|
لقاء مع الشاعر خالد سعيد

بين الجرح والأمل رابطة لا تنفصم
تماما
مثلما أن النبات لا ينمو إلا في الأرض المجروحة "المحروثة"،
وحبة القمح لا تعطي سنبلة وطحينا وخبزا إلا إذا بذرت في أثلام
التربة .
هكذا
يبدأ الشاعر الفلسطيني الأستاذ خالد سعيد حديثه عن الرابطة
الوثيقة بين جراحات شعبنا والذات المشتعلة التي ترفد ينابيع
المبدعين والأستاذ خالد سعيد قامة شعرية شامخة، عرفتها منتديات
جنين باعتباره أحد أبرز الذين اختطوا المقاومة نهجا لشعرهم.
أطلق
عليه البعض لقب "شاعر الحركة الإسلامية" نظرا لخطة الإسلامي
تفكيرا ونتاجا وممارسه.
وفي
هذا اللقاء حاولنا أن نفتح خصوصيات الممارسة، والمحطات التي
عبرها وأثرت في تكوينه النفسي، تسليط الضوء على المشهد الثقافي
الفلسطيني، ولماذا لم يرتق الأدباء والشعراء إلى مستوى قضية
شعبنا وما يحيق به من مخاطر، ومستوى مقارعة ومضادة المحتل .
ما هي
أهم المحطات التي تعتقد أنها ساهمت في تشكيل هويتك الثقافية؟
1.مسجد
القرية وخاصة في رمضان.
2.الجامعة وما فيها من ندوات ومحاضرات واحتفالات ورحلات ….الخ.
3.مساجد الأردن وما فيها من نشاطات ثقافية متكاملة.
4.العمل في الجامعات والمدارس وما رافق ذلك من دراسات ونشاطات.
5.الاعتقال في سجون الاحتلال والانتفاضات وجهاد شعبنا ضد
اليهود.
في
قصيدتك عن مخيم جنين، هناك أسماء لعدد من الشهداء وبعض الأماكن
في المخيم ؟ هل هو نوع من ""التأريخ الشعري" لما حدث ؟ وأين
تتجه قصائدك في الوقت الأخير …إلى الجرح أم الأمل؟
الأسماء للشهداء والأماكن تضفي المصداقية والواقعية والحيوية
على النص الشعري وتنقله من التجريد إلى التشخيص وتدعمه بأهم
مكونات التفاعل والتأثير لارتباط هذه الأعلام بالأحداث
وبالمجتمع وبالذاكرة، وهذه الأعلام لم اقصد أن اذكرها تعمدا
وإنما جاءت عفو الخاطر وإلهاما تلقائيا حسب الدفق الشعري
والعاطفي.
تتجه
قصائدي إلى الجرح والأمل بازدواج لان الأمل يبرز من الجرح ولان
النبات والزرع لا ينمو جيدا إلا في الأرض المجروحة (المحروثة)
فلا بد من الجرح لينمو الأمل ولا يتحقق الأمل إلا بالجراح، وقد
عبر الشيخ المرحوم سعيد حوى عن معاناة المسلم وحياته بأنها
محفوفة بالجراح الحتمية أي انه لا يخلو من الجراح أن سكن وان
تحرك وان قعد وان قام وان عمل وان ترك العمل فلا يخلو من
الجراح والمسلم المفلح هو من قلل الجراح قدر الإمكان ووظفها
لخدمة هدفه الإسلامي النبيل في استئناف الحياة الإسلامية
الراقية، ولعل المرحوم سعيد حوى استفاد من حديث النبي صلى الله
عليه وسلم الذي رسم الإنسان رسما تجريديا داخل مربع رسم أمله
الخارج من المربع وشبه محيط المربع بالأجل المحتوم وشبه الجراح
(الأعراض) بالسهام التي تنهش هذا الإنسان فإن أخطأه أحدها
أصابه الآخر.والله اعلم.
ينادي
بعض أدباء فلسطين إلى إحياء المشروع الثقافي للمقاومة، ما رأيك
؟ وكيف تقرأ المشهد الثقافي في فلسطين ؟
أوافق
الداعين إلى إحياء مشروع المقاومة الثقافية مع ما يلزم ذلك من
تحضيرات وأعباء وبرامج وهي أمنية لم تزل تراودني ولكن الصعوبات
والإهمال وضعف التواصل بين أبناء الوطن الواحد كل ذلك أدى إلى
هذا التشرذم والاجتزاء وضعف التنسيق.
أقرا
المشهد الثقافي في فلسطين على النحو التالي:
1.الصورة البارزة إعلاميا في التلفزة والصحافة خليط مشوش غير
متناسق ويغلب عليه الارتجال والزخارف والهراء والفراغ الفكري،
وان بدا هناك نبض حي لقضيتنا فهو موسمي غير منهجي ولا مبرمج
بصورة بناء متكامل.
2.
الصورة الشعبية العامة: تبدو بجانبين:
أ.
التعاطف مع المقاومة والتضحيات وصيانة المثل والحق وتمجيد
البطولة والتناغم مع روح الإسلام وهدية وتشجيع الصبر وتقاسم
المعاناة مع أهالي الشهداء والأسرى والجرحى واللاجئين كل ذلك
بالأغنية والقصيدة والخطبة والحفل وحديث السمر والشارع.
ب.
صورة تتأثر بالنمط الإعلامي المؤشر وتناسق وراء الخليط الفوضوي
من الأفكار والعواطف.
كشفت
المنتديات الأدبية عبر الإنترنت عن عدد كبير من المواهب
الفلسطينية المبدعة، كيف ترى إمكانية الارتقاء بهذه الأقلام ؟
ولماذا لا يجدون الاهتمام الكافي في كثير من الأحيان ؟
1.
تشكيل روابط ومنتديات.
2.
لقاءات وأمسيات أدبية على مستويات محلية وإعلامية بكل الممكن
والمتاح.
3.
طباعة قصائد الشعراء متعديين وتبني نشرها وتوزيعها.
4. تبني
نشر دواوين الشعراء المبدعين
5. رصد
مسابقات وجوائز تقديرية
6. عقد
مواسم سنوية ومشاركات عربية وإسلامية.
أما
لماذا لا يجدون الاهتمام ؟ فلأن الاهتمام بالعلم والثقافة
والإبداع في كل مجالات الحياة شبه معدوم ثم إن هناك انتقائية
لأقلام ذات صبغة علمانية أو يسارية أو سلطوية ترفع ثبات
الظالمين بتحازيق إنتاجها وتمجيدها الزائفة لأشباه الرجال
الذين يصنعون أبطالا وزعماء.
هل
وجدت التفاعل الأدبي – فلسطينيا وعربيا- متناسبا مع حجم
البطولة والوجع اللذين رسما صورة الانتفاضة مؤخرا؟
نعم
إلى حد ما، ولكن المؤسف أن كثيرا من شعراء التجارة يخلطون
بطولات الانتفاضة بالنفاق السياسي مما يفسد الذوق ويشوه
الصورة.
وأما
خارج الوطن (فلسطين) فكان التجاوب جيدا وذلك في مواقع كثيرة
كمصر والجزيرة والخليج والشام والعراق. بل إنني قرأت موضوعا
أدبيا لتلميذة تركية في الخامسة عشرة عن قصة الشهيد محمد الدرة
وصلت إلى مستوى إبداعي عالمي راق.
لماذا
يشغل الشهيد مساحة واسعة في ضمير الأدباء ؟ وهل ترى أن هذا
الحضور يأخذ حيزا على حساب قضايا أخرى هامة في المجتمع
الفلسطيني ؟
لا شك
أن الشهيد يستحق هذا الحيز بل أكثر من ذلك لأنه وقود المقاومة
وتاج رأس الوطن، ومع ذلك فلا بد من الإبداع والتنويع عن طريق
شمول أهالي الشهيد وأصدقائه ومدرسته ومشغله ومسجده أهل حيه وكل
عناصر البيئة معه ليكتمل رسم الصورة التي من اجلها كانت
الشهادة وليس الاقتصار على نعيم الجنة أو خسائر العدو وان كان
ذلك ضروريا .
ولست
أرى لهذا الحيز أثرا سلبيا على غيره كما لا أرى الاكتفاء
بالحديث عن الشهيد لتخليد البطولة والتضحية فلا بد من تناول
القضايا الأخرى المكملة للمشهد.
كيف
يستطيع الشاعر الفلسطيني أن يؤدي رسالته في ظل الاحتلال ؟ وهل
ترى أن دور الأدب يتراجع أمام الظروف المحيطة الأخرى؟
يستطيع
الشاعر أن يؤدي رسالته تحت نير الاحتلال إذا وجد تعاون من
قطاعات مجتمعه وأركان القوى الفاعلة في شعبه ، ومما لا مراء
فيه إن ضغط الاحتلال يعوق ويفسد.
أما
دور الأدب فلا شك انه لا يحظى بالتقدم اللازم أمام الظروف
المحيطة بسبب تراجع دور الكتاب أمام الفضائيات ووسائل الإعلام
الأخرى، كما أن تنامي قيمة المادة في مجتمعاتنا على حساب القيم
والأخلاق والمثل والإبداع
ما هي
آخر مشاريعك الأدبية، وحول أية قضايا تدور؟
لي
ديوان شعر مخطوط يتناول قضايا انتفاضة الأقصى وخاصة الشهداء
والمعتقلين.
هل
تعتقد أن أدب المقاومة ذو الصبغة الإسلامية يرقى إلى المستوى
المطلوب ؟ قيمه لنا ؟ وكيف يمكن إخراجه بصيغة أفضل ؟
نعم إن
أدب المقاومة ذا الصيغة الإسلامية يرقى إلى المستوى الأدبي
المطلوب واللائق وهو لا يقل رقيا عن التجارب الأدبية
الفلسطينية أو العربية الأخرى. وخاصة في مجال الشعر، فهناك
ثروة كبيرة من الشعر الذي يخلد رموز التضحية وجوانب القضية من
القدس إلى اللاجئين إلى الشهداء إلى المعتقلين وغيرها.
يمكن
إخراجه بصيغة أفضل عن طريق تبنيه ونشره من خلال دور النشر ودور
توزيع عربية ذات انتشار واسع، وكذلك عن طريق تخصيص زوايا
وأوقات ونواد للتركيز عليه في وسائل الإعلام .
ويمكن
تكوين رابطة أدبية تقوم بأعمال وأنشطة ترقى بمستواه وتصونه
وتطوره.
حول
أدب السجون: تلك الثروة الضائعة ؟ كيف يمكن برأيك إخراج مثل
هذه الثروة الهائلة من نتاج المعتقلين إلى النور ؟ وما هي
أهمية ذلك؟
يمكن
إخراجها إلى النور بالطرق سالفة الذكر ومن خلال توجه طلبه
الدراسات العليا إلى عمل رسائل وأبحاث تصون هذه الثروة ويمكن
تخصيص مواقع على الإنترنت تنشر هذه الثروة ويمكن عمل
(ببلوغرافيا) تؤرخ لهذه الثروة وتنشرها الدراسات المناسبة لها.
إن
أهمية إخراج هذه الثروة لا تخفى على أحد من حيث أثرها الإيجابي
على نفسيات المعتقلين وزيادة جوانب التجربة الأدبية وتخليد هذه
التجربة النفسية.
|