|
فلسطين قضية الوجود الكبرى
محمد خليفة
صحيفة
الوطن القطرية 13/8/2005
طالب
المستشرق الإسرائيلي جي بيخور في مقال له في صحيفة يديعوت أحرنوت
العبرية الحكومة الإسرائيلية بضرورة الإسراع في الخروج من غزة
بأكملها، معتبراً أن غزة مصدر قلق كبير لكافة الشعب اليهودي، وأضاف
أنه كان يجب على "إسرائيل" أن تنفصل تماماً عن غزة وأن يتم تركها
لمصر كما كان عليه الحال قبل عام 1967، والواقع أن كلام هذا الكاتب
يمثل الرأي العام السائد في "إسرائيل" الآن، ذلك أن هناك توجهاً
إسرائيلياً عاماً يدعو إلى إعادة غزة إلى مصر بعد انسحاب "إسرائيل"
المرتقب منها، إذ أن إعادة غزة إلى مصر يسهّل على "إسرائيل" ابتلاع
الضفة الغربية، أو إعادة ما لم تبتلع منها إلى الأردن، وتصفية قضية
فلسطين بشكل نهائي.
وقد كان قطاع
غزة ضمن أراضي فلسطين التي رسمت حدودها بريطانيا بعد انتدابها على
فلسطين عام 1922، وعندما قام الكيان الصهيوني في 15 مايو 1948 دخلت
الجيوش العربية، ومنها الجيش المصري، إلى فلسطين لمقاتلة اليهود ومنع
إقامة كيانهم المستقل فيها، لكن هذه الجيوش انهزمت فعاد كل جيش إلى
بلاده، وكان الجيش المصري قد سيطر على جنوب فلسطين ووصل إلى ميناء
أشدود على بعد كيلو مترين جنوب تل أبيب، وتوقف، وقام الجيش الصهيوني
عام 1948 بهجوم على الجيش المصري، فاحتل صحراء النقب ووصل إلى ميناء
إيلات «أم الرشراش» على خليج العقبة، وفي هذه الأثناء تدخل مجلس
الأمن الدولي وفرض اتفاقيات هدنة بين الدول العربية و"إسرائيل"،
وعيَّن الأميركي اليهودي رالف بانش وسيطاً دولياً لهذه المهمة، فقامت
محادثات عسكرية «غير مباشرة» بين الجانبين المصري واليهودي بإشراف
بانش عام 1949 في جزيرة رودس اليونانية انتهت إلى عقد الاتفاقية التي
تعهد فيها الطرفان باحترام خطوط الهدنة، على ألا تعتبر هذه الخطوط
حدوداً سياسية، واحترام المياه الإقليمية لكل منهما، واحتفظ المصريون
بقطاع غزة على أن تكون القوات المرابطة في هذا القطاع ذات صفة دفاعية
فقط، وأعقب ذلك توقيع اتفاقيات هدنة مماثلة مع كل من سوريا ولبنان
والأردن.
وقامت
"إسرائيل" عام 1967 بخرق اتفاقيات الهدنة مع الدول العربية، فاستولت
على غزة وسيناء، ووصلت إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، كما احتلت
الضفة الغربية التي كانت في يد الأردن، واحتلت أيضاً الجولان السوري
ومزارع شبعا اللبنانية وعندما أبرمت مصر اتفاقية سلام مع "إسرائيل"
برعاية أميركية عام 1979، قامت هذه الاتفاقية على أساس مبدأ الأرض
مقابل السلام، وجاء الأميركيون بخريطة فلسطين التي رسمتها بريطانيا،
وتم تطبيق مبدأ الأرض مقابل السلام على أساس هذه الخريطة، فانسحبت
"إسرائيل" من أرض سيناء المصرية إلى داخل حدود فلسطين، وهكذا ظل قطاع
غزة بيد "إسرائيل" بينما عادت سيناء إلى مصر.
وقامت
"إسرائيل" منذ احتلالها غزة عام 1967 بالاستيلاء على الكثير من
أراضيها، ومن ثم باشرت في إقامة المستوطنات من أجل ابتلاعها، وراحت
تمارس إرهاباً وعدواناً لا يوصف ضد الشعب الفلسطيني في غزة بهدف
التضييق عليه ودفعه إلى الهجرة خارج فلسطين، لكن الشعب الفلسطيني
الذي ذاق مرارة النكبة عام 1948 قاوم إرهاب "إسرائيل"، وتمسك بأرضه،
ودافع عنها بشجاعة، واستشهد الآلاف من أبناء غزة في سبيل التمسك
بأرضهم، ولم تترك "إسرائيل" وسيلة من وسائل العدوان إلا اتبعتها مع
الشعب الفلسطيني في غزة، لكنها كانت في كل مرة تُمنى بالفشل، وتتكبد
خسائر هائلة في الأرواح والمعدات، وعندما أدركت "إسرائيل" استحالة
هضم قطاع غزة، وأنه لا أمل لها في جعل هذا القطاع جزءاً منها، أعلنت
على لسان رئيس وزرائها آرييل شارون عزمها على الانسحاب من غزة رافضة
التفاوض مع السلطة الفلسطينية حول هذا الانسحاب.
غير أن
"إسرائيل" تريد أن تلتف على هذا النصر الفلسطيني الأول عليها من خلال
إعادة قطاع غزة إلى مصر وبالتالي قتل الحلم الفلسطيني بدولة مستقلة،
وقد تستنجد "إسرائيل" بحليفتها الولايات المتحدة كي تضغط على مصر
لتقبل بعودة غزة إليها، لكن من غير المتوقع أن تقبل مصر بعودة غزة
إليها، وإذا قبلت مصر ذلك فإن الشعب الفلسطيني في غزة لن يقبل ذلك،
لا كرهاً بمصر بل لأن هذا الشعب يسعى إلى بناء دولته المستقلة على
أرضه في فلسطين، بعد أن قدم التضحية وجعل من الفرح شكراً ومن الحزن
صبراً لإيمانه بوطنه وإيمانه بعقيدته واستقامته على الحق والتضحية
النبيلة الكريمة، لإيمانه بأن فلسطين قضية الوجود الكبرى بالنسبة له،
ولن يتنازل عن أرضه من بياره إلى بيدر، ومن كروم العنب إلى أغصان
الزيتون، ومن شارع القدس إلى أحجار رام الله وبيت لحم... ولن يهنأ
أبداً بالحياة حتى يطمئن إلى اليقين بعودتها حرة عربية كما كانت على
مر الدهور والعصور، عاشت فلسطين وعاش أبناؤها المخلصون.
|