|
عندما تبدأ سطوري بالتسلل
إلى عين القارئ الكريم ، تكون ملايينُ الحروف
وعددٌ من جحافل الكلمات في رثاء بغداد قد أثقلت
أذن المستمع وأتعبت أشجانه، وهشمت الضوء المتبقي
في مآقيه… بغداد التي
تدخل اليوم زمناً كئيبا سبقتها إليها أندلس
العصر الجديد ..فلسطين، والتي نقف اليوم في
ذكراها ، قابضين على جمر الحلم ، متمسكين
بأبجدية أشواقها ، مطلقين العنان لأطيارها أن
تحلق فوق الألم .
بداية الحنين :
من أين جاء هذا الاسم الجميل
الذي غمر دواوين الشعراء وروى قصائدهم بالأمل
واللهفة المنكسرة ؟؟
هل هو الشوق الذي أقض مضاجع
الحالمين ، أم هو الهواء الذي يسري في ضمير
الناس وغنَّاه الشعراء دمعاً وغربة ؟؟ هل تعلم
يا صديقي أن عشرات القصائد في حب هذا الوطن
الجميل قد كُتبت بلغاتٍ أخرى غير لغتنا المحاصرة
بهمومنا؟؟ هل تفاجأتم يوما مثلي وأنا أقرأ بعض
القصائد وهي تحمل اسم ال" حنين" ؟ وهل رأيت
مقدمات في بعض كتب الأدباء والشعراء وهم يهدونها
إلى فلذات أكبادهم " حنين " ؟! ما هذا الحنين
الذي تجسد حلما في فلسطين ، وترعرع أولادا في
دروب الغربة ، وعاش بين ضمائر الشعراء ولهفة
الغرباء عن الديار؟؟!
يا موطني أشواقُنا ملء
الفضا
وحنيننُا لا ينتهي ببعادِ
يا موطني هذي ديارُك صورةٌ
ألوانها
مرسومةٌ بحدادِ
نرنو إلى الأعتابِ نخطبُ
ودَّها وبنا
مواويلٌ إلى الإنشادِ
لمواسمِ الزيتونَِ يحكي
عشقَها
فلاَّحُ يعصِرُ زيتَها بفؤادي
ويُقيمُ بالحنونِ عرسَ
مدائني
وعلى الرَّوابي
ضحكةٌ لبلادي
والفلُّ والريحانُ بينَ
دروبها
تُهدى الصِّحابَ
حلاوةَ الميعادِ
إبراهيم طوقان…حارسُ
الأرض :
هل يُصدق القارئ العزيز ما
سنقرؤه عليه بعد قليل من قصائد تنبأت بحلول
النكبة ؟ وحذرت من الخطر القادم على الأمة ؟ربما
لا يصدق لأول وهلة ، ولكن حين يعلم أن الأشعار
لابن فلسطين الشاعر " إبراهيم طوقان " فحتما
ستأخذه الدهشة ويتابع في القراءة ، مرد ذلك طبعا
يعود إلى أن طوقان قد توفي قبل سقوط فلسطين
بسنوات !!! والمفارقة أنه توفي في ذات الشهر
الذي نعى به البلاد ، تعال معي إلى ما خطته
الشاعرة فدوى طوقان في مقدمة ديوان أخيها :
" وأنهكت الأسقامُ إبراهيم ،
فنُقل إلى المستشفى الفرنسي في القدس ، وبعد
أيام قليلة ، وفي مساء الجمعة ، الثاني من شهر
مايو سنة 1941، أسندَ إبراهيمُ رأسه إلى صدر أمه
، وقد نزف دمه ، وخارت قواه ، وهناك أسلم روحه
الطاهرة إلى بارئه " .
الشاعر الفلسطيني الشاب والذي تهتف الحناجر حتى
اليوم بنشيده الأجمل " موطني …موطني
" . أطلق عليه الشاعر " خالد أبو خالد " لقب
…حارس الأرض ، إنه
الأديب الذي نظر بعين زرقاء اليمامة فاستشرف
النكبة ودعا لحماية الوطن من الأغراب ، وحذَّر
من خطورة ما كان يجري على أرض فلسطين تحت
الاستعمار الإنجليزي حينذاك :
رحم الله مخلصاً لبلادٍ
…ساوموهُ الدُّنيا
بها فأباها
لو أتوهُ بالتِّبرِ وزنَ
ثَراها …لأَباهُ وقال
أَفدي ثَراها
ففي قصيدة " أيها الأقوياء
" يفضح الشاعر أطراف المؤامرة على أمته وشعبه ،
ولعل أسلوب " التهكم والسخرية " الذي اشتهر في
قصائده السياسية يبرز بشكل واضح في أبياته هذه
التي يوجهها للمستعمر البريطاني :
قدْ شهدْنا لعهدِكُم
بالعداله …وختمنا
لجندكم بالبساله !
وعرفنا بكم صديقا وفيا
…كيف ننسى انتدابه
واحتلاله ؟!
وخجلنا من (لطفكم ) يوم قلتم
…وعدُ "بلفور "نافذٌ
لا محاله
كلُّ (أفضالكم) على الرأس
والعينِ وليست في حاجةٍ لدلاله !!
ويتضح للقارئ الكريم كيف
يذكر الشاعر" إنجازات " المحتل !!رابطاً هذه "
الإنجازات " بوعد بلفور المشؤوم وما ترتب عليه
من مصائب على فلسطين ..إنها مصائب حقيقية، لكنه
يصفها مستهزئا ب" الفضائل " ، وهكذا هي حال
المستعمر ، وما يجره على غيره من خراب تحت دعاوى
مزيفة وشعارات كاذبة، ورغم أسلوب الاستهزاء الذي
تحمله الأبيات إلا أنها تتضمن تعريضا بالمحتل
وفضحا لشعاراته ودعاواه ، ولكن ما هي الرسالة
الشعرية الأقوى التي يريد توضيحها وقولها ، إنها
بلا شك الصرخة الأخيرة في قوافي هذه المقطوعة :
غير أنَّ الطريقَ طالتْ
علينا …وعليكُمْ ،
فما لنا والإطاله
أّجَلاءٌ عن البلادِ تريدونَ
فنجلو أم محقنا والإزاله ؟!
وهو يصارح الانتداب بغاياته
التي يريدها من الشعب الفلسطيني التي تتوزع بين
الجلاء أو الفناء .وهذه غايات الاستعمار التي
استشرفها الشاعر وتوزعت صور النكبة عليها بعد
ذلك " بين الجلاء بالتهجير والفناء ب" دير ياسين
" و" كفر قاسم " و" الطنطورة " ، والعشرات من
المجازر التي جاءت على أيدي الصهاينة الذين
ترعرعوا في كنف المستعمر .
ليس غريبا على من هذه نظرته
أن يلتفت إلى قومه ويدعوهم إلى رص الصفوف عبر
مقطوعة شعرية قصيرة بمجزوء البحر الكامل:
هزلتْ قضيتُكُمْ فلا
…لحمٌ هناكَ ولا دمُ
حتى العظامُ فقدْ تعرقها
الذئاب وأُتخِموا
بليتْ قضيتُكم فصارتْ هيكلاً يتهدَّمُ
ولكن قد يستعجل أحد القراء
متسائلا : أين هو التحذير من النكبة في هذه
القصيدة ؟
وأطلب منه أن ينتظر قليلا ،
فالشاعر يبتدئ قوافيه بالدعوة إلى الوحدة
والتكاتف لأنه سيحذرهم من العاقبة الوخيمة التي
لا يبصرونها في خضم تفرقهم ، هذا التفرق الذي
جاء في ظل الاحتلال الذي رفع شعار " التفريق "
طريقا للسيادة !! والشاعر هنا ينبه لما أصاب
القضية من ضمور ، وكيف تحولت في أعين البعض من
قضية وطن محتل إلى قضية انتخابات بلدية مهترئة
!!
ضَمَرَتْ إلى بلَدِيَّةٍ
…فيها العِدا تتحكمُ
أوضاعُها مجهولةٌ ..ومصيرُها
لا يُعلمُ
أقول كان لا بد قبل أن يُطلق
الشاعر صرخته الأقوى أن ينبه أبناء شعبه لخطورة
ما يجري على الأرض ، ويكشف التشوه الذي أصاب
نظرتهم للقضية ، وعدم رؤيتهم للمحتل رؤية حقيقية
واعية ، وهذا الدور هو الذي مارسه الشاعر على
صعوبته وخطورته . من هنا يأتي التحذير المتكرر
في آخر بيتين في القصيدة مبتدءا بنداء " يا قوم
" طريقا مهما لمعرفة الرسالة التي يريد إيصالها
لشعبه مرة بعد مرة :
يا قومُ ليسَ عدوُّكم
…ممنْ يلينُ ويرحَمُ
يا قومُ ليسَ أمامَكم
…إلا الجلاء فحزِّموا
هناك عبارة في أسفل هذه
القصيدة في ديوان الشاعر تقول :" وقد وقع ذلك
ويا للأسف.." ، الأسف الذي لم يكن يحبه الشاعر،
والتوقع الذي لم يكن يريده ، وهذه الحال تقع حين
تغيب أمتنا عن الوعي وتنسى أن الدخيل لا يأبه
بعد أن حصل على الأرض والماء والهواء أن يُبقى
لأهلها شيء ..إلا الفناء والجلاء!! وهذه المعاني
يبثها الشاعر مرة أخرى بشكل آخر تماما مثلما
قال عنه الباحث " وليد صادق جرار" في كتابه "
شاعران من جبل النار " : لقد عُرِفَ إبراهيمُ
بتعاليه عن المجاملة ، وتساميه عن الانزلاق مع
النزعات والأهواء ، وهو الذي أحب وطنه حبا صادقا
، ووضعه فوق الأحزاب المهلهلة والزعامات المحنطة
، فجاءت قصائده السياسية- ذوب ذلك الحب -ملأى
بالحسرة على وطن يُسرق من أهله في رابعة النهار،
بينما أهله سهل الهوان على نفوسهم ، لم يعد
للجرح ألم في أجسامهم ، وكأنما يريد شاعرنا من
كل فرد في فلسطين أن يكون ثائرا ، مخلصا في
ثورته ، لا يرى بينهم متخاذلا يتعلل بالحلول في
السياسة " وهذا ما نراه فعلا في هذه الأبيات
الجديدة :
يا حسرتا ماذا دهى أهل الحمى…فالعيش
ذلٌّ والمصيرُ بوارُ
أرأيتَ أيَّ كرامةٍ كانتْ
لهم…واليومَ كيفَ إلى
الإهانةِ صاروا
وكعادته يمضي في وصف الحال
منبها تارة ، ومتحسرا تارة ثانية ، يلفه الأسى
وتكاد صرخاته أن تذهب مع الريح ، وهو رغم كل
هذا متمسك برسالته، معتصم برؤيته التي يرى من
خلالها الخطر القادم على شعبه :
يا منْ تعلَّلَ بالسِّياسةِ
، ظنَّها …لطفتْ
ولانَ عصيها الجبارُ
ما لُطفُها ما اللِّينُ ذاكَ
وكُلُّهمْ …مُسْتَعمرونَ
وكُلُّهُ استعمارُ
هل يكفي ما نقلت عن " حارس
الأرض" ؟؟ هل نحن بحاجة لمزيد من التنبيه القديم
الجديد، والذي نرى اليوم فيه بعض ساستنا وأبناء
أمتنا يسارعون على خطا الاستعمار وهو يرسم لهم
خريطة الوطن ؟!!
إذا كنت لا تزال تريد أن
تتيقن من عمق الفكرة لدى الشاعر وبعد الرؤية في
استشرافه للقادم من الأمور، قف قليلا عند هذه
القصيدة وتمهل قبل أن تجتاز مطلعها :
أمامَك أيها العربيُّ يومٌ…تشيبُ
لهولِهِ سودُ النَّواصي
وأنتَ كما عهِدْتُكَ لا
تُبالي …بغيرِ مظاهرِ
العبثِ الرّخاصِ
فلا رحبُ القصور غداً بباقٍ…لساكنِها
ولا ضيقُ الخصاصِ
ربما لا نجد مطلع قصيدة
لشاعرنا أكثر قوة وأشد ضراوة مما نرى ، فهو
يستخدم ظرف المكان ليشعر القارئ أن لا مفر من
المواجهة وأن الخطر آت ولا مفر منه ، ويضع
مرافقا لذلك اليوم أحداث تشيب لها الرؤوس وهي
صورة الحدث الرهيب، ولذا لا بد من الاستعداد ،
بل يتجاوز التحذير حتى يكاد أن يرى الهزيمة
الكبرى أمام عينيه كيف لا وهو يجد المحتلين
الإنجليز والصهاينة قد اتحدا على شعبه :
لنا خصمانِ :ذو حولٍ وطَوْلٍ…وآخرُذو
احتيالٍ واقتناصِ
تواصوا بينهمْ فأتى وبالاً…وإذلالاً
لنا ذاك التَّواصي
مناهجُ للإبادةِ واضحاتٌ…وبالحسنى
تُنفَّذُ والرَّصاص
إنه التنبؤ بالنكبة وهو في
هذا يعبر عن شمولية الأمواج القادمة لتغرق في
طوفانها كل الشعب الفلسطيني بمختلف مستوياته
الاجتماعية حين تزول " القصور " و" الخصاص" ،
مما يتطلب اليقظة والتوحد ، كيف لا والخصوم قد
جعلوا لتنفيذ أطماعهم " مناهج " وطرق وأساليب كي
يصلوا إلى ما يريدون .
رحم الله إبراهيم طوقان ،
فلقد كان الناصح لشعبه ، الخائف على مستقبل وطنه
من خلال تمسكه بالشباب إدراكا منه لأهمية دورهم
في كشف الغمة ، والذود عن شرف الأمة :
حيِّ الشَّبابَ وقُلْ
سلاماً إنَّكمْ أملُ الغَدِ
صحَّتْ عزائِمُكمْ على دفعِ
الأثيمِ المعتدي
واللهُ مدَّ لكمْ يدا تعلو
على أقوى يَدِ
وطني أزُفُّ لكَ الشَّبابَ
كأنَّهُ الزَّهرُ النَّدِي
لا بُدَّ مِنْ ثمرٍ لهُ
وَإنْ لمْ يَعْقِدِ
دير ياسين …الوجع
:
اليوم تكون عيوننا شاهدا
علينا ،عندما ننظر إلى جراحنا النازفة على
امتداد تضاريس " الحلم العربي " !!
عشراتُ الفضائيات تتسابق
إلى بث صور مدائننا وهي تدخل أنفاق الاستعمار من
جديد ، وليت الأمر وقف عند هذا الذهول فقط !! بل
إن عصر " الثورة الإعلامية " ، وصل إلى حد أن
نرى ماضينا بكل ما فيه من حكايات متلونة بالغضب
والآهات ، ماضٍ في حاضر، وحاضرٍ في ماض يجيءُ
عبر مشاهد تغيرت فيها الأسماء فقط ، لكنها
احتضنت حكايةً مؤلمة اسمها " دير ياسين " ، نكاد
نصدق أنها جرت بالأمس القريب في قانا ، وصباح
هذا اليوم المظلم في بغداد الرشيد ، والتي ينزف
شريطُ أحلامها منذ أكثر من خمسٍ وخمسين سنة على
أرض الإسراء والمعراج .
الآن أعود بكم إلى أرض الحدث
، مع أشخاص عادوا في زماننا إلى زمانهم ،
ليرسموا لنا بالحكايات صوراً من ماضٍ يعود في
أشكال جديدة وأسماء أخرى ، ولعل هذا ما نراه في
أولى وقفاتنا التالية .
دير ياسين التي تُطل من
بوابات الجرح الفلسطيني كأقسى ما يكون ، وتزرع
بأعجوبة في شرايين الموت بشائر الحياة وتروي
بالمداد الأحمر فصولا لا تزال تحنُّ إلى صبح
الثأر وفجر حر.
بين مسافات القرية التي
شهدت المذبحة تطل علينا ..شاهدة العيان ..الحاجة
زينب إسماعيل تحكي باللوعة التي يعجز القلم عن
وصفها ، وتبكي حرقتها .. ووسط هذه النفس الملبدة
بغيوم الأيام والمترنحة بين ذكريات الأحبة نجد
شيئا واحدا يوصلنا إلى ما يجول في نفسها ..إنها
( كاميرا ) فيلم " دير ياسين ..الوجع " للمخرج
إياد الداوود الذي استطاع في " عشرين دقيقة من
فيلمه الوثائقي فقط " ، أن يقتحم خلوة النفس مع
الحاجة لينقل أشجانها التي طالما خبأتها في رفوف
الزمن وأدراج الذكريات ..عشرون دقيقة كانت مثل
مسافر مع الأيام والأعوام ، عيون تحدق في
الشاشات ، وقلوب تحاول أن تبصر ما جرى لعلها
تستفيد من الدرس وتتجاوز " لازمة" البكاء في مثل
هذه الأفلام . هذه الدروب التي تمشي فيها شاهدة
العيان وهي تشير تارة إلى اليمين وتارة أخرى إلى
الشمال ، تنظر إلى الأعلى ، تتصرف بشكل تلقائي ،
دافعه حب الذين رحلوا وتركوها شاهدة على زمن
يحاول الصهاينة دفنه حين حولوا القرية إلى
مستشفى للمجانين وعيادات صحية لا أكثر!! أتساءل
أحيانا كيف استطاع المخرج أن يعيد فتح بوابة دير
ياسين بهذا الشكل والإطلالة على الناس به رغم
أنه يعز عليه أن يطل علينا بالوجع الذي يحاصرنا
في حاضرنا فكيف بماضينا ، أخرجها من صمتها لتنكأ
الجراح وتخرج القيح الذي طالما تسلل في دروب
الدمع الفلسطيني ، كل ذلك كي تُبصر العيون حقيقة
الصراع من جديد، فحين يخرج لنا بخلاصة الفيلم
على لسان الحاجة بعبارة بسيطة في كلماتها ،
غزيرة في معانيها ، عميقة في فكرها" عدو جِدَّكْ
...ما بِوِدَّكْ ...لوْ تِعبدوا عبادة ربَّكْ
" . هذا الدرس الغالي والذي دفعت من أجله
أرواح عدد من أحبتها رغما عنها ، توصله اليوم
للأجيال وتذكر به الناس . هل هذا فقط ..طبعا لا
فمقولة المجرم " مناحيم بيغن " وهو أحد زعماء
العصابات الصهيونية حينذاك : إن دير ياسين كانت
مهمة بالنسبة لقيام دولة إسرائيل يوضح الحقيقة
التي سارت عليها تلك العصابات من عمليات ترويه
وترهيب منظمة بحق أبناء شعبنا . ورغم كل هذه
الحقائق فقدكنت أتساءل بيني وبين نفسي : ما الذي
أعطى هذا الفيلم الوثائقي روعته النازفة ؟ كنت
أسأل عن سر تلك الجراح التي تُضحك الضحية وتُبكي
الجلاد؟؟
هل هو هول اسم المذبحة
الأشهر في تاريخنا المعاصر؟ هل يكمن في وصول
المخرج إياد الداوود وفريق العمل إلى مكان
القرية؟ هل تمكنهم من أخذ حديث مؤثر مع شاهدة
العيان الوحيدة التي بقيت من زمن الجرح ؟؟ هل
بساطة الفيلم وجدليته في ذات الوقت مما يصطلح
عليه بالسهل الممتنع ..يجيبني صديقي : أظنك قد
تلمست جوانب الحقيقة في كل ما ذكرت ولكنني أضيف
إليك سببا آخر : هو ذلك الاسم الذي حمله الفيلم
والذي يعطي شعورا خفيا بأن دير ياسين وجهٌ بشعٌ
في مشاهد الذاكرة، لكنه مشهد يتكرر بين الحين
والآخر باسم مختلف وصورة مغايرة ، لكنها تظل في
النهاية مشهدا ينكأ الذاكرة بالوجع القديم لتقول
لنا في كل محطة مؤلمة" بحر البقر، كفر قاسم،
صبرا وشاتيلا ، قانا ،مجزرة الأقصى ، مذبحة
الحرم الإبراهيمي وغيرها وغيرها " .
دير ياسين وجع في ذاكرة
الأمة تعود إلينا ، تتجدد الدماء في سطورها
ودروبها لأن الخنجر الصهيوني لا يزال مغروسا في
جسد الوطن الحبيب ...إنها إذن " المجزرة
المفتوحة" كما يسميها المخرج نفسه ليصف ما يجري
على الأرض سابقا ولاحقا ، هذه المجزرة التي
ينفذها الإجرام الصهيوني بشكل متواصل ،يتغير
فيها شكل الخنجر ولكن يبقى المحتل هو المحتل ،
ولو اختلفت أسماء مجرميه وتمدد الزمان على رصيف
السنوات .
يقولون في الأدب ..إنك لا
تستطيع أن تنتزع ما في النص من روعة أو تُلبس
نصا آخر مكانا لا يستحقه ، وأظن وأنا هنا أتحدث
عن فيلم فلسطيني مؤثر لا أبتعد كثيرا عن المفهوم
الأدبي للنص ..كيف لا وأنا كشخص عادي وبعيدا عن
التقييم الفني أرى الذاكرة تُعيد فتح أبوابها
لكي تستقبل من جديد وجعها الذي لا يتوقف
..وتُعبِّر بعد ذلك المشاعر عن نفسها بأغلى ما
تستطيع وأحزن ما يكون..دموع تحفر في أخدود الصمت
مرارة الدم الذي لا يزال منسكبا في فصول الحكاية
بمشاهد مختلفة وأزمنة متعددة .. وإذا كان "
الداوود " يقول دائما إن الأبطال الحقيقيين
لأفلامه هم أولئك الذين يستعذبون التضحيات
ويتذوقون المرارات ولا ينهزمون ، لأنني أحب أن
أَضيف شيئا آخر إلى ذلك :
إن بطلها وبجدارة...الدم
الفلسطيني الطاهر ، رغم ما حازه الفيلم من جوائز
فنية متعددة !!
ألحان على صوت المدافع:
كنت أستمع باهتمام إلى ما
يقوله صديقي عن دور الفن في معارك الأمة ، كان
متحاملاً جدا ويرى في الأغاني الوطنية والأناشيد
الجهادية نوعاً من العبث الذي تجب محاربته . ذهب
صديقي بعيدا في استحضار نماذج حقيقية لما يقول ،
بعدها وصلنا إلى الفيصل في الحديث . فحقيقة
الأمر أن المشهد الثقافي العربي بشقيه الفني
والأدبي لايزال مرتبطاً بالإرادة العربية ، وهذه
للأسف عاجزة ، مفككة ، لا تقوى على خوض معارك
حقيقية لاسترداد كرامة الأمة .
الأمر الخطير يكمن في توظيف
كثير من الدول العربية للفن " الوطني والجهادي "
على أنه " تعبئة من الهواء " سرعان ما طارت في
فضاء الوهم لأنها لم تكن يوماً ترتكز إلى قاعدة
الإعداد الحقيقي .
أتذكر هذا الحديث الهام
اليوم وأنا أرى "طوابير المطربين الأمة وهم
يسارعون إلى " استوديوهات التسجيل و التصوير "
يبحثون عن قصائد " بغدادية "
هنا أو هناك ليتم تلحينها وعرضها بالفضائيات
بأقصى سرعة " قبل أن يفوت الفوت " !!ذكرت بعض
الصحف قبل أيام أن الكثير من " المُطربين "
يعانون من مأزق "فني " لأن سقوط بغداد كان أسرع
من عملية تسجيل ..أغنية الرثاء !! وهكذا تعيش
أمتنا على وقع أوتار الهزيمة ، الهزيمة في
الهوية الثقافية قبل أن تكون على أرض المعركة .
لقد عشنا هذا المأزق عند
انطلاق انتفاضة الأقصى ، واليوم نعيشه في بغداد
، ولا ندري أين سنعيشه غدا ؟؟ إنه
داء “
ألم المفاصل الثقافي “
كما وصفه الأديب الكاتب " شوقي بزيغ " في صحيفة
الحياة مؤخرا ..الأدباء والمثقفون والفنانون
الذين يعيشون مع الأزمات فقط .
جنين …موعد
مع البطولة :
ليس غريبا أن تعيد الانتفاضة
شيئا من الصورة التي تمثل الأمة على حقيقتها
..مخيم جنين مشهد آخر لهذه العزة المختبئة رغما
عنها في نفوس أصحابها .من هنا أصبحت حالة من
الكبرياء الحقيقي الذي تتغني به أفواه المحبين
وقصائد المتيمين بالصبح الذي لا بد أن يعود .
إن لم يكن هذا فكيف تفسر
العدد الكبير من الطلقات الفنية والأدبية عن
جنين..الجرح والكبرياء ..الرصاصة والصمود
..المخيم الصغير بمساحته ولكنه بجهاده أعاد
مساحات واسعة من الإيمان بالنصر إلى نفوس أبناء
الأمة . انظر إلى الشاعر خالد سعيد ابن المدينة
الرائعة وهو يغلب الأمل على الألم ، ويذكر بجنين
الصمود رغم وجود جنين المجزرة :
انظر أخي ذا أحمد في عينه
..أمل الحياة وأنفه لا يرغم
يده برغم الهدم تحمل
راية..فيها الدليل لدربنا والمعلم
وعلى جوانحها لمحت عبارة
…بين الركام مضيئة لا
تعنم
" صبرا وشاتيلا "و" قانا "
أنبتت …بجنين شبلا
بالصمود يُحَزّمُ
وهو على هذا الحال أيضا عند
المنشدين الذين تلونت أشاقهم بحكايات الوطن
وتغريبته التي يرون أنها منتهية لا محالة على
أيدي المجاهدين:
" عز الدين بيتحدى…
بعزيمة وإقدام
جنين طلعت يمه…
عادت عهد القسام "
وهذ1 الأخير مقطعٌ إنشادي
من شريط " صوت الحرية " للمنشدة الطفلة ميس شلش
والفنان عبد الفتاح عوينات ، هذا التغني
بالبطولة عكس شيئا من الروح المعنوية التي
انعكست في نفوس الأمة بمختلف أطيافها . هي
الدماء التي تكلمت بكبرياء يوم سالت على تراب
فلسطين وهي تنقل صورة الوجه الآخر للدم المسفوح
على أرضنا الطاهرة . جنين عاشت في نفوسنا ،
ترعرعت في مشاعرنا بصدق ، وتراقصت ألحانها على
شفاهنا يوم كنا نبث الأمل في الصدور انتظاراً
لمثل هذه الملاحم :
بغير فلسطين ما بنقبل
..واللي بدو يصير يصير
وحلول الغاصب مرفوضه بقرار
الجماهير
في جنين انعكست صورة المشهد
الجهادي بأجمل صوره ، حين صارت الأقلام والحناجر
تتسابق لحجز مكان لها في قطار العزة . وصارت
النفوس ترفرف في فضاءات الامل بنصر الله حين
تسمع صوت جنين ، وتقرأ سطورها ، وترى لوحات
عزماتها وهي تختصر حكاية أحد أبنائها :
يا وليدي راح ..طلع من
الصبحية
مثل الغزال …متخفي
بكوفية
واصحابه اسباع..ذكر الله
عليهم
ما بدري كيف …هالهمة
بتيجيهم
حلفوا أيمان…يحموا
أراضيهم
أنا أعتذر حقيقة لهذه الومضة
السريعة في رحاب الفن الملتزم على أمل أن يكون
لي وقفات مطولة أكثر عندها خاصة وأن الأعمال
الفنية لهذا النوع من الأناشيد الجهادية يُغمط
حقه حتى من محبيه .
***************
مصرع النكبة …وشروق
النصر :
مازالَ ينزفُ مِنْ شريطِ
الذِّكرياتِ لنا شُجونْ
يحكى عن الآلامِ صارتْ أُغنياتِ اللاّجئينْ
يحكي عن الطِّفلِ الذي قدْ شبَّ في حضنِ المنونْ
أرسى مراكِبَهُ ليُنهي قصَّةَ السَّفرِ المهُينْ
ومضى يُردِّدُ في المدائنِ: يا بلادي فاسمعينْ
أطلقتُ أشواقي عواصفَ كيْ تُبيدَ الغاصبينْ
وذرفتُ دمعي ساخناً ليُذيبَ قضبانَ السُّجونْ
ووهبتُها روحي لِتبقى في رحابِ الخالدينْ
لا تحسبي الأشعارَ يا قدساهُ شدوَ اليائسينْ
بل إنَّها أملٌ ونورٌ ، بلْ نشيدُ العائدينْ
مراجع في هذه القراءة :
1- مصادر الأدب الفلسطيني
الحديث /تأليف :د.محمد عبدالله الجعيدي .
2-جنين والمخيم ..الملحمة
والأسطورة/ تأليف :حسني جرار وخالد سعيد .
3- ديوان إبراهيم طوقان
– دار المسيرة .
4- ديوان : نزيف الذكريات /
شعر : سمير عطيه ( تحت الطبع ) .
4- شاعران من جبل النار /
تأليف : وليد صادق جرار .
|