الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

صابر!!

بقلم : جهاد الرجبي

 

في السادسة من العمر بدت.. تحمل بيديها الصغيرتين أخاها ذي العامين.. جائعة، وغبار قصف على وجهها، والعين دمعة تتأرجح بارتعاش الشفتين.. جائعة! وتقف مذهولة بين الركام، تمدّ يدها لشيء يؤكل، وباليد الأخرى تشدّ على أخيها الصامت برداً، والمحدّق في خواء المكان..

ينكسر دمعها وهي تقول للصحفي بأنها جائعة، وبأنهم صغار توزّعوا فوق الركام بلا أبوين.. تستجدي اللقمة لأخيها الصغير، تستمطر سماء قندهار خبزاً، فتأتيها القنابل المحشوّة بالموت، ليصير السقف ركاماً، والأخوة قطعاً من لحم غطّاها الطين.. والأم مزقاً لا دفء في لمسته، لا عطف يطل من فجر العينين..

تبكي الصغيرة، وقندهار ارتعاش الدمع واسترسال الضفيرة.. تبكي الصغيرة! والحرب أنفاس تحرقها بلهب له ملمس الصقيع..

وصابر العربي يراقبها من مجلسه المعبّد بالشوك! تطلّ عليه بجوعها من الشاشة الصغيرة التي عذّبته بنشرات الأخبار طويلاً.. يغيّر جلسته، يعدّلها، يضع وسادة بين يديه، يضغط عليها بكل قوته، يشدّ على أسنانه باحتراق، وتتسع عيناه حتى تختفي الشاشة، فتطلّ من حدقته العملاقة بالدمع ملامح الجائعة الصغيرة!

ينهضّ بصدره الثقيل، وبأنفاس يجرّها لفراشه الوثير.. يوقظ زوجته، فتتمتم بكلمات تعوّد أن يسمعها، يرفع الغطاء عنها دون أن ينظر لوجهها وقد احتلّه الغضب:

ـ هذا كثير! توقظني لإعداد السحور، توقظني لصلاة الصبح، وتوقظني كي لا تفوتين مشاهد الموت من فلسطين وأفغانستان، إن كنت مولعاً بالموت، فالنوم موت، تسلّى بمراقبتنا ميّتين..

لا يلتفت إليها، يرتدي ملابسه بصمت، يتناول مفتاح سيارته، يتقدّم صوب الباب بضعة خطوات، ثم يلتفت إليها، ليفاجأ بها تغطّ في نوم عميق.. يحدّق في ملامحها، يقترب منها لدرجة الالتصاق، ينظر إلى عينيها، أنفها، فمها، تبدو كالميّتين، لكن أنفاسها دافئة! وتساءل وهو يهرب بعينيه لصلابة الجدران إن كان مولعاً بالميّتين!

ألقى بمفتاح السيارة على السرير، وخرج صامتاً تنهشه مشاعر أحسّ بظلالها ولم يرها..

يلفحه البرد لحظة التحرر الأولى، وقشعريرة تسري في بدنه، تزرع دمه بما يشبه اليقظة، يقاومها بنعاس وملل! ويحاول رغم ضباب الرؤى أن يغمض عينيه، فلا يرى الأشياء حين تقترب!

الشارع الطويل المعبّد، كم أرهقه تردد الخطوات بين أرصفته! كم أنصت لهمس الناس وصراخهم! لدمهم ودمعهم، وحكاياتهم حين تتكرّر بلا أسماء.. الشارع الطويل المعبّد ثعبان يلفّ المدينة، يزحف بين بيوتها، يبتلع أحزانها، ومخاوف أسرارها حين يقترب الفجر ويتنفّس الأصداء..

وصابر يمشي بلا هدف، يتحسّس نقوده بملل، ويترك للشارع حريّة طرده وجرّه لموقع آخر.. ويشعر بالراحة حين يلتزم الصمت وتختاره الأشياء، ليعيش صلاة دائمة، يختبر فيها قدرته على الانحناء!

يشعر بالتعب، وصورة الصغيرة الجائعة تتشبّث بمخيّلته، وتعتقل أفكاره! يخرج يده من جيبه، وقبل أن يشير لسيارة الأجرة، كان السائق يفتح له الباب بوجه عابس جعله يتردد قليلاً قبل أن ينعم بدفء السيارة وهي تقطع المسافة صامتة صوب مكتبه المتواضع في الجزء الفقير من المدينة الحائرة.

أراد أن يقول شيئاً، أي شيء، لتختفي الصورة من مخيلته، فاكتفى بالسعال، في حين قال السائق بطريقة آلية:

ـ رمضان كريم!

ضحك صابر وهو ينظر من زجاج النافذة إلى الشوارع المهددة بالصحو:

ـ وقصير أيضاً، لا نكاد نشعر به!

بغيظ شديد قال السائق وهو يشدّ على أسنانه والمقود:

ـ في فلسطين، وأفغانستان، في كشمير، والشيشان و.. صمت قليلاً، ابتلع كثيراً من الكلمات قبل أن يكمل بغيظ:

ـ أظنهم هناك.. يشعرون به!

طأطأ صابر برأسه! مطّ شفتيه مفكراً، ثم قال مدافعاً عن نفسه:

ـ كلنا نتألم!

ـ وحدهم يتألمون! يدفعون ثمن جرأتهم.. وجبننا!

ـ لديهم عدو حقيقي، ولدينا مخاوفنا!

ـ يقاومون الذبح، فنصطفّ خلفهم صامتين بانتظار السكين.

ـ ما نفع الكلام، والقيد يشقّ اللحم حين نتحرّك!

ـ قد يزرع النفوس القاحلة.. ببذرة المقاومة!

أخرج من جيب قميصه قرآناً صغيراً وهو يكمل بانفعال:

ـ أتظنهم يحاربوننا؟ إنه يحاربون هذه الكلمات!

ببرود قال صابر وهو يحدّق في أرضية السيارة:

ـ أظنه شتاء بلا مطر هذا العام!

نظر إليه السائق بضيق وهو يوقف السيارة أمام الإشارة الضوئية:

ـ تمطر السماء حين تمطر القلوب!

هرب صابر بنظراته وهو يمد يده بورقة نقدية، وهو يغادر السيارة دون انتظار بقية نقوده، بينما تتعبه نظرات السائق بدهشة وغيظ!

في مكتبه كثير من الزبائن، وصاحب العمل يحتسي الشاي الساخن في مكتبه المغلق، ويترك صابر للعمل والصوم.. يلاحظ صابر دخان سجائره من تحت الباب، ويتمنى لو ناراً تأكل الغرفة بمن فيها، لكنه حين يقدّم له القهوة مرغماً.. يقدّمها مبتسماً!

زوجته أيضاً تثير إحساسه بالتلاشي حين تصرّ على الخروج معه بوجه ملوّن.. ويعرف في عمق شعوره بأنها لا تخدع المارة بل تخدعه!

الرجولة مخلوق كامل لا يمكن تجزئته، إما أن تكونه، أو تكون أي شيء لا يشبهه! صابر يعرف هذا، يفهمه! ويرضيه الصمت.

يطرق الباب بأدب جمّ، فيأتيه صوت أجشّ من خلف الباب:

ـ ماذا تريد؟

يرتبك قليلاً، ثم يقول مستجمعاً شجاعته:

ـ أشعر بالتعب! ولم يبق لدينا زبائن!

فتح الباب، أطلّ وجه بدين بملامح باهتة، تطلع حوله متفحصاً، ثم أشار إليه بالذهاب، وهو يقول دون أن يلتفت إليه.

ـ لا تتأخر غداً!

كحمامة تكتشف النور انطلق صابر، وحاول أن يتنفّس هواء رمضان بعيداً عن دخان السجائر! فقرر السير على قدميه حتى التعب.. تجوّل في شوارع المدينة، وتجوّل في الوجوه، قط يطلّ من العيون، والوجنات المصفرّة تحمل ملامح التعب..

شعر بانكسار خفي، شظايا روحه انتشرت في عمق صمته وهو يستردّ وجه الصغيرة الجائعة! فكّر بأبنائه، ماذا لو اقترب العدو أكثر؟ ماذا لو حان دوره؟ وأن تكمن الحكمة.. في استرضاء عدو لا يشبعه غير لحمك، أم بمقاومة عدو لا تملك في مواجهته غير لحمك؟! يبتسم بسخرية وهو يتابع السير وقد بدأ التعب يحتلّ جسده شيئاً، فشيئاً..

رفع رأسه بإرهاق، لاحظ ولداً يلصق ورقة على جدار مدرسته، ويلصق أخرى وأخرى.. تابعه صابر بعينيه، اقترب من الورقة، اختطفت عينه كلمة، وارتعشت حتى آخر الكلام..

لم يكن الخطّ سيئاً، وإن بدت اليد صغيرة.. انتزع صابر إحدى هذه الأوراق بسرعة ودسّها في جيبها، خشي من السخرية إن رآه أحد، لكنه تحسّس الورقة بثقة، وسارع إلى البيت بقلب دافئ.

في غرفة الجلوس.. وحيداً إلا من ورقته وملامح الصبي! ثم بدأ بالقراءة: «الأمريكيّون يقصفون البيوت الطينية المسكونة بالأجساد الطرية، يقصفون الأمهات وهنّ ينفضن غبار الخوف عن أعين الصغار.. يقصفون الأطفال! يقصفون أيديهم الصغيرة، تساؤل أعينهم! يقصفون أقلامهم الخشبية، بقايا دفاترهم، يقصفون أمانيهم، ويقصفون كلمات الله في أفواههم!..» أراد أن يكمل القراءة، لكن الجزء المتبقي كان قد التصق بذلك الحائط..

فكّر قليلاً، تقتحمه الصغيرة الجائعة، ويشعر بالخجل حين يداهمه الجوع وقد اقترب آذان المغرب، أما زوجته فمشغولة في المطبخ، ويتقلّب هو مع المحطات الفضائية بترقّب ملؤه الخوف!

موت في أفغانستان! وجوع وبرد وصلاة.. ودعاء في أفغانستان أن يسترجع الرفض مجراه! ودم يتدفّق عنيداً في فلسطين، يروي ركام الدور.. مسلمون! صائمون! يرحلون صارخين عن دنيا الصامتين، وصابر يحدّق في الدم.. يحدّق حتى الارتعاش.. يلاحق الضحايا حتى القبور، يهزّه الصغار وقد سكنهم البرد، والصمت خيّم على سكون الشفاه.. وتطلّ من الشاشة ألسنة أمريكية، مخمورة بالقوة، مسكونة بالغرور، تثير غيظه حتى يكاد يقتله وهو يقنع نفسه بالصمت طريقة للرفض، وبالصبر شكلاً للمقاومة!

يكاد يختنق! وزوجته تعدّ الحلوى لزائري المساء.. يبحث في ذاكرته عن رقم لهاتف قديم، يضغط على الأرقام بتردد، فيأتيه الصوت مغموراً بالسكينة، يتراجع لحظة، ثم يغامر بالكلام:

ـ أتراك تتذكرني!

ـ من المتحدّث؟

ـ صديق قديم!

اهتز صوته بعاطفة عميقة وهو يسترجع الصوت:

ـ ما الذي ذكّرك بي يا صابر!

ـ التصقت مرآتي في عينيّ ولم أعد أرى غير أعماقي..

هناك رأيتك يا صديقي، صارخاً، واثقاً، ورأيتك تمد يدك، فبحثت عنك لأمدّ يدي!

ـ صلِّ يا صابر! صلِّ لترحل عنك العتمة!

ـ أصلّي أكثر من أي وقت مضى.. تعذّبني الأخبار وأعذّب روحي بالصمت!

ـ إذن تكلّم!

ـ لا أملك ثمن الكلام!

ـ ولهذا يا صابر! لهذا.. دمنا بلا ثمن!

وأغلق الهاتف! ليصغر جسد صابر ويتضاءل حتى يغوص في حذائه العملاق وهو يمسك بسماعة الهاتف.. زوجته تراقب أبنائها بصراخ يكاد لا يتوقّف، وكل ما يفعله الصغار نثر الأوراق الممزقة في فضاء الغرفة المحشو بالأثاث!

على جلده يزحف الوقت، والوقت صبّار شوكه النبض! يتنفس صابر هواء رطباً، يلتصق في رئتيه كالقطرات.. ويصرخ! صامتاً يصرخ وهو يعدّ مع زوجته طعام الإفطار..

وجه الطفلة يعذّبه! يحاصره بجوعها ويدها الممتدة لفراغ القلوب! وتلك الورقة تهزّه بما يشبه الصفعة وهو يتابع اليد الصغيرة تلصقها على الحائط.. وكلمات الأمريكيين تغلّف صمته بأوراق التزيين، وتضعها على مائدة الإفطار.. نظراتهم المتكبّرة تجرح صبر عينيه، فتنزّ الحدقات بدم قاتم يحول بينه وبين فرح أطفاله!

زوجته تقدّم التمر، وبعينين قاسيتين تسأل أطفالها الصمت لتسمع الآذان.. مرهقة بالصوم، وجلّ نهارها النوم، وصابر العربي يحترق كالأعواد الجافة.. لكنه بلا دهان!

يقترب المؤذن من التكبير، وتصمت المدينة لتمضغ حزنها.. تمر، وماء، وأطباق من كل نوع، والجوع في صدر صابر لا في بطنه!

يخترق جسده الصوت، يستمر القصف، ويستمر الموت! وصوت الطفلة الجائعة يصرخ في صمته، يرتعش وجهه بالبكاء، فتصرخ زوجته: «توقف عن مشاهدة الأخبار!» يقترب أحد أبنائه، يتحسس دمعه بأصابعه الصغيرة، فيضمّه صابر بيدين مرتعشتين: «ليتني أصرخ في صمت الشوارع، ليتني أغسل روحي بالتكبير!» يشدّه الصغير، يقف بالباب وقد شرع المؤذن بالتكبير، يشير بيده إلى السماء، لم يفهم صابر مقصده، وانشدّ قلبه للنداء..

يكبّر صابر بعلو صوته في الشارع المعبّد بألسنة الناس! يكبّر! وتلاحقه زوجته ببنطالها الضيق وشيء كالحجاب تلقيه على شعرها الدبق، يشعرها تصرّفه بالحرج، فتحاول إيقافه وهي تصرخ: «مجنون! مجنون!» ويذهلها أن يتدفّق المجانين من كل البيوت! وكأن قبوراً انشقّت عنهم، وكأنهم بالجرأة ينسلون.. سيل عارم من الأجساد المتوهّجة، والكلمة تكبير! بالأرق قضت المدينة ليلتها، وكم فوجئت بما لديها من مجانين!