الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

ماذا فعل شارون في باريس؟

 

د.غسان العزي

صحيفة الخليج الإماراتية 7/8/2005

 

هل نجحت زيارة شارون الأخيرة إلى باريس في التأسيس لعلاقة جديدة مع فرنسا وصفها في حديثه لإذاعة "أوروبا 1" بـ"بزوغ عهد جديد" و"عودة الماضي المشرق كما كان في الخمسينات والستينات" من القرن المنصرم؟ وقتها كانت فرنسا الداعم الأول في العالم للدولة العبرية، حتى في المجال الذري حيث بنت لها مفاعل ديمونة وساعدتها على التحول إلى قوة نووية.

 

هل كرست زيارته هذه قراراً اتخذته باريس منذ عام تقريباً (قمم سي  آيلاند واستنبول وايرلندا في يونيو/حزيران 2004 ثم القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في بداية سبتمبر/أيلول من العام نفسه) بإعادة النظر في كل سياساتها الدولية (العلاقة مع واشنطن) والشرق  أوسطية (العلاقة مع العرب و"إسرائيل")؟

 

المحللون القريبون من الدولة العبرية يروجون لمثل هذا الرأي ويعولون الكثير من الآمال على اللجنة المشتركة "الإسرائيلية" الفرنسية التي تم الاتفاق عليها لبلورة تحسين العلاقة الثنائية.

 

هذه الزيارة، الأولى منذ العام 2001، لمن اعتبرته باريس في مثل هذه الأيام من العام الماضي "شخصاً غير مرغوب فيه" إثر دعوته اليهود الفرنسيين للهجرة إلى "إسرائيل"، هي نجاح خالص بكل المقاييس والمعايير. استقبال الرئيس شيراك له كان في غاية الحفاوة واللقاء بينهما كان "ودياً وحاراً وممتعاً" حسب ما صرح شارون. كذلك كانت استضافة رئيس الوزراء دوفيلبان له في قصر "ماتينيون". وللتذكير فقط فقد رفض شارون، في العام 2003، استقبال دوفيلبان نفسه الذي كان وزيراً للخارجية بسبب زيارة قام بها لياسر عرفات المحاصر في رام الله. والصحافة الفرنسية التي طالما استهزأت بالرئيس بوش لوصفه شارون ب"رجل السلام" لم تعد تبخل على هذا الأخير بكل نعوت الشجاعة والجرأة والتضحية لأجل السلام بسبب قراره الانسحاب الأحادي من غزة، معتبرة أنه يعيش حصاراً قاسياً بين المستوطنين الصهاينة من جهة و"الإرهاب الفلسطيني" من الجهة الأخرى. أكثر من ذلك فقد جدد شارون دعوته لليهود الفرنسيين بالهجرة إلى "إسرائيل" وهي دعوة تسببت له بهجوم سياسي وإعلامي فرنسي شامل في العام الماضي، أما اليوم فقوبلت هذه الدعوة نفسها بالتفهم والتبرير.

 

هذا التقارب المتسارع واللافت مع "إسرائيل" يقابله تباعد فرنسي مقصود مع دمشق التي يمكن القول إن لقاء شارون وشيراك أراد أن يرسل إليها عدداً من الرسائل المتشددة. فقد تعمد شارون التصريح عقب خروجه من الاليزيه بأن "الفرنسيين يتفهمون الخطر السوري والخطر الذي يمثله حزب الله"، مؤكداً "أن هناك تغييراً أساسياً في التفهم الذي تبديه أوروبا، وخصوصاً فرنسا، حيال "إسرائيل".. إننا نلمسه". وفي حين تعمدت باريس تجاهل مواضيع مثل الجولان المحتل والدعوات السورية للتفاوض مع "إسرائيل" من دون شروط فإنها كررت مطالبتها دمشق بعدم التدخل في الشؤون اللبنانية، معتبرة أن هذه الأخيرة لم تفهم بعد مغزى التنسيق الفرنسي  الأمريكي في لبنان، متوعدة إياها بالمزيد من التشدد وبالعقوبات الدولية إذا استمرت سياستها اللبنانية على ما هي عليه.

 

لم يفوت شارون فرصة استغلال الأجواء الإيجابية للزيارة لتمرير مواقفه المعهودة في مواضيع مثل مكافحة اللاسامية والإرهاب وخريطة الطريق والحل النهائي ولبنان وسوريا والملف النووي الإيراني وغيرها، كإشارة إلى أن الفرنسيين هم الذين يسيرون في اتجاه سياسته وليس العكس. أكثر من ذلك فقد اتفق البلدان على تعزيز العلاقة الثنائية في كل المجالات بما فيها العسكرية والاستراتيجية. وقد لاحظ أحد الدبلوماسيين المرافقين لشارون أن "المسائل المتفق عليها بين الجانبين لم تكن يوماً بهذا العدد"، وبأن "فرنسا ترغب في العودة إلى الشرق الأوسط وقد أدركت أنه لا يمكنها أن تفعل ذلك من دون المرور عبر القدس" مضيفاً أن ""الإسرائيليين" يبدون وللمرة الأولى منذ عقود تأييداً لكي تلعب فرنسا دوراً أكبر في النزاع مع الفلسطينيين". هذا الدور رسمه شارون مسبقاً وهو "إفهام الفلسطينيين بأن عليهم مكافحة الإرهاب" كشرط للاستمرار في العملية السلمية، قبل أن يؤكد في لقاء مع عدد من الجمعيات اليهودية أن الانسحاب الأحادي من غزة هو عمل "فريد وأخير" ولن يتكرر في مناطق أخرى، وأن حكومته ماضية في بناء الجدار، وأن القدس لن تكون موضوعاً للتفاوض مع الفلسطينيين، كذلك التجمعات الاستيطانية الكبرى في الضفة، وأن لا وجود لشيء اسمه حق العودة، وأن حكومته لا يمكن أبداً أن تتهاون مع الإرهاب وأن تقدم أي تنازل أو تساهل يؤثر في أمن مواطنيها.

 

رغم ذلك سمع الضيف "الإسرائيلي" كلاماً مشجعاً ومهنئاً من الرئيس شيراك الذي اعتبر "القرار التاريخي الشجاع" بالانسحاب من غزة خطوة في سبيل تطبيق خارطة الطريق وإعادة بعث العملية السلمية برمتها.

 

لا غرابة في أن يمتدح شيراك قرار شارون الانسحاب من غزة، فمحمود عباس نفسه عدا عن رؤساء عرب قبل الأجانب وجهوا ل"بطل" مجازر صبرا وشاتيلا وجنين وغيرها كلاماً فيه الكثير من الإطراء والتشجيع، رغم إعلانات مستشاره فايسجلاف عن الهدف الحقيقي من وراء هذا القرار. لكن المشكلة أن العالم محتاج إلى خطوة ما تحرك المياه الراكدة في الشرق الأوسط وتخلط الأوراق من جديد، وإذ يقرر شارون أن يخطوها بنفسه فإنه يحقق أرباحاً سياسية هائلة من دون أن يدفع شيئاً من جيبه. فغزة، التي كان يحلم رابين لو أن البحر يبتلعها بالكامل، ليست سوى هدية ملغومة لطالما أبدت الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة الرغبة في تسليمها إلى الفلسطينيين في إطار اتفاق سياسي وأمني معين.

 

الأوروبيون، والفرنسيون على وجه التحديد، يحتاجون إلى الخطوة الشارونية لتبرير توجههم الجديد صوب الولايات المتحدة وحليفتها العبرية. هذا التوجه الجديد يعبد السبيل أمامهم نحو الشرق الأوسط حيث يحتاجون إلى جواز مرور أمريكي "إسرائيلي"، ذلك أن التقارب مع العرب لم يأت عليهم بالأرباح المتوخاة. وعلى كل فإن نفاذ الفرنسيين والأوروبيين إلى المنطقة يبقى مصلحة فلسطينية وعربية إذا لم تتخل أوروبا عن ثوابتها الاستراتيجية حيال الصراع العربي "الإسرائيلي".

 

شيراك احتاج إلى شارون لمواجهة الصعوبات الداخلية التي تفاقمت بعد التصويت الشعبي السلبي للدستور الأوروبي. وقد تسابقت الجمعيات اليهودية على مديح الإجراءات الفرنسية الجديدة في مجال مكافحة اللاسامية. شارون احتاج إلى شيراك، ومن ورائه أوروبا، لتلميع صورته في الداخل "الإسرائيلي" والخارج على حد سواء، وكان له ما أراد على خلفية مرحلة جديدة سوف تنبثق من الانسحاب الأحادي من غزة والاستمرار في الاستيطان وبناء الجدار.

 

عدا ذلك وبعيداً عن حسابات المصالح الآنية أو المستديمة يصعب القول إن المواقف الفرنسية الأخيرة وتحديداً منذ صدور القرار 1559 تسير في اتجاه استراتيجي جديد يقطع مع الديغولية التقليدية. فقرار القطيعة هذا يتطلب إعادة نظر شاملة في ثوابت سياسة فرنسا الخارجية والشرق أوسطية وفي وموقع هذه القوة العظمى على الخارطة الدولية ومفهومها للنظام الدولي. ومن المؤكد أن شيراك لن ينخرط في مثل هذه الورشة كرمى لعين شارون، الذي تبقى مواضيع الاختلاف معه أكثر من أن تحصى رغم كل الابتسامات والمصافحات أمام الكاميرات (الاستيطان، الجدار، خارطة الطريق، مسائل الحل النهائي، متابعة تنفيذ القرار 1559 والموقف من حزب الله تحديداً، العراق...إلخ). ولا استرضاء لبوش الذي يبحث عن مخرج من الورطة العراقية، وبات يسعى وراء باريس للتنسيق معها في شؤون دولية كثيرة بعد أن وصفها وزير دفاعه رامسفيلد بالعجوز.