|
لن ننسى
(8)
اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك
48 و آلام اللجوء
خرج من بلدته
(عين الزيتون) قضاء صفد تحت حراسة أفواج من العصابات اليهود ، احتجزت
كلّ من بقيَ داخل القرية الفلسطينية بعد اجتياحها و الاستيلاء عليها
من قبل تلك العصابات المسلحة ، من ثم اقتادتهم إلى خارج القرية حتى
وصلت بهم وادي الطواحين في الوعر ، و بدأت بإطلاق الرصاص ..
اللحظات الأخيرة في عين الزيتون :
عن تفاصيل
الاجتياح و ما لقيه أهالي قرية عين الزيتون الذين لم يغادروا القرية
و بقوا فيها إلى أن دخلتها القوات اليهودية و احتجزتهم .. و عن رحلة
اللجوء الصعبة التي عاشوها .. حدّثنا الحاج نور الدين قاسم خطاب -
مواليد 1929م من عين الزيتون – عن ما يلي :
في الواقع يا
عمّي لقد ذقنا المر في ثورة 1936م و في حرب 48م ذقنا الأمرّين ، نعم
الأمرين .. كان القائد أديب الشيشكلي قد أعطى أمراً لكامل المنطقة
يطلب فيه من جميع الفلسطينيين البقاء في قراهم و مدنهم حتى لو احتلت
، و أن يدخلوا البيوت ذات القبو لما يبدأ الهجوم على القرية .. و قد
أوصل الأمر إلينا قائد منطقتنا (إحسان ألماز) من حماة بسورية .
لذا لما بدأ
الهجوم على قريتنا و كان ذلك قبل أذان الفجر بحوالي الساعة ، سارعنا
جميعنا إلى الاختباء في القبب .. كانت قريتنا على سفح جبل في منحدر ،
لذا هاجمها اليهود من أعلى الجبل مستخدمين المدافع و الرشاشات و
القنابل .. في حين لم يكن لدى حراسنا من أبناء القرية ما يدافعون به
عن القرية سوى البنادق القديمة ، لذا لم يستطع أبناء القرية الصمود
كثيراً في وجه القوات اليهودية الغازية ، و اضطروا إلى الانسحاب ..
و بعد اجتياح
اليهود لقريتنا سمعناهم ينادون (قديما .. قديما..) أي تعالوا تعالوا
، فخرج من كلّ منزل واحد منا و رفع "حطته" البيضاء معلناً استسلامنا
، و كنت من بين الذين أمسك بهم اليهود في القرية ، و لما خرجنا
جمعونا في ساحة العين ، حيث كان في بلدنا عين ماء تقابلها ساحة كبيرة
، و يشرف على الساحة جامع القرية . جمعوا الرجال في الساحة ، بينما
وضعوا النساء و الأطفال الصغار في جامع القرية ، و كان جيش اليهود
يطوّق الساحة و الجامع .
و بينما نحن في
الساحة مجتمعين ننتظر ما سيحلّ بنا ، بدأنا نتهامس بين بعضنا البعض و
قلنا أنهم سيقتلوننا لا محالة ، لأن أبناء قريتنا في ثورة 1936
كبّدوا العصابات اليهودية خسائر كبيرة ، لذا ظننا أنهم سينتقمون منا
الآن . بقينا في الساحة حتى الساعة العاشرة صباحاً ، عندما وصلت
سيارة جيب إلينا قادمة من صفد ، و نزل منها ضابط يهودي يضع كرباجاً
(سوطاً) في حذائه ، فاستقبله أحد الضباط الموجودين في القرية ، و
أدّى له التحية ، ثم تحدّثا إلى بعضهما و قدِما باتجاهنا ، فتناول
الضابط القادم سوطه من حذائه و طلب أن نصطف كما صفوف الصلاة ، ثم
فتّشونا ، وضعوا غطاءاً على أمامنا ، و أخذوا كلّ ما نملك و ألقوه
على الغطاء ، لم يتركوا مع أيّ واحد منا أي شيء لا نقود و لا حتى
خاتم ، حتى النظارات الطبية أخذوها من على عيني الواحد منا ، و لم
يتركوا معنا حتى ثمن رغيف خبز ..
بعد أن انتهوا
من تفتيشنا صار الضابط يتجوّل بيننا بين الصفوف و يتفحّصنا واحداً
تلو الآخر ، و كان كلّ شاب أو رجل يضربه الضابط بسوطه على كتفه يأخذه
الجنود و يضعوه في سيارة شحن لها غطاء "شادر" يغطي صندوقها الخلفي ،
و استمر كذلك إلى أن انتقى 37 شاباً من خيرة شباب القرية ، و انطلقت
بهم السيارة بعيداً .. و بقينا نحن في الساحة ، فصفّونا مثل طابور
الجيش ، و أحاطوا بنا من ثلاث جهات ، إذ تركوا الجهة الأمامية مفتوحة
كي نخرج من القرية .
أما النساء و
الأطفال فأخرجوهم أيضاً من الجامع ، و فتّشوهم و أخذوا كلّ ما يملكون
من مصاغٍ و نقود ، حتى الأطفال فتّشوهم بدقة خوفاً من أن تكون
أمهاتهم قد خبأت معهم أي قطعة من النقود ، و أيضاً أحاطوا بهم من
ثلاث جهات و مشوا بهم أمامنا ..
و هكذا خرجنا لا
نملك أي شيء على الإطلاق ، و ظلّوا يتقدّمون بنا إلى أن وصلنا الوعر
الذي يصل إلى القرى المجاورة لنا ، فأطلقونا ، ثم بدأوا يطلقون
الرصاص في الهواء باتجاهنا ، ليمنعونا من العودة إلى القرية ..
رحلة اللجوء :
بدأت الرحلة من
اللحظة التي غادرنا فيها عين الزيتون ، لم نكن نملك أي شيء و لا حتى
لقمة خبز ، و بعد مسير ليس بالقصير وصلنا وادي الطواحين القريب من
بلدة مالون التي تقابل قريتنا ، فوجدنا مسلّحي بلدتنا في انتظارنا ،
يترقّبون وصول أبنائهم و ذويهم ، تعانقنا و اجتمع "التمّ" كلّ واحد
على عائلته و بدأت معاناتنا الجماعية في الهجرة القسرية عن الوطن ،
مررنا بعدة قرى منها الصفصاف و كفر برعم ، ثم ذهبنا إلى بلدة يارون
الواقعة على حدود فلسطين تماماً ، و هناك مكثنا ليلتين تحت أشجار
الزيتون ، و الحمد لله أهالي القرية أطعمونا و سقونا ، بعدها اتجهنا
إلى بنت جبيل في لبنان و هناك حملونا بالسيارات إلى بيروت و في بيروت
وضعونا في الكرنتينا و منها حملونا بالقطار إلى سورية ، و وزّعونا
على القرى و المدن السورية .
دور الشعب السوري :
و الله يا عمي
لقد وقف الشعب السوري إلى جانبنا و ساعدونا مساعدة لم يلقَها أيّ
لاجئ فلسطيني في أي بلد عربي أو أجنبي غير سورية ، كان السوريون
يطوفون بالمحال و السمانة يجمعون لنا الزيت و الزيتون و الجبنة و
الحلاوة و الخبز و يحضروه لنا ، و الله إني أقول ذلك ليس مراءاة لأحد
، لأنني بعد 76 عاماً من العمر لا أرائي غير الله ..
و في عهد
الشيشكلي ، وضع في صلب الدستور السوري «يساوى الفلسطيني و السوري في
كافة الحقوق مع احتفاظه بجنسيته العربية الفلسطينية» فصار يحقّ لنا
التوظيف و أن نصل إلى أعلى المراتب .. لقد عاملونا معاملة صادقة و
نحن أيضاً عاملناهم بصدق أيضاً . و أنا شخصياً وُظّفت لمدة 34 عاماً
و كنت على مستوى مهندس رغم أني لست بمهندس .. و الله لقد أكرمنا
الشعب السوريّ و الحكومة السورية.
الخيانة العربية و اللجوء الفلسطيني :
كان جيش الإنقاذ
العربي جيّداً كأفراد و مجنّدين ، فقد ضحّوا كثيراً و قاتلوا ببسالة
، و لكن الأوامر لم تكن مخلصة ، كأوامر الملك عبد الله و ساري و غيره
.. لم يكن يعلم تلك الأوامر غير الله ، و لو كانت الأوامر بتقوى الله
لما حدث لنا ما حدث ، لأن اليهود ليس لديهم مقاومة و لا يقدرون على
القتال ، و الله لقد كانوا إذا رأوا أيّ شخصٍ مسلم فلسطينياً كان أم
عربياً يحمل سكيناً ، كانوا يسرعون في الهرب و لو كانوا كثرة ، و
الله لو كان حكام العرب مخلصين لله لما وصلنا لهذه الدرجة .. (يبكي
الحاج نور الدين و يغصّ عن الحديث ..) .
ثم يتابع بعد دقائق :
لقد أخرجونا
حفاة عراة لأجل الحفاظ على مراكزهم و مناصبهم ، إني أقول هذا الكلام
و لا أخشى أي أحدٍ غير الله ، لقد ذقنا المرار ، و جيلي أنا خاصة ذاق
المرار و العذاب .. لما خرجنا من فلسطين عملت كثيراً بأجرة نصف ليرة
في اليوم لأعيل والدي و والدتي ، و لكني رغم كلّ عملي و تعبي لم أكن
أستطيع تأمين الخبز لأطعمهم .. و لكنا نشكو أمرنا إلى الله . فلو كان
حكّام العرب في ذلك الزمان أصحاب تقوى لما استطاع اليهود إخراجنا من
فلسطين نهائياً .
جميع حكام العرب
اضطهدونا باستثناء سورية ، فاليوم يموت أخي أو والدي في الأردن و لا
أستطيع رؤيته أو حتى المسير في جنازته لأني فلسطيني ، بينما يسمح
لليهودي الدخول إلى الأردن بهويته فقط ، أما أنا فأحتاج إلى موافقة
الملك شخصياً ..
قصتنا مرة يا
عمّي ، و قلت و أكرّر لقد ذقنا الأمرّين ، و لولا أصحاب الدين و
الخلق و الشرف لكنّا ما نزال نذوق مرارة تلك الأيام بنفس الدرجة ..
|