|
بسمة
قصة / سهيل أبو زهير*
من غير أن تدق
أجراس الكنائس أو يتعالى صوت القرآن من المآذن … التف أهالي البلدة
الصغيرة حول بيت بسمة … من الذي أنبأهم إذاً ؟! في الحقيقة لم تكن
فرصة لانقطاعهم عن هذه الجمهرة فهم هناك منذ سنين … لا بل عقود…
عيونهم شاخصة نحوها .
كانت بسمة تقف
على نافذة بيتها قاطبة جبينها … فاغرة فاها في ذهول معهود ، فقد كان
وظل صفة ملازمة يعرفها الناس بها ، كانت دائماً كذلك ملتفة بالسواد
القاتم وقد طال حدادها.
وبين صمت الجميع
وذهولهم – منذ أن وقفوا قديماً … ومن يوم أن اعتقل المحتل زوجها لمدى
الحياة – بين هذا الصمت الرهيب ، شاهدوها فجأة ترفع يدها ملوحة
تجاههم دون أن تصدر كلمة واحدة إلا الكلمات التي يقرأها الجميع في
عينيها الملتهبتين بنيران الانتظار الطويل .
تهامس الجميع
فيما بينهم :
"إنها ترفع
يديها … كلنا في انتظار كلمتها منذ عقود … هل يا ترى نسمعها أخيراً؟"
يرد أحدهم على
صاحبه في ثقة غابت عنهم طويلاً :
"نعم … نعم …
إنها بسمة التي عرفناها… ألا تذكرها ؟ ألم تقم في بيتها مع الذين
مروا هنا من تجار القوافل وغيرهم؟"
يسأله صاحبه
مستغرباً :
"القوافل … أي
قوافل تعني؟!"
أطبق صاحبه
بيديه على كتفيه وهزه بعنف :
"رحلة الشتاء
والصيف … وامرؤ القيس … وصلاح الدين"
وبينما هم في
الجدال انقطع بينهم المقال بصرخة أطلقتها بسمة :
"لا …" دون
غيرها ولكنها ممزوجة بحرقة الآلام القديمة ثم هوت من النافذة لتسقط
على رؤوسهم في وداع أخير للبقاء الذي مزجوه بألوانهم المزيفة .
أماتت بسقوطها
بعضهم وهرب البعض ، والآخرون وجدوا أنفسهم فجأة – هكذا - تحملهم
الأرياح النارية وتعلو بهم لتجلسهم أمام مرآتها التي طالما رسمت
عليها ابتسامتها العريضة فكانوا إذا نظروا فيها رأوا عجوزاً شمطاء
مسخاً تبصق في وجوههم ، وإذا أشاحوا عنها أبصارهم تذكروا أنهم يجلسون
على الشوك المتجذر في سريرها القشيب :
"لا يهم أبداً
المهم أنها غادرت بلا رجعة وسكون من بعدها قوماً صالحين"
لم يحرك سكونهم
سوى طفل يولد تحت زوجة ذلك العجوز الممسوخ بضياع السنين … وما دلهم
على حقيقته سوى دابة الغرب تأكل بؤبؤ عينه اليمنى، فأشاحو وجهه
المنحرف إلى اليسار مرة ومرة ، إلا أنه كان يعيده ويقول :
"لا…"
وكان بينهم حكيم
… ربما حكمته هي التي هدتهم إلى أن يلبسوا الطفل ثوبها الجميل … وبعد
أن ألبسوه ثوب بسمة أسندوه إلى نافذتها ، ونادوا :
"يا أيها الناس
… أين انتم؟"
لم يرد أحد
عليهم وكأنهم يصرخون في واد سحيق… ليس أمامهم سوى أن يعجلوا بالنزول
.
اسندوا الطفل
إلى النافذة ثم هرولوا … وفي لوحة أبدية وقفوا طويلاً وهم ينظرون إلى
النافذة … ولا يزالون …
..................
|