|
أتذكر
..ّ
حين
التقى دمنا وكان الشطُ مبتهجاً
للقيانا
يشدو
الهديرُ على همساتنا أنغامه فيرقُ
جذلانا
يترنم
الموجُ العزول على أقدامنا ويعودُ
هيمانا
والشوق
يعبق في جنون غلفتهُ ملوحة
البحر
الأصيل
والوصل
يمزج نبضه بهوى النخيل
والأرض
تحت ظلالنا
تمتد
في أحضاننا، وتدور في خفقاتنا،
تأبى
الرحيل
فالأرض
كانت رقصة الحناء
كانت
ثورة الشعراء والأطفال والشهداء
والترتيل
الأرض
كانت ربة الوعد
وكانت
خبزنا المنسي، كانت دربنا الموصول
الأرض
كانت نبعة الشهد،
وكانت
زيتنا المسبيّ، كانت القنديل
أتذكرُ
..؟
يومها
أقسمت لي بالرب، بالثوار
بالحب
.. وبالحظ الأثيل
ووعدتني
أن المسافة لن تطول
وأن
هزيمة الجبناء تكمن في عزيمتنا
وأن
صمودنا دفق الحياة وشهقة الأعداء
في
ثغر النزال
أقسمت
لي أن ا لمسافة لن تطول..
أن
الدجى وهج النضال
وأن
مرارة الثأر المعبأ في العروق وفي
المآقي
لن
تزول
وأن
صغارنا رضعوا من الجرح المعتق،
من
شذى البارود والأبطال
حفظتني
وجه العدو
وكيف
جاء، وكيف غاصت نصلُهُ
تجتث
أوردة الآصالة في جذور العاشقين
حفظتني
وجه العدو، ووجه غاصبنا وقاتلنا
وخائننا..
حفظتني
وجه العدو وقلت لي:
إن
المسافة لن تطول
والنازحون
على السياج سيعبرون الموت
في
شوق ويسعرون
ودم
الشهيد يغوص في الأرض السليبة
يرضع
الأشجار والأحجار والزيتون
ويعلّمُ
الأطفال كيف تكون
أتذكرُ
..؟
حين
التقت عيناكَ دمعي، فانتفضتَ
وقلتَ
: لا
فدموعنا
نار وطوفان، وصبّار وأرغفة
بلا
أحزان
ودموعنا
وهج الحنين وعزمة الخطوات
في
صخب الزمان
ودموعنا
سحب تزمجر في المآقي
تحمل
الطوفان
وضممتني،
ودفنت
وجهكَ في رمادي المتقد
ورشفت
دمعي.. وانثنيت تهدهد الآهات
تشعل
ثورة الإصرار في خفق السنابل
والتلال
وتستدعى
رجولتنا الدفينة في ثرى النسيان
وتستدعى
مواكبنا ونشوتنا
هزائمنا
وكبوتنا
وتوقظ
صولة المجد
وتنزع
عن مآقينا المباحة للضنى
زغب
الهوان
وقصصت
لي:
كيف
كان الخيل – خيل الغاصبين- يغوص في
دمنا
المراق
على ربى القدس
وكيف
كانت الطرقات تغرق في الدماء،
تغصُّ
بالأشلاء
تستجدي
انتفاض الثائرين
وجماجم
القتلى تهرول في البوادي صوب
أوكار
السباع
وتعتلى
قمم الجوارح
ثم
تهرع في المدائن والقرى
وتجوب
أعطافَ الصدور لتستحث
الناصرين
قصصت
لي
كيف
كان الغاصبون
وكيف
كانت ناعماتُ القدس تلعق في
الصباح
وفي المساء نعالهم
قرنان
مرا أو يزيد
|
والسبايا
يحترقن بحانة الغرباء
يقهرن
الأسى، يغسلن أقداح الثمالة
بالدموع
الجاريات في صمت
ويقهرن
الأنين
يحلمن
في صهد الليالي بالفوارس عائدين
والغاصبون
الغاصبون على المدى
والدهر
والأفق المسافر غاصبون
قرنان
مرا أو يزيد
والغاصبون
الغاصبون
أتذكرُ
..
أقسمت
لي أن المسافة لن تطول
وضممتني
أخرى، وقلت تجملي
فالقدس
موعدنا وأعطاف الجليل
وشذا
الخمائل في ربى يافا وغزة
والخليل
فالأرض
– كل الأرض- من جسدي،
وفي
جسدي تؤول
وضممتني
أخرى، وقلت سنلتقي
ومضيتَ
في صمت تغالبك المسافة
والقبيلة
والظنون
طوّفتَ
أحضان المتاهة كلها
ومضيت
من منفى إلى مرثى
ومن
شط إلى شطآن
وحملتَ
جرح الأرض والعرض
تفتش
عن ضمادات وعن تبغِ
وعن
خيط يلم النزف
عن
ليل يوازي سوأة الخذلان
تغالبك
المسافة والقبيلة والظنون
تراودك
العواصف والأعاصير العنيدة
والمنابر
والخطب الرمادية
وتهرع
في الخنادق تزرع البارود
في
صدر الرجال
تودع
الشهداء
تصعد
للشمس الهلالية
وتأتيني
على متن الشظايا والجراح
لتنبت
من ظلام السجن، من غضب الحجارة
والرصاصات الهزيلة
في
سنا الأشباح
لتطبع
قبلة ظمأى وتنشيني بريق الوعدُ
تذكرني
بأن الغاصبين الغاصبون
وبأننا
جفنان إن هيل التراب عليهما
حتما
سيلتقيان
…
بكل الأرض
والآن
تأتيني بلا شفتين
وبلا
مدامع أو يدين
لتقول
لي:
"طال
انتظاري تحت سقف النار واحترقت
أصابعنا وما عادت تحن إلى الزناد"
لتقول
لي:
"عذراً،
فإن دماءنا يبست وقد عبثت بنا
حفر
الخيانة مزقتنا
غابة
الشوك
وأعيانا
الحصاد
الآن
تأتيني
لتصنع
من هزيمة حبنا ثوب الحداد
فأرجع،
فما
أنت الذي أهوى
وما
أنت الذي حفظتني
أنشودة
الأمل
وقلت
تجملي
فالقدس
موعدنا ويافا والجليل
وما
أنت الذي أسكنته نبضي،
حفظته
ترنيمة العهد
أرضعته
دمعي وسهدي والعويل
وما
أنت الذي أقسمتَ لي دوماً
بأن
الغاصبين الغاصبون
والآن
تأتيني لتحكي لي
بأن
الغاصبين بنو محبتنا
والحارسين
البيض في الخدر،
وأن
القدس – بعض القدس – كان لنا
وأن
مرارة الأمس القديم رحيق الأمس
والمستقبل
الميمون
أرجع
فلي
شجن البواكي والمنى الشماء
والأنواءُ
والوعد
الأبي
وأوبة
الثوار والهممُ
ولك
النياشين الكذوبة، وهم
العاقرين،
وكهف
الروع
والظلماءُ
والعدمُ
|