|
"إسرائيل" وأوروبا ومستقبل المنطقة
السفير: محمد
بسيوني
صحيفة الأهرام
19/2/2005
تسربت أخيراً
دراسة سرية أعدها مركز البحوث السياسية في وزارة الخارجية
الإسرائيلية تفضح السياسة الحالية التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية،
ويبدو واضحا أن "إسرائيل" تتظاهر بأنها لم تعد تكترث بمستقبل
الفلسطينيين، وليست معنية بالتوصل إلى حل سلمي - من أي نوع - معهم.
ويعتقد شارون
أن مبادرته للانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة وشمالي الضفة ستوفر له
الغطاء الكافي لكسب الوقت اللازم لإيجاد حقائق جديدة على الأرض في
الضفة الغربية وتحويلها إلى أمر واقع بشكل نهائي.
إن دافع
شارون لهذه المناورة التكتيكية واضح، ويتمثل في مدى رفض المجتمع
الدولي وإدانته غير المشروطة لاحتلال الأراضي الفلسطينية، واشمئزاز
من تصاعد موجة القمع والتعديات الإسرائيلية على حقوق الفلسطينيين،
ومما يشجع رئيس الوزراء الإسرائيلي على المضي في خياراته الهوجاء هو
اعتماده على الدعم المطلق الذي توفره له الولايات المتحدة، وعلى نحو
يجعله لا يعبأ من حيث المبدأ بمطالبات الدول الأوروبية والعربية له
بالوفاء بالتزاماته السابقة، واحترام القانون الدولي.
غير أن
الطريق الذي يمضي فيه شارون من شأنه أن يفضي إلى مطبات لا نهاية لها
إن لم تفض إلي طريق مشئوم ومسدود بشكل كامل، هذا ما توصلت إليه دراسة
مركز البحوث السياسية الإسرائيلي التي سبقت الإشارة إليه، فقد نبه
معدو الدراسة - بشكل منهجي وبمنطق متماسك - إلى أن "إسرائيل" يمكن أن
تدخل في المستقبل القريب في نزاع حقيقي مع دول الاتحاد الأوروبي، ومن
ثم تصبح مهددة بالتحول إلى دولة مارقة منبوذة، تماما كما حدث مع جنوب
إفريقيا خلال حكم نظام التفرقة العنصرية، وذلك إذا لم تجد وسيلة لحل
النزاع مع الفلسطينيين على نحو عادل يرضي جميع الأطراف.
لقد بني
المحللون الإسرائيليون من مركز البحوث السياسية حكمهم هذا على
اقتناعهم الكامل بأن دور أوروبا سيصبح محورياً على مستوى المنطقة
والعالم خلال السنوات الـ10 المقبلة، بينما ستفقد الولايات المتحدة
- الحليف الرئيسي لإسرائيل - الجزء الأكبر من تأثيرها على الساحة
الدولية خلال تلك الفترة، وإذا تمكنت الدول الـ25 الأعضاء في
الاتحاد الأوروبي من تجاوز خلافاتها الداخلية وتحدثت بصوت واحد، فمن
شأن ذلك أن يضاعف من وزنها علي الصعيد العالمي، وسيعطيها مكانة
دولية، وتأثيراً متزايداً بشكل مطرد، وعلى نحو يتناسب مع إمكاناتها
الاقتصادية الهائلة.
ويرجع سبب
تباطؤ الأداء الأوروبي دولياً حتى الآن إلى عجز الدول عن التغلب على
خلافاتها المتعلقة بسياساتها الخارجية، وانقسامها على نفسها بهذا
الشأن، ولعل تباين المواقف من حرب العراق كان أفضل تعبير عن هذا
الواقع الأوروبي، لكن عند توصل دول الاتحاد الأوروبي إلى وسيلة ما
لتوحيد سياستها الخارجية فإنه سيكون في مقدورها أن تقول لإسرائيل
بصوت واحد إن عليها أن تبدي قدراً أكبر من الاحترام للمواثيق
الدولية، وأن عليها أن تتخلى عن قدر مما تشعر به من حرية التصرف على
هواها فيما يخص النزاع مع الفلسطينيين - هذا ما يقوله بين السطور
باحثو وزارة الخارجية الإسرائيلية - ومجمل القول"
إن "إسرائيل"
يمكن أن تدفع غالياً ثمن تنافس قادم بين الولايات المتحدة، والاتحاد
الأوروبي، ومع أن الدول اليهودية ترتبط بعلاقات عميقة ومؤثرة للغاية
مع الدول الأوروبية، خاصة في مجالي التجارة والبحث العلمي، فإن ما
يفرق بين الطرفين عميق أيضاً للغاية، خاصة بالنسبة لوجهة النظر في
التعامل مع الفلسطينيين، وسبل حل النزاع الإسرائيلي معهم بشكل عادل
ونهائي، هذا علي الرغم من نجاح "إسرائيل" حتى الآن في تهميش دور
الأوروبيين في ملف الصراع في الشرق الأوسط، وفضلت عليهم بناء شراكة
استراتيجية أحادية مع الولايات المتحدة.
وقد يكلف
إصرار الإسرائيليين ومجازفتهم بوضع كل (البيض) في السلة الأمريكية
الكثير، وأقله أن تطبق عليهم العزلة مع حلفائهم المفضلين.
وهذا تحديداً
هو الرسالة التي سعى وزير الخارجية الفرنسي ميشيل بارنييه لتوصيلها
إلى شارون خلال لقائه الأخير معه، ومفاد الرسالة أن أوروبا لم تعد
مستعدة للاستمرار في أن ينظر إليها في الشرق الأوسط على أنها سوبر
ماركت كبير يأتيه من يريد جمع الشيكات بهذه الطريقة أو تلك، فالاتحاد
الأوروبي يعتبر نفسه أكثر أهمية بكثير من أن يهمش دوره في مجرد الدعم
المالي أو الفني، أو حسب عبارة بارنييه في مؤتمر صحفي لأوروبا دور
يمكن أن تلعبه في الشرق الأوسط، ونحن نريد أن نلعب هذا الدور كاملاً،
نريد أن نكون فاعلين على المستوي السياسي بحق.
وقد طالب
البرلمان الأوروبي قبل عامين - وإزاء تردي الوضع في الأراضي المحتلة
- بشطب وإلغاء الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي و"إسرائيل"، إذا
تحقق ذلك، فلن يستطيع أي طرف تعويض الخسائر الاقتصادية التي ستتكبدها
"إسرائيل"، وتجدر الإشارة إلى أن أوروبا هي الشريك التجاري الرئيسي
للدولة اليهودية، إذا تأتي 40% من وارداتها من أوروبا التي تستقبل
في الوقت نفسه30% من صادرات "إسرائيل".
ولا يستطيع
الأوروبيون - بالطبع - الاستمرار في وضعهم الحالي غير الفاعل، وذلك
لأنهم يجمعون على أن بقاء النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي مطلق دون حل
هو أحد أهم الأسباب التي تغذي الإرهاب وتزيده انتشاراً.
وفي تقديرنا
أنه على الرغم من أن محتويات الدراسة السرية التي أعدها مركز البحوث
السياسية في وزارة الخارجية الإسرائيلية تلفت النظر وتفضح السياسة
الحالية التي يتبعها شارون، إلا أن هذه الدراسة مرت بهدوء دون أن
تنال من الاهتمام القدر الذي تستحق، ولا شك أن تسريبها يدخل في إطار
الصراع الداخلي بين اليمين واليسار في "إسرائيل".
ولدى شارون
اقتناع بأن مبادرته للفصل أحادي الجانب تحقق لإسرائيل عدة مكاسب
منها:
أ - مكاسب
على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني والتوازن الديموغرافي.
ب - توفير
الغطاء الكافي لكسب الوقت اللازم لإيجاد حقائق جديدة على الأرض في
الضفة الغربية وتحويلها إلى أمر واقع بشكل نهائي.
ج - الضمانات
التي حصل عليها من الرئيس بوش بالنسبة للحدود وعدم العودة لخط 67
- وعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى داخل "إسرائيل" وضم الكتل
الاستيطانية الكبيرة.
وبرغم أن
"إسرائيل" لا ترغب في قيام الاتحاد الأوروبي بدور سياسي في الشرق
الأوسط، إلا أن أوروبا تريد أن تكون فاعلة على المستوى السياسي وليس
الاقتصادي فقط، وتمتلك أوروبا الإمكانات وأوراق الضغط حتى إذا لم يكن
لأوروبا قوة استراتيجية تضاهي قوة الولايات المتحدة.
لذلك فإنه من
الأهمية بمكان تعميق العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي - لأن دور
أوروبا سيصبح محورياً على مستوى المنطقة خلال العقد المقبل.
|