|
صادرات "إسرائيل" العسكرية وأزمة الثقة مع
الولايات المتحدة
ماجد كيالي
صحيفة
الوطن السعودية 13/8/2005
يعتبر قطاع
الصناعة العسكرية من أهم القطاعات الصناعية في "إسرائيل"، بالنظر
لأهميته الاستراتيجية في العديد من الجوانب. مثلاً، فهو من الناحية
الأمنية يمنح "إسرائيل" شعوراً من الثقة بنفسها ويعزز اعتماديتها على
ذاتها. ومن الناحية السياسية فإن قدرة "إسرائيل" على إنتاج الأسلحة
الحديثة واحتكار التسلح النووي يمنحها قوة سياسية مضافة. أما من
الناحية التكنولوجية فإن قطاع الصناعات العسكرية يقدم مساهمة كبيرة
في تطوير مختلف الصناعات المعتمدة على التكنولوجيات الحديثة، نظراً
للموازنة الكبيرة المرصودة للأبحاث والمخابر المتقدمة الموجودة في
خدمتها. وبالنسبة للناحية الاقتصادية فإن إنتاج السلع العسكرية يوفّر
على "إسرائيل"، ويمكّنها من تعديل ميزانها التجاري، حيث إن الصادرات
العسكرية الإسرائيلية تبلغ 2 - 3 مليارات دولار سنوياً، أي ما نسبته
سدس الصادرات التجارية الإسرائيلية.
وتحتل
"إسرائيل" موقعاً مرموقا بين الدول المصدرة للسلاح في العالم، فهي
ضمن أكبر خمس دول مصدرة للسلاح في العالم، مع الولايات المتحدة
وروسيا وفرنسا وبريطانيا، ويشكّل التصدير الأمني الإسرائيلي عُشر
إجمالي التصدير الأمني في العالم. وبحسب شاؤول موفاز فإن التصدير
الإسرائيلي، في مجال الصناعات العسكرية، بلغ في عام 2003 حوالي 3
مليارات دولار، في حين أن صادرات التسلح العالمي بلغت في ذلك العام
حوالي 30 مليار دولار. وبرأي موفاز فإن هذا إنجاز بأي مقياس كان..
يعكس كون "إسرائيل" دولة عظمى بلا ريب في مجال التصدير الأمني"
(معاريف24/5/2004).
يذكر أن
"إسرائيل" لا تبتغي من دخول سوق الأسلحة تحقيق مكاسب اقتصادية فقط،
وإنما هي تبتغي جني مكاسب سياسية أيضاً، حتى لو تم ذلك على حساب
حليفتها وحاضنتها الاستراتيجية، أي الولايات المتحدة الأمريكية.
وما يلفت
الانتباه في هذا المجال أن "إسرائيل" تتصرف في مجال تصدير السلع
العسكرية، كما في مختلف جوانب سياستها الخارجية، وكأنها دولة عظمى أو
كأنها دولة استثنائية فوق القانون والمعايير الدولية وفوق الولايات
المتحدة ذاتها.
معلوم أن
"إسرائيل" اتهمت بأنها تعمدت نقل التكنولوجيا العسكرية الأمريكية إلى
الصين، كما أنها اتهمت بتصدير السلع العسكرية إلى نظام الفصل العنصري
في جنوب إفريقيا (سابقاً)، وحتى إنها اتهمت بالتجسس على الولايات
المتحدة ذاتها (قضيتي جوناثان بولارد والمحلل في البنتاجون لورانس
فرانكلين الذي اتهم مؤخراً بتسريب وثائق عسكرية إلى موظفين في
"الإيباك" مثلاً).
وتشهد
العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل"، في هذه
المرحلة، توتراً ملحوظاً على صعيد علاقات التعاون العسكري المتبادل
بينهما، على خلفية صفقة بيع الطائرات بدون طيار للصين من نوع
"هاربي"، وهي صفقة كانت وقعت بين "إسرائيل" والصين في عام 1999، برغم
معارضة الولايات المتحدة لها. وبحسب تقرير نشره المحلل العسكري
الإسرائيلي زئيف شيف في هآرتس (12/6) فإن الولايات المتحدة فرضت
مؤخراً عقوبات مشددة على "إسرائيل" تضمنت المس بصفقات أمنية،
وبمشاريع مشتركة وتعاون في مجال تبادل المعلومات بين الدولتين حول
منظومات سلاح متقدمة.
ما يثير
الانتباه في هذا التقرير ليس الصفقة في حد ذاتها، وليس التوتر في
العلاقات بين "إسرائيل" والإدارة الأمريكية بشأنها، فإضافة إلى هذا
وذاك فإن ما يثير الانتباه في التقرير الطلب الذي تقدمت به الإدارة
الأمريكية ل"إسرائيل" لحل الخلاف والمتضمن الضغط عليها لكشف تفاصيل
عن أكثر من 60 صفقة نفذتها "إسرائيل" مع الصين في السنوات الأخيرة(!)
كي تتمكن واشنطن من إجمال الأضرار التي لحقت بأمنها، فيما إذا كانت
وقعت مثل هذه الأضرار.
وبالطبع فإن
الإدارة الأمريكية تقدمت بطلبين آخرين أحدهما يرمي إلى تشديد الرقابة
على منظومة تصدير السلاح الإسرائيلي، وثانيهما يطالب بالتنسيق بين
الدولتين في كل ما يتعلق بالتصدير الأمني الإسرائيلي.
ما يثير
الانتباه أيضاً أن "إسرائيل" تحاول أن تتجرأ على حاضنتها وضامنة
أمنها وتفوقها في المجالين العسكري والتكنولوجي، أي الولايات
المتحدة، من خلال إيجاد نوع من الشراكة الاستراتيجية مع الصناعات
العسكرية الأوروبية.
في هذا
الإطار كشف أمنون بارزيلاي مضمون وثيقة وضعت على طاولة مدير عام
وزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس يارون، أعدها دافيد داهن، ممثل وزارة
الدفاع لشؤون الناتو ومؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل، بالتعاون
مع مساعد عام وزارة الدفاع، يكوتئيل مور. وتتحدث هذه الوثيقة عن توقع
أن تكون المنافسة على سوق السلاح إحدى بؤر الاحتكاك بين أوروبا
والولايات المتحدة ما يعتبر فرصة سانحة ونادرة أمام "إسرائيل"
لاستغلال الخصومة بين القارتين لتزيد من صادراتها العسكرية إلى
أوروبا. الإمكانيات التي تلوح ل"إسرائيل" حسب الوثيقة نابعة من
التفوق التكنولوجي الذي تتميز به الصناعات العسكرية الأمريكية على
نظيرتها الأوروبية، و"إسرائيل" تملك بعض هذه التكنولوجيات التي تفتقر
لها أوروبا. هكذا يمكن لأوروبا التغلب على هذه الفجوة في مواجهة
أمريكا من خلال "إسرائيل". ومن هذه الأسلحة: الطائرات من دون طيار،
والذخيرة المحمولة جواً المحكمة الإصابة، وأجهزة الدفاع ضد الصواريخ
البالستية، والصواريخ المضادة للدبابات، وطائرات التجسس للإنذار
المبكر، وأجهزة الرؤية الليلية، وأجهزة القتال الإلكترونية، ووسائل
الحراسة للدفاع عن الحدود. الوثيقة توصي بوسائل وأساليب عمل جديدة
يجدر تبنيها لاستغلال الفرصة السانحة مثل قيام الصناعات الجوية
الكبرى في "إسرائيل" بالشراكة الاستراتيجية مع نظيرتها الأوروبية،
وهذا الأمر يمكنها من بيع أسلحتها للدول الأوروبية ولأعضاء الناتو.
(هآرتس 9/6/2003)
هكذا يمكن
الاستنتاج أن "إسرائيل" تحسب في مجمل علاقاتها وتصرفاتها ومواقفها
حسابات المستقبل، فبرغم علاقاتها المتميزة والفريدة مع الولايات
المتحدة تريد أن توثق علاقاتها مع أوروبا ومع الصين (الصاعدة)،
بالنظر للعوائد السياسية والأمنية والاقتصادية الناجمة عن هذه
العلاقات. وربما على هذا الأساس يمكن ملاحظة علاقات التعاون
العسكري/التكنولوجي والأمني، التي تربط "إسرائيل" بالهند وتركيا
والصين في القارة الآسيوية، لاسيما لجهة إمداد هذه الدول بتكنولوجيا
التسلح والاتصالات الحديثة؛ رغم معارضة الولايات المتحدة أحياناً.
بالنسبة
للولايات المتحدة، التي تتمتع بمركز المصدّر الأول للسلاح في العالم،
فقد اعتادت على ما يبدو على هذه التصرفات الإسرائيلية، ولكنها تريد
أن تتحكم بعمليات تصدير، بالنسبة للدول التي تريد تسليحها وكمية
السلاح ونوعيته؛ ولذلك فهي تبدي بعضاً من الضغط على "إسرائيل" حيناً،
وتغض الطرف حيناً آخر.
وبالنسبة
ل"إسرائيل" فمن المعروف، أيضاً، أن الولايات المتحدة هي التي أمدتها
بأحدث ما في ترسانتها الحربية من أسلحة لضمان تفوقها النوعي في هذه
المنطقة، وساهمت في تعزيز قدراتها التكنولوجية، وغضّت عن احتكارها
للتسلح النووي في الشرق الأوسط، كما أنها أقامت معها علاقات متميزة
على صعيد تبادل الخبرات في مجال الأبحاث المتعلقة بإنتاج الأسلحة،
وفوق كل ذلك فثمة تمويل أمريكي سنوي منتظم للجيش الإسرائيلي يقدر
بحوالي ملياري دولار.
المعنى أنه
لا يمكن المراهنة على التجاذبات الأمريكية ـ الإسرائيلية في هذا
المجال، وربما أن الولايات المتحدة، التي تضغط على "إسرائيل"، تريد
أن توجه أيضاً رسالة إلى المعنيين بأنها هي القطب الأوحد الذي يتحكم
بالتسلح في العالم. أما "إسرائيل" فهي تدرك حدود اللعبة جيداً وتتصرف
على هذا الأساس، ولكنها تحاول توسيع الهامش المتاح لها.
* كاتب فلسطيني
|