الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

شعب آيل إلى الاضمحلال

 

صقر أبو فخر

صحيفة السفير اللبنانية 25/7/2005

 

في أحد أيام الربيع من سنة 2005 اجتمع في مزرعة "واي" في الولايات المتحدة الأميركية، بشكل سرّي، عدد من النخب اليهودية ليقترحوا الحلول الممكنة لمشكلة تناقص عدد اليهود في العالم. واستند جدول أعمال هذا الاجتماع إلى سيناريو متشائم جداً يشير إلى أن "الشعب اليهودي" سيقع في سنة 2025 في ضائقة تهدّد وجوده. وتتمثل هذه الضائقة في أن عدد اليهود في العالم سيتقلص إلى 10 ملايين يهودي سيعيش 6 ملايين منهم في "إسرائيل" (ناتان غوتمان، هآرتس، 9/6/2005).

 

وكانت الهيئة الوطنية للاستطلاع السكاني اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية أصدرت في 8/10/2002 تقريراً استغرق إعداده خمس سنوات. وأظهر هذا التقرير أن عدد الأميركيين اليهود انخفض 5% بين سنة 1990 وسنة 2000، في الوقت الذي ارتفع المجموع العام للسكان 13%؛ ففي سنة 1990 كان عدد الأميركيين اليهود نحو 5,5 ملايين نسمة، بينما أصبح عددهم في سنة 2002 نحو 5,2 ملايين نسمة، أي بتراجع قدره نحو 300 ألف نسمة. وبحساب آخر، فإن يهود الولايات المتحدة الأميركية بدلاً من أن يزدادوا بنحو 715 ألف نسمة بين 1990 و2000 انخفض عددهم بنحو 300 ألف نسمة. أما الهجرة اليهودية من الولايات المتحدة إلى "إسرائيل" فقد كانت دوماً هامشية، وهي لم تصل في أي يوم إلى هذه الأرقام البتة.

 

اليهود شعب مندمج

ثمة فكرة شائعة جداً عن اليهود، ولا سيما في الكتابات العربية المعتادة، تقول إن اليهود شعب عصي على الاندماج، وهم، بسبب خصائصهم التكوينية، يسعون دوماً إلى العيش خارج المجتمعات التي يقطنون في ظهرانيها ويميلون إلى السكن في معازل خاصة بهم (غيتو). والحقيقة أن هذه الفكرة ساذجة وغير علمية على الإطلاق؛ فاليهود شعب مندمج بالتأكيد، وهم أُجبروا على العيش في "غيتوات" معزولة، ولم يكن هذا الأمر هو خيارهم الحر في أي عصر أو زمان، ودونكم البرهان.

إن أول من أدخل نظام الغيتو هو مجلس مدينة البندقية في سنة 1516. وهذا المجلس هو الذي أجبر اليهود، بسبب الكراهية المسيحية التقليدية لهم، على السكن في أحياء خاصة بهم وخاضعة للرقابة. وفي سنة 1616 فُرض الغيتو على يهود فرانكفورت، ثم على يهود فيينا في سنة 1624، فعلى يهود روسيا وبولونيا في سنة 1795. وقد كان للغيتو شأن كبير في المحافظة على بعض الخصائص التكوينية لليهود، ومنحهم، في الوقت نفسه، بعض الصفات المكتسبة، وساعدهم على العيش كمجموعات بشرية مميزة ومختلفة، إلى حد ما، عن محطيها. وهذا يشبه، بصورة أو بأخرى، حال الفلسطينيين في مخيمات اللجوء؛ فالمخيم كان له دور فائق الأهمية في المحافظة على العلائق العائلية، وعلى الصلات المناطقية الموروثة من المدن والأرياف الفلسطينية، وعلى اللغة المحكية، فضلاً، وهذا هو الأهم، عن العيش كجماعة لها قضية واحدة وأحوال متشابهة وتطلّعات مشتركة.

 

في جانب آخر، يلاحظ الراصد للتاريخ الديمغرافي لليهود أن هذا "الشعب" متناقص الغلة باطراد. ويعتقد بعض الدارسين اليهود أن عدد العبرانيين القدامى، قبل التهجير إلى بابل، بلغ 1,8 مليون نسمة، ووصل عددهم في نهايات القرن الميلادي الأول إلى 8 ملايين نسمة، وفي رواية أخرى إلى 5 ملايين (راجع: عبد الوهاب المسيري، "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، الجزء الثاني، القاهرة: دار الشروق، 1999).

 

ومع أن هذه الأرقام لا تتلاءم مع الأحوال السكانية في فلسطين وسورية والعراق في تلك الفترة، لأنه لو سلّمنا بهذه الأرقام لكان عدد اليهود وصل في بداية القرن العشرين إلى نصف مليار يهودي، إلا أن من الملائم الإشارة إلى أن عدد اليهود استمرّ في الزيادة المتدرجة ابتداء من سنة 1100 ميلادية حتى بلغ الذروة في سنة 1939 حينما وصل إلى 16,5 مليوناً، ثم هبط إلى قرابة 11 مليوناً في سنة 1945 بسبب المجازر النازية وغيرها من الأسباب.

 

وكانت المرة الوحيدة التي انخفض فيه عدد اليهود انخفاضاً حاداً ودراماتيكياً في أثناء السبي البابلي (568 ق.م.)، فوصل إلى 150 ألفا فقط، ما يعني أن جميع المسبيّين تقريباً انصهروا في السكان الأصليين وفقدوا هويتهم الدينية.

 

كانت سنة 1970 هي ذروة ما وصل إليه عدد اليهود في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، فبلغ إلى 14 مليوناً. ومنذ ذلك التاريخ فصاعداً بدأ عدد اليهود بالتناقص التدريجي؛ ففي سنة 1982 بلغ 988,600,12 مليوناً أي انه انخفض بمقدار 011,400,1 نسمة. وفي سنة 1984 صار عددهم 963,300,12، وفي سنة 1987 أصبحوا 934,600,12، وانخفضوا إلى 913,800,12 في سنة 1992، ثم إلى 800,000,12 في سنة 2004. وفي هذا السياق أورد البروفيسور سيرجيو بيرغولا، أستاذ الجغرافيا السكانية في الجامعة العبرية في القدس، أن عدد اليهود في بداية القرن العشرين كان يُقدّر بنحو 10,5 ملايين نسمة، وها هو في بداية القرن الحادي والعشرين صار أقل من 13 مليوناً. فأين ذهبت معدلات الزيادة الطبيعية؟ ولماذا تتناقص أعداد اليهود في العالم؟

 

الإبادة الصامتة

شاع مصطلح "الإبادة الصامتة" في الكتابات اليهودية المعنية بالمؤشرات السكانية. وهذا المصطلح يشير إلى عدة عناصر مجتمعة تشكل كلها معاً الرعب الجديد الذي يدقّ أبواب المؤسسات السياسية الإسرائيلية واليهودية، حتى أن البعض راح يردّد عبارة "موت الشعب اليهودي" بدلاً من مصطلح "الإبادة الصامتة". ومصدر هذا الرعب الجديد هو بالتحديد تناقص عدد اليهود. أما أسباب هذا التناقص فيمكن إيجازها بالتالي:

1 - الزواج المختلط.

2 - تزايد معدلات الاندماج في المجتمعات العلمانية.

3 - تزايد معدلات الذوبان.

4 - التحوّل إلى ديانات أخرى.

 

استناداً إلى هذه الأسباب، يبدو أن الاندماج والذوبان يهدّدان اليهود أكثر من تهديد العرب كلهم مجتمعين. ومهما يكن الأمر، فإن الاستنتاج الأولي يفصح أن اليهود شعب مندمج وليس عصياً على الاندماج كما هو شائع، وهو في طريقه إلى المزيد من الاندماج والذوبان في المجتمعات المتقدمة والمتجددة ما يبشّر، بالفعل، بأن مصير هذا الشعب لن يكون باهراً في المستقبل غير البعيد، ولا سيما إذا بدأ التدهور يدبّ في أوصال الإمبريالية الأميركية مع صعود أقطاب جديدة إلى حلبة التنافس العالمي، وبالتحديد إذا خلّعت الصين أبواب أسوارها وخرجت إلى مياه المحيط الهادئ.

 

يهود الهوامش

حيال هذا الخطر الداهم، ولزيادة أعداد اليهود، خضعت بعض المؤسسات الدينية لمقتضيات السياسة والأمر الواقع والمصالح. ويجري الآن إعادة إدخال يهود الهوامش إلى اليهودية على أيدي حاخامين متساهلين. ويهود الهوامش هم أولئك الأفراد من غير اليهود في العائلات المختلطة، أو أبناء العائلات المختلطة من اليهود الذين لم يترعرعوا على المبادئ اليهودية، أو المهاجرون من دول الاتحاد السوفياتي الذين لم يتلقوا أي تربية يهودية، أو المهاجرون المشكوك في يهوديتهم. وفي هذا المجال قررت الحكومة الإسرائيلية في كانون الثاني 2005 أن يعود 600 من الفلاشمورا الأثيوبيين في كل شهر إلى "إسرائيل".

 

والفلاشمورا جماعة أثيوبية يصل عددها إلى نحو عشرين ألف نسمة، وهؤلاء كانوا يهوداً واعتنقوا المسيحية في القرن التاسع عشر. والآن، لأسباب اقتصادية معلومة، يتسابقون على الهجرة إلى "إسرائيل" بعدما لمسوا إغراءها لمس اليد لدى يهود الفلاشا. وعلى من يرغب في الانتقال إلى "إسرائيل" أن يثبت أن واحداً من أجداده كان يهودياً. ومن المتوقع إنجاز هذه العملية بحلول سنة 2008.

 

إذا كان مصير اليهود سديميا كغبار المدائن، وإذا كان مستقبل الولايات المتحدة الأميركية مضطرباً كأحوال جيشها في العراق اليوم، فهل سينتزع العرب والفلسطينيون مستقبلاً لهم في معمعان هذه البلبلة الشاملة؟