الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

شارون يريد من أوروبا... يهودها

 

سميح صعب

صحيفة النهار اللبنانية 30/7/2005

 

لن يتأخر آرييل شارون في توظيف الانفتاح الأوروبي عليه من خلال زيارة فرنسا، لتعزيز خطواته الأحادية الجانب في الأراضي الفلسطينية دون الالتفات إلى ركائز موقف أوروبا الداعي إلى الجلوس مع الفلسطينيين للبدء في تنفيذ "خريطة الطريق".

 

وشارون أصلاً هو من المؤمنين بأن أوروبا يجب ألا تضطلع بأي دور سياسي في الشرق الأوسط، غير ذلك الدور الإنساني الذي يخفف على الفلسطينيين معاناتهم اليومية التي تتسبب بها "إسرائيل" نفسها. وبكلام آخر لن تغيّر زيارة فرنسا في اقتناع شارون بأن أوروبا يجب أن يقتصر دورها على الإغاثة فقط، أو على تمويل أي اتفاقات يمكن أن يتم التوصل إليها مستقبلاً برعاية أميركية.

 

أما لماذا قبل شارون بزيارة فرنسا، فإن ذلك عائد في الدرجة الأولى إلى رغبته في حض الحكومة الفرنسية على "تهجير" اليهود الفرنسيين إلى "أرض "إسرائيل""، ضمن السعي إلى استقدام مليون يهودي من العالم إلى "إسرائيل" في غضون السنوات الـ15 المقبلة. ولأن يهود فرنسا هم ثالث جالية يهودية في العالم، بعد الولايات المتحدة و"إسرائيل"، فإن التقارير الإسرائيلية تسلط الضوء بشكل متزايد على حوادث معاداة السامية في أوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً.

 

وهكذا لا يريد شارون من أوروبا غير يهودها، إذ إن "إسرائيل" ترفض السياسة التي تعتبرها متحيزة إلى جانب العرب. واستناداً إلى هذه القاعدة رفضت "إسرائيل" حتى الآن أي توسط أوروبي في الصراع العربي الإسرائيلي. وينسحب ذلك على كل الاتجاهات السياسية في "إسرائيل" من اليسار إلى اليمين والعلمانيين والمتدينين.

 

ولم يخف شارون، قبل زيارته فرنسا وخلالها وبعدها، هذه الرغبة التي طغت على كل التصريحات التي أدلى بها. أما الجانب الآخر من كلامه فكان إطلاق التهديدات ضد السلطة الفلسطينية و"حماس" و"الجهاد الاسلامي" و"حزب الله" وسوريا. وكأنه بذلك يريد حماية خطواته الأحادية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

ولم يكن في الإمكان لمس أي تأثير للموقف الفرنسي أو الأوروبي على شارون خلال وجوده في باريس، فهو لم يقدم أي تعهد مثلاً بجعل الانسحاب الأحادي من قطاع غزة، خطوة أولى نحو تنفيذ "خريطة الطريق"، ولم يقدم أي ضمان لعدم إغلاق القطاع بعد الانسحاب، ولم يوح أن "إسرائيل" عازمة على ربط القطاع بالضفة الغربية. وكل ما قاله شارون كان تهديد الفلسطينيين بأنهم لن يروا الدولة، إذا لم تقم السلطة الفلسطينية بتفكيك "حماس" و"الجهاد". وفي هذا ابتعاد مطلق عن الموقف الأوروبي الداعي إلى دمج الانسحاب من غزة بـ"خريطة الطريق" وبوقف الاستيطان في الضفة كي يكون في الإمكان إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

 

لقد بدا شارون قبيل أيام من بدء انسحابه من غزة، أكثر تصميماً على إجهاض أي مبادرة دولية وفي مقدمها "خريطة الطريق". وبدا أكثر تمسكاً بأن "فك الارتباط" إنما هو مجرد خطوة "مؤلمة" يتخذها من أجل مصلحة "إسرائيل" على المدى البعيد، فالانسحاب من غزة، من وجهة نظره، هو الخطوة التي لا بد منها على طريق ابتلاع أوسع الأجزاء من الضفة الغربية والقدس الشرقية. أما العودة إلى المفاوضات فمشروطة بقبول السلطة الفلسطينية الدخول في حرب أهلية مع الفصائل الفلسطينية.

 

إن شارون مقتنع بأن فرنسا هي المخطئة في حق "إسرائيل" عندما ألغت تعاونها العسكري معها إثر حرب 1967، وبسبب اتخاذها موقفاً متوازناً من الصراع العربي الإسرائيلي، ودعوتها الدائمة إلى حل هذا الصراع بالوسائل السلمية. ولذلك اتخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي دوماً موقفاً عدائياً حيال كل ما يصدر عن باريس في ما يتعلق بقضايا المنطقة. وربما كان الالتقاء الوحيد اليوم بين "إسرائيل" وفرنسا هو الدعوة إلى تطبيق القرار 1550 في لبنان. أما في ما يتعلق بالجوانب الأخرى من الصراع، فإن نقاط الالتقاء تكاد لا ترى.

 

وفي الإجمال سيستفيد شارون من الانفتاح الفرنسي عليه كي يواصل ضغطه على الفلسطينيين، وهو لم يخف مطالبته الرئيس الفرنسي جاك شيراك بالضغط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس كي يمضي في المواجهة مع "حماس" و"الجهاد".

 

أضف إلى ذلك رفض "إسرائيل" القاطع لبدايات الحوار بين الاتحاد الأوروبي وبعض المسؤولين في "حماس". وهذه الخطوة كانت سبباً آخر ساهم في اتساع انعدام الثقة بين "إسرائيل" وأوروبا.

 

بعد أميركا، يسعى شارون إلى تطويع الموقف الأوروبي وجعله أكثر مواءمة مع سياسة "إسرائيل"، بدءاً بهجرة المزيد من اليهود إلى الدولة العبرية وانتهاء بمحاولة إملاء المواقف على الفاتيكان!