|
الكيان الصهيوني و"الحوار الاستراتيجي" مع أمريكا
عوني صادق
صحيفة
الخليج الإماراتية 9/11/2005
بين فترة
وأخرى، تنقل وكالات الأنباء أخباراً عن (أزمة) تنشب بين الإدارة
الأمريكية وبين الكيان الصهيوني، مرة بسبب تجسسه على الولايات
المتحدة وأخرى بسبب تجاوزه لاتفاقية معقودة بينهما. وبعد وقت، قد
يطول قليلاً وقد يقصر دون أن يقلل من حجم الدعم المقدم للكيان، نسمع
أن الأزمة قد حلت، وأن المياه قد عادت لمجاريها بين الحليفين
الاستراتيجيين أحسن مما كانت قبل الأزمة!
وقبل فترة
نشبت واحدة من هذه الأزمات، على خلفية صفقة من الأسلحة باعها الكيان
الصهيوني للصين من دون علم أو موافقة الولايات المتحدة، وأدت إلى
(تجميد) ما يسمى (الحوار الاستراتيجي) بين الطرفين. وفي التاسع من
شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، زار القدس المحتلة مساعد وزيرة
الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد ولش، في أعقاب ما سمي
عملية (فك الارتباط بغزة) أحادية الجانب، والتقى المسؤولين الصهاينة
في القدس المحتلة ومنهم وزير الخارجية سيلفان شالوم. وبعد اللقاء،
أعلن شالوم أن الولايات المتحدة ستجدد الحوار الاستراتيجي الذي انقطع
منذ ثلاث سنوات، وأنه سيستأنف في الأسبوع الثاني من شهر نوفمبر/
تشرين الثاني الجاري.
الحديث عن
"الحوار الاستراتيجي" الذي انقطع أو تجمد، وعن أنه سيستأنف، يوحي
وكأن العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني هي علاقة تحتمل
الانقطاع والاستئناف مثل العلاقات العادية بين الدول. وأول سؤال يوحي
به هذا الحديث هو ماذا يتغير على السياسة الأمريكية تجاه الكيان
الصهيوني أثناء فترات الانقطاع والتجميد؟
والسؤال
يذكرني بما كتبه أرنو دو بورغراف في صحيفة (القدس العربي- 9/9/2004)
على هامش اتهام لورنس فرانكلين، الموظف في وزارة الدفاع الأمريكية،
بتسريب وثائق سرية حول إيران لموظفين في السفارة "الإسرائيلية" في
واشنطن، حيث كتب يقول: " إذا حاول البعض اعتبار "إسرائيل" دولة
خارجية، فإنه من الصعب فهم العلاقة الأمريكية "الإسرائيلية". وإذا
اعتبرها الولاية (51) أو قطعة من جسد أمريكا السياسي، فهي لا تتجسس
أو حتى لا تمارس بعض النفوذ حيث تجري الأمور داخل العائلة الواحدة.
فإذا قام أحد أفرادها بإطلاع قريبه على وثيقة سرية، أو تحدث عنها
خلال غداء عمل، فهذا ليس تجسساً ولا يعد تسريباً. هكذا ينظر
الليكوديون في واشنطن إلى علاقاتهم برب العائلة، رئيس الوزراء
"الإسرائيلي" أرييل شارون". ونحن نعرف من هم الليكوديون في إدارة
بوش، هم الذين كانوا وراء ما جرى من غزو العراق واحتلاله، وهم الذين
وراء ما يجري الآن في لبنان، وما يحضر لسوريا، وهم أخيراً الذين
وضعوا الوثيقة التي اعتبرت برنامجاً سياسياً قدمت لبنيامين نتنياهو
عندما كان رئيساً لوزراء الكيان في العام 1996 واقترحوا عليه عدم
التنازل عن شبر واحد من الضفة الغربية لأنها (جزء من التراب اليهودي
المقدس)!
إن من يلقي
نظرة سريعة على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط هذه الأيام لا يرى
فيها نشاطاً واحداً لا يخدم، ولا يستهدف ربما أولاً خدمة المصالح
"الإسرائيلية"، أو لا ينظر لأية خطوة تخطوها هذه السياسة من خرم إبرة
هذه المصالح، والأدلة أكثر من أن تحصى.
وفي لبنان،
هل كان من غرض للقرارات (1559) و(1595) و(1636) والقرار المنتظر أن
يتخذه مجلس الأمن قريباً والذي تحدث عنه جون بولتون بعد تقديم رود
لارسن تقريره... هل كان لهذه القرارات من غرض غير ضمان (أمن
"إسرائيل") وتتويجها دولة عظمى في المنطقة، وتمكينها من تحقيق كل
أطماعها التوسعية في الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية
المحتلة؟!
كل ذلك تم
ويتم في ظل (تجميد) الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والكيان
الصهيوني، وفي طل (أزمات) نشبت بينهما بسبب تجسس الكيان أو مخالفته
اتفاقياته مع ضامنه وحاميه ... فماذا عطل (التجميد)، وماذا أخرت
(الأزمات) مما للكيان في ذمة الولايات المتحدة من (استحقاقات)، وماذا
سيضيف (تجديد الحوار الاستراتيجي) إلى تلك الاستحقاقات؟!
لكن المأساة
ليست في ذلك كله. المأساة في أن الولايات المتحدة لا تعطي من جيبها
شيئاً لهذا الكيان الغاصب، بل إن كل ما تعطيه له تأخذه من سلة الحقوق
العربية، من نفط العراق مرة ومن أرض فلسطين وسوريا ولبنان مرة، مثلما
أن ما يشعر به هذا الكيان من قوة لم تأت إلا من ضعف العرب، وما
يتفاخر به من عزة يأتي من ذلهم... والغصة كل الغصة أن العرب يبدون
كأنهم لا يعون ذلك.
|