|
لن ننسى
(10)
الحاج أبو فايز ... ذاكرة تحفظ تفاصيل الطنطورة
المدمّرة

دمشق – خاص
إذا أراد
الجيل الذي لم يكتب له العيش في فلسطين ومعاصرة أحداث التآمر على
هويتها و الشعور بالمرارة الحقيقية لمأساة النكبة التي مازالت آثارها
مستمرة معرفة حقيقة ما جرى , فإنه يلجأ في كثير من الأحيان لكتب
التاريخ التي تعد مرتعاً خصباً للتزوير و قلب الحقائق .
ولكن لابد
لهذا الجيل من اللجوء إلى الذاكرة الحقيقية التي ترفض النسيان .
الحاج أحمد
عبد المعطي (أبو فايز) جزء من هذه الذاكرة التي مازالت الحقيقة و
أحداثها تحيا في داخله, و يأمل دوماً بتوريثها لمن بعده .
تركت الصعاب
وسنوات النكبة و الغربة آثارها على و جهه ,لكن سهول فلسطين و
أشجارها لا تزال خضراء في داخله كما تركه آخر مرة.
عرف طرقات
كثيرة قادته و قادت الكثيرين إلى التشرد و اللجوء لكن طرقات قريته لا
زالت تضج بأهلها .
هذا الطريق
يؤدي إلى الحقل, وهذا يؤدي إلى المسجد, و الآخر يصل القرية الهادئة
بالمدينة , و .................
أما ما
يربطني بأبي فايز وهو من سكان الطنطورة أن كلينا مشترك في محطة
اللجوء الذي يجسده أكثر من 4 ملايين فلسطيني يعيشون خارج وطنهم .
يتوقون
لصناعة مصيرهم القادم و إعادة ما فقدوا بظروف كانت أكبر من قدراتهم
البسيطة , و بأماني زينها لهم من يدعون قيامهم بواجبهم عندما حاربوا
ببنادق مكسورة طائرات العدو .
دعاني أبو
فايز إلى بيته , و جلسنا في مضافة عربية أعادتني إلى تاريخنا عندما
كان يجتمع العرب عند كبيرهم لحل مشاكلهم , ويتوج اجتماعهم بحل يرضي
جميع الأطراف دون الحاجة إلى تدخل طرف ثالث يدعي الحرص على المساعدة
و هو لا يأبه إلا بمصالحه .
و لم يغب عن
أبي فايز دعوة رفاقه القدامى للمشاركة في تصوير ملحمة فلسطين, وكل
واحد منهم أشبه بموسوعة فلسطينية و منهم الحاج يوسف سلام ( أبو موسى
) .
- و أول
سؤال طرحته على الحاج أبي فايز ذكرياته عن الطنطورة , الذكريات التي
أصبحت النبع الذي ينهل منه كل فلسطيني ظمآن لأرضه , وعن التكوين
السكاني و النشاط البشري لأهل القرية .
أبو فايز:
الطنطورة تقع على الساحل الفلسطيني جنوب حيفا و تحيط بها قرى : كفر
لام , الفريديس , عين غزال و جسر الزرقاء وعدد سكانها حوالي 1200
نسمة , عملوا بالزراعة و صيد السمك .
بعد صلاة
الفجر كنت أذهب و أبي إلى صيد الرزق من البحر , متوكلين على الله ,
لنتلقي مع بقية الصيادين عند الشاطئ , وكانوا بعد إلقاء التحية
يتحدثون عن حصيلة أمس من الصيد دون أن يخفوا أملهم بصيد وفير في
اليوم الجديد , راضين بما قسم الله لهم من رزق . منتظرين شروق الشمس
التي تؤدي أشعتها إلى ارتفاع حرارة المياه فتبدأ الأسماك بالغوص إلى
الأعماق و عندها نلقي الشباك في البحر حتى غروب الشمس , و كانت حصيلة
الصيد تنقل بالشاحنات إلى حيفا لبيعها وثمن الرطل بحوالي شلن .
كما كان
الصيادون من غزة و يافا و الجورة يقيمون في الطنطورة أواخر شهر أيار
بانتظار موسم السردين الممتد من حزيران حتى آب .
و ساحل
الطنطورة يضم أرخبيلاً من الجزر المتصلة ببعضها وهي : جزيرة فلاتية ,
أعمر , الشدادة , الحمام و سطيح .
وسميت جزيرة
سطيح بهذا الاسم لقربها من الشاطئ و كان الصيادون يستريحون عليها . و
جزيرة الشدادة فيها قصر روماني يحوي طاولات و كراسي منحوتة من الحجر
و كانت أفراح القرية تقام فيها.
صمت الحاج
أبو فايز وكان وهو يتحدث إلينا من قبل يتفاعل مع مواقف حياة أهل
قريته كأن صورتها ماثلة أمامه, و هو بهذا التفاعل يرفض الواقع الذي
أدى إلى تدمير قريته من قبل الصهاينة .
سألته بعدها
عن حياة الفلاح لأنقله إلى مناخ نفسي آخر قد يعيد إليه لذة استدعاء
مخزونه الإنساني و يبعد عنه ألمه .
على الرغم من
الجهد الذي يمنحه الفلاح للأرض و عناء متابعة الأمطار, إلا أنه كان
قادراً على خلق الفرح آخر العام حيث يصبح موسم الحصاد عيداً يحتفل
به و يحمد الله على ما أعطاه و من ّ عليه .
والمحاصيل
الزراعية متنوعة كالقمح و الشعير إضافة إلى البندورة و الخيار و
البطيخ و السمسم الذي ينقل إلى قرية المنارة المجاورة لعصره و
استخراج الزيت منه.
و سألت الحاج
أبو فايز عن ثورة 1936 ومشاركة أهل الطنطورة فيها ليكون وصف هذه
الأحداث مدخلاً لتصوير النكبة و ممارسات الصهاينة .
نعم اشترك
أهل الطنطورة في الثورة و أذكر أن القائد نعيم المصري و الشيخ علي
سلاّم كانوا قادة فصيل في الثورة , وكان يخدم في الشرطة البريطانية
عدد من شباب الطنطورة و زوّدوا الثورة بالقنابل متن مستودعات سلاح
البوليس البريطاني .
وأضاف أن
نهاية الثورة كشفت عن مؤامرات كانت تحاك لإخمادها تمهيداً لتسليم
فلسطين مجاناً للصهاينة .
وفي حديثه عن
نكبة 1948 قال الحاج أبو فايز: قبل الهجوم على الطنطورة بأيام اقتحم
اليهود قرية كفر لام المجاورة لنا و احتلوها .بعدها أنذرونا عن طريق
مختار زمرين بتسليم القرية دون مقاومة , فرفض الأهالي الإنذار . و
بدأ الهجوم على الطنطورة في 23 أيار الساعة 11 ليلاً من ناحية تلة
الكركون و استشهد 4 أشخاص , و توقف الهجوم حوالي العاشرة صباحاً حيث
أرسل اليهود تعزيزات من جهة البحر بواسطة القطار الذي يصل حيفا بيافا
, و جمعوا أهل القرية عند شاطئ البحر وكانوا يختارون من بينهم
أفراداً و يقتلوهم بدم بارد رمياً بالرصاص دون تمييز بين طفل و
امرأة أو شيخ عجوز و شاب و دفنوهم في مقبرة جماعية . ونقل الأحياء من
النساء و الأطفال إلى قرية الفريديس .
تدخل الحاج
يوسف سلاّم ( أبو موسى ) الذي كان شاهداً على ما جرى و كان عمره
حينها 24 سنة مضيفاً : الرجال و الشباب وكنت من بينهم نقلوا إلى
دائرة زمرين حيث تم التحقيق معنا لثلاثة أيام ثم أخذونا إلى سجن أم
خالد عند مفرق طولكرم حيفا يافا و كان قبل ذلك معسكر للجيش العراقي ,
ثم نقلنا إلى قرية جليل قضاء يافا و بنوا معسكر اعتقال على شاطئ
البحر و بقينا فيه مدة سنة , و كان معنا في المسكر ضباط و جنود من
الجيش المصري و العراقي و المصري اعتقلوا بكامل عدّتهم العسكرية .
وفي المعتقل
اقترح علينا رجل من يافا فكرة الهروب من المعتقل و اتفقنا أنا و
شخص من قرية عزّون و ابن خالتي (أنور فرحات ) على الهروب وكان الوقت
حينها بعد منتصف الليل و السماء تمطر وترعد , و للهرب لابد من خلع
ملابسنا كي نتمكن من النفاذ من الأسلاك الشائكة .
بدأت أنا و
تجاوزت السلك الأول و الثاني و فتحت ثغرة في السياج ممهداً الطريق
لرفاقي و تجاوزت الحرس .
و تمكنت من
الهرب و حدي , ارتديت ملابسي و بدأت بالمشي بحثاً عن مدينة أو قرية
لم تسقط بيد العدو حتى وصلت حدود تل أبيب , بعدها قررت العودة إلى
المعتقل , اتجهت شرقاً إلى نهر العوجا و قطعت النهر ووصلت الطرف
الآخر منه , لأجد نفسي في بيارة برتقال و كريفوت , و بقيت فيها حتى
الصباح عندما سمعت صوت أقدام أحدهم ,حسبته للوهلة الأولى يهودي لكنه
كان صاحب البيارة و هو فلسطيني و رحب بي و طلبت منه إرشادي إلى
طريق القرى العربية , و دلني إلى بلدة بين قلقلية و طيرة بني صعب و
التقيت فيها برفاقي الذين هربوا بعدي من المعتقل , و كانت أخبار
هروبنا قد نشرت في الصحف .
و ذهبنا إلى
نابلس ثم إلى طولكرم و دخلنا مقهى للاستراحة و شرب الشاي و لم نكن
نحمل النقود لدفع ثمن الشاي فشرحنا لصاحب المقهى قصتنا , فرحب بنا و
استضافنا في منزله إلى أن اتصلت بأحد رجال قريتنا و هو فوزي أبو شكر
و غادرنا طولكرم إلى سورية .
عاود الحاج
أبو فايز الحديث بعدما سألته عن مصير من نقل إلى الفريديس .
نعم الأطفال
و النساء و الشيوخ نقلوا إلى الفريديس و أقاموا فيها مدة 28 يوماً
لننتقل إلى المفرق و بعد ها سرنا على الأقدام حتى طولكرم و أقمنا
فيها 11 يوماً ومن ثم انتقلنا إلى الخليل و أقمنا في دير مسيحي مدة 6
أشهر .
و كان أهل
الخليل يحضرون الماء و الطعام لنا , و بعدها اتصل بنا أهل الطنطورة
الذين فروا إلى سورية ووافق الملك عبد الله حينها على انتقالنا إلى
سورية و نقلنا بالشاحنات من الخليل إلى مدينة درعا السورية و أقمنا
في العراء (مكان كراج الباصات الحالي ) و نقلنا بعدها إلى بصرى و
أقمنا في القلعة بظروف سيئة و مهينة لكرامة الإنسان حيث كانت الأرض
فراشنا و السماء غطاءنا و لم يكن يجاورنا إلا الأفاعي السامّة . و
يومياً كان يموت طفلين نتيجة للظروف الجوية السيئة حيث كان فصل
الشتاء و تساقط الأمطار و الثلوج .
وكنا نخرج
إلى البريّة لإحضار العشب اليابس و أغصان الأشجار و الشوك لإيقاد
النار علّها توفر لنا قليلا ًمن الدفء . وخلال إقامتنا في بصرى
التي امتدت لستة اشهر قاسينا من الألم و العذاب
لا تستطيع الجبال تحمّله .
للنتقل
بعدها إلى السويداء و أفمنا في معسكر للجيش الفرنسي وغاد رناها إلى
دمشق عام 1952 و أقمنا في مخيم اليرموك و بعض العائلات أقامت في
القابون أو حرستا و البعض الأخر أقام في اللاذقية في مخيم الرمل .
و بنهاية
لقائي مع رجل عاش جزءاً من عمره في فلسطين ومعظم عمره لفلسطين كان
لابد من طرح السؤال الذي طالما راود و دغدغ مشاعر كل لاجئ و العودة
إلى فلسطين أو الاقتناع بالأمر الواقع ؟
أبو فايز :
صحيح أن شعبنا شعب عملي تمكن من بدأ حياته من جديد خارج أرض الوطن و
صحيح أن معظم اللاجئين أصبح لهم بيوتهم خارج فلسطين لكن هذا لا يعني
التخلي عن حق العودة إلى فلسطين , و أنا واثق تمام الثقة بأن كل
لاجئ مستعد للتخلي عن كل ما يملك في مخيمات اللجوء و المنافي مقابل
العودة ألى فلسطين , العودة حق مقدس لا يحق لأيّ كان التنازل أو
التفاوض عليه .
مهما طال
الزمان لابد من أن يحق الحق , وكل لاجئ من الجيل الأول مثلي زرع في
أبنائه حب فلسطين و التمسك بحق العودة إليها و سنورث هذا الحق
للأجيال التي تليهم حتى العودة و النصر بإذن الله .
ختم الحاج
أبو فايز بهذه العبارات وكان كل شخص من الجالسين يهزّ رأسه موافقاً
على ما قال .
|