يا قدس أقداس العقيدة إننا
تفديك يا مسرى النبي دماؤنا
سنظل للأقصى نجدد عهدنا
أقسمت للأقصى سنسرج خيلنا

 

فالقدس دنس طهرها الشارون
أو قطعت مزقاً فليس تهون
تفديك منا أنفس وعيون
ونظل نحرس طهره ونصون
فعلى دماء المسلمين يمون
وتعود تفعل فعلها حطين

 

إن القدس التي تحمل بين جنباتها المسجد الأقصى -ذلك الطهر الذي تهفوا إليه أفئدة المسلمين، ويحول بينهم وبينه ذلك الدنس عبر قرن من الزمان .. مسرى النبي محمد r الذي تفديه النفوس، وترخص من أجله الدماء، وتظل تحرس رباه العيون- يقطع الشاعر على نفسه عهداً متجدداً بأن يظل حامياً لها، وأن تظل نواصي الخيل منعقدة ورافعة راية الجهاد، ومجددة وقائع حطين، وهو بذلك يتحدث باسم الملايين المخلصة من أبناء أمتنا الذين ينتظرون لحظة إيقاف صمت الحدود، وفتح السبيل إلى فلسطين.

 

ومن الشعراء الذين تناولوا القدس في أشعارهم محمد العائد في قصيدته "دمعة على القبر" حيث قال ([6]):

 

يا هذه القدس الحزينة كم تردد من نشيد
ولكم سئمت من الجموع تظل تسأل عن لبيد
ولقد شبعت من القصائد والمدائح والوعود
وملَلْتُ أعواد المنابر واجتماعات الوفود
ولكم هتفنا معلنين بأن مجدك لن يبيد
ونسرِّح البصر الكليل مهوِّماً عبر الحدود
وبنوك في الأقصى تقتلهم حثالات اليهود

 

يخاطب الشاعر في هذه الأبيات قدسه الحزينة التي سئمت النشيد والجموع والقصائد والمدائح والوعود وأعواد المنابر واجتماعات الوفود، مستحضراً شخصية لبيد التي تناديها الجموع، والتي أنقذت قومها الجعفريين أمام النعمان بن المنذر عندما فقدوا حظوتهم في بلاطه ([7])، وإذا كان لبيد قد انبرى للدفاع عن قومه فأعادهم إلى مكانتهم فإن بحث الشاعر عن لبيد بين حطام العرب لا طائل منه، لأنهم أصموا آذانهم وأغلقوا عقولهم حتى غدوا صماً وبكماً وعمياً، وليتهم بقوا كذلك، بل عادوا فسمعوا وتكلموا وأبصروا لكنهم سمعوا كلام يهود، وأبصروا مصالح يهود، وتكلموا بلسان يهود، ففاقموا معاناة القدس الحزينة، ورغم ذلك يبقى الأمل معقوداً بالأمجاد التي لا تبيد، وبالحق الذي لا يضيع، طالما بقيت أمة محمد مستحضرة مجدها، مستشرفة مستقبلها، متمسكة بدينها، طائعة لربها، قاهرة لعدوها بكل ما أوتيتْ من قوة.

 

4- جرائم اليهود:

لقد فرض توالي جرائم اليهود حضوراً دائماً في قصائد شعراء انتفاضة الأقصى، فقد عبَّر الشعراء عن هول هذه الجرائم وعظم تلك المآسي، متفاعلين بذلك مع مشاعر أهلهم في فلسطين، ومن أمثلة ذلك الشاعر الدكتور سعد الغامدي الذي تحدث عن قتل الطفل (رامي) في قصيدته التي بعنوان "رموك يا رامي" حيث قال ([8]):

                   هم أمة الغدر المصفى ...

                   والخيانة .. في الورى ..

                   قتلوك يا رامي ..

                   وهم من قبل ما تركوا ..

                   رسولاً ...

                   أو نبياً ...

                   أو تقياً ...

                   إلا أوسعوه تآمرا

                   وما منهم إلا سعى

                   في الأرض إفساداً

                   وأجلب وافترى ..

 

يذكرنا الشاعر في هذه القصيدة بتاريخ اليهود عبر الأزمنة، ويحدثنا عن صفاتهم الأزلية التي لا يملكون لها تبديلاً ولا تحويلا، فهم أمة الغدر والخيانة والقتل والتآمر على الرسل والأنبياء والأتقياء، أمة الفساد والخراب والدمار، ومصداق ذلك قوله تعالى: "وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون" ([9]):

 

وقد تحدث الدكتور عدنان النحوي عن جرائم اليهود في جنين، فقال ([10]):

 

زحف العدو! وهجمة دوت بها
يمضي بدباباته وعتاده
والطائرات تحوم في آفاقها
والمروحيات التي دكت منا
ودوي دباباتهم يلقي اللهيـ
ورموا بألوان القنابل والرصا

 

نكراء يدفعها الجنون فتفجر
والموت يرصد ما يشاء وينظر
تُلقي عواصف قصفها وتفجر
زل تختفي فيها النفوس وتقبر
ـب على الحقول وكل ما هو يثمر
ص على الشيوخ وكل ما هو يظهر

 

لقد أبرزت هذه الأبيات الجريمة التي اقترفها يهود في مخيم جنين، حيث أحالوا أمنها ذعراً، وبيوتها ردماً، وسكانها أشلاءً، وممتلكاتها نهباً، حتى غدت أثراً بعد عين، وقد تم لهم ذلك عن طريق قوة غاشمة وطائرات غادرة، ودبابات محصَّنة، وقذائف مدمرة أظهرت عجزهم عن مواجهة أبطال جنين وجهاً لوجه، فلجأوا إلى هذه القوة العاتية التي مكنتهم من القتال عن بعد، بعدما استبدلوا قادتهم وفرقهم علَّها تصمد أمام هؤلاء الأبطال.

 

5- الجهاد:

تناول الشعراء الجهاد في قصائدهم بحسبانه طريق الخلاص، وملجأ الانعتاق من ظلم يهود، ومطهر الأرض والعرض من دنسهم، ومن الشعراء الذين تحدثوا عن ذلك سمير عطية في قصيدته "يا موطني" حيث قال ([11]):

 

بالجرح ترسم بسمة الأعياد
يا موطني هذي ديارك لوحة
حب الجهاد معزز بكتابنا
وهو السبيل إلى لقاء بلادنا

 

وأسير ممتشقاً سلاح جهاد
في قلب كل مجاهد وفؤاد
القرآن بيَّن درب كل جهاد
قد حفَّها الزيتون بعد بعاد

 

يبرز الشاعر أهمية الجهاد في تحرير الأوطان، وأنه السبيل الوحيد لإعادتها، كما أنه يعطيه العمق الذي يستحقه، والذي هو من صلب العقيدة الإسلامية في إشارة إلى آيات الجهاد والتي يمتلئ بها كتاب الله عز وجل، وهو بذلك يقطع الطريق على كل الذين يتنكبون عن هذا الدرب ويبحثون عن طرق أخرى في التفاوض والصلح على جزء من حقوقنا وإبقاء الجزء الأعظم من مواطننا في يد يهود.

 

ويرى وليد الغرير أن الجهاد هو الحل الوحيد الذي يُرجع الأوطان، فيقول ([12]):

 

لن يرجع المسجد الأقصى تخاذلكم
لن يرجع المسجد الأقصى لأمتكم
لن يرجع المسجد الأقصى لأمتكم
لن يرجع المسجد الأقصى لأمتكم
لن يرجع المسجد الأقصى لأمتكم
إن تنصروا الله يا قومي سينصركم
 

 

كلا ولن يعلن التحرير إطراق
شجب تجسده في القوم أوراق
مظاهرات ولا شتم وإشفاق
معاهدات ولا صلح وميثاق
إلا الجهاد وآيات وإنفاق
وعدٌ من الله، والجبار سبَّاق
 

 

يختصر الشاعر الطريق على كل المصابين بالحول الفكري عن مفهوم الجهاد، فيستعرض درجة انحرافهم السلوكي عن طريق تعداد الوسائل غير المجدية التي يقومون بها، والتي تقتصر على الشجب والتنديد والتظاهر والصلح وإظهار الشفقة، مع أن كل هذه الوسائل لا تجدي نفعاً مع عدو لا يفهم إلا لغة القوة ولا ترهبه إلا كلمة الجهاد، لذلك كان من مطالبته لإحدى القمم الإسلامية أن تلغي كلمة الجهاد، وقد استجاب حكام العرب والمسلمين (مشكورين) على إلغائها، فاطمأن عدونا على هذه الأمة التي اختارت النوم والاستسلام طريقاً؛ لذلك تأتي صرخة الشاعر في تحديد الطريق الصحيح مهمة في تحديد آلية المقاومة.

 

6- الشهيد:

تتابعت قصائد الشعراء في انتفاضة الأقصى لتواكب قوافل الشهداء المستمرة في سبيل الله؛ لتحرير الأقصى وتراب فلسطين الطاهر، ومن أمثلة ذلك ما قاله الشاعر محمد أبو هدوان في رثاء أخيه الشهيد الطفل معاذ ([13]):

 

أرثيك لا أرثيك إني مؤمن
هذا الرثاء لنا فأنت مخلد
الحور في جنات عدن ترتجي
أنت الحياة وكل ما في هذه
أبشر أخي فلأنت في الفردوس

 

أن الشهيد بجنة الرضوان
أبشر فإن جموعنا طوفان
منك اللقاء بنورك الفتان
موتي وأنت الفارس اليقظان
فلتنظر إلى ما شئت من ألوان

 

يُضرب الشاعر في الأبيات السابقة عن رثاء أخيه بعدما شرع في ذلك؛ لأن ما يراه الشهيد عند ربه لا يدعو إلى رثائه؛ بل يدعو إلى رثاء الأحياء الذين تترسوا في الدنيا، ولم يسلكوا مسلك الشهيد فهم الذين تمسكوا بملذاتها ومتعها، ورضوا بالخنع والقعود مع الخوالف، أما الشهيد الذي أضرب عن رثائه فإن الحور تنتظره والجنة تتزين له، وتيجانها تتلهف عليه وعلى والديه، فهم الذين غرس الله كرامتهم بيديه، وختم عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر.

 

وفي علاقة عشق بين الأرض والشهيد يحدثنا الشاعر أحمد الفيفي في قصيدته "غصن السلام" قائلاً ([14]):

          فإذا بالأرض تسعفهم حجارة

          وتناديهم: بأن العز في تلك الحجارة

          وتناديهم: إذا مات شهيد

          أودعوه في فؤادي ...

          وابذروه في ضلوعي

          ليعود الغصن مخضراً ...

          ويحيا من جديد

          ويعم الكونَ عطرٌ

          من رياحين الغصون

          عطرتها الأرض من روح الشهيد

          وسقتها الأرض من نزف الشهيد

 

لقد ارتفعت قيمة الشهيد عند الشاعر فتعدت المستوى البشري؛ لتصل إلى تلك الأرض الصامتة التي أنطقها حب الشهيد، واستعجلت أن يوضع في ثناياها، ولكي تعطي حجارة ممزوجة من دمه وعزمه وإصراره وتضحياته، فهي في اشتياق دائم للشهداء وكأن عطاءها متوقف عليهم، ففي لحظة دفنهم بها تبدأ الحياة من جديد، فالغصون تخضر من دمه، والكون يَعمُّ بالعطر من روحه، والأرض يزداد خصبها ونماؤها من نزفه؛ ليواصل من بعده أقرانه فيبقى درب الجهاد متقداً، وقوافل الشهداء مستمرة حتى تحرير الوطن كل الوطن.