الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

تركيا و"إسرائيل": تحالف وتضارب المصالح

 

بقلم: محمد الخولي

صحيفة البيان الإماراتية 28/7/2005

 

في سنة 1949، اعترفت تركيا بالكيان الصهيوني في "إسرائيل". ولم يكن ذلك غريباً.. فلم تكن قد انقضت سوى إحدى عشرة سنة على وفاة كمال أتاتورك الذي فرض مذهب العلمانية على تركيا ونقل عاصمتها من اسطنبول بكل ذكرياتها الإسلامية إلى أنقرة في وسط هضبة الأناضول وعمل جاهداً على قطع الأواصر التي كانت تربط تركيا بماضيها الإسلامي وبما يجاورها من الدول العربية - المسلمة.

ولم يفت "إسرائيل" على مدار سنوات الحرب الباردة التي دامت أكثر من 40 عاماً أن تفيد من توتر علاقات تركيا بالعالم العربي من جهة وبأميركا - حامية "إسرائيل" الأولى - من جهة أخرى. وظلت كل من أنقرة وتل أبيب تعيشان ما يمكن أن نصفه بأنه «شهر .. بل شهور عسل» متوالية من التعاون الاقتصادي والتآزر السياسي العسكري بين الطرفين.

ولم ينس الطرف العربي دور تركيا - منذ منتصف القرن الماضي - في تأسيس وتكريس الأحلاف التي كانت تقصد إلى إدخال الأقطار العربية - المشرقية بالذات - ضمن دوائر نفوذ كل من الاستعمار القديم (إنجلترا) والاستعمار الجديد (أميركا) وكان في مقدمتها كما هو معروف الحلف المركزي وحلف بغداد.

صحيح أن نفرا من عقلاء السياسة التركية كانوا يبذلون مساعي حثيثة لا تنكر من أجل تصحيح وضعية تركيا بوصفها - على مستوى شعبها بالذات - بلداً إسلامياً في التحليل الأخير وبهذا انضمت أنقرة لعضوية المؤسسات الناطقة باسم العالم الإسلامي، لكن الصحيح أيضاً أن ظلت محالفة "إسرائيل" وتركيا بمثابة بنيان قوي ودينامي أو كانت جداراً من تلك التي ظلت تستند إليها "إسرائيل" في مواجهتها ضد العرب بشكل عام وفي الإمعان في توسيع مطامعها الإقليمية على حساب فلسطين: الأرض التاريخية.. الشعب العربي والقضية العادلة والحقوق الأساسية غير القابلة للتصرف أو التجاهل أو الإنكار.

ولأن تبّدل الأحوال هو قانون الحياة فوق هذه الأرض، فربما حان أوان هذا التغيير في علاقات أنقرة و"إسرائيل" منذ سنوات عقد التسعينات ولا سيما بعد أن وصل إلى سدة الحكم في تركيا حكومات منتخبة ديمقراطياً ولكنها تمثل أحزاباً وتيارات سياسية فاعلة ومؤثرة تقول بالفم المليان:

- إن تركيا - رغم كل شيء هي بلد لا يزال مواطنوه يدينون بالإسلام. - وأن الثقافة الإسلامية في استنارتها وأبعادها الحضارية لا تتعارض بحال من الأحوال مع التواصل مع أوروبا ولا مع طموحات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بوصفها جزءاً استراتيجياً وبالغ الأهمية من القارة المذكورة ولا تتناقض في الوقت ذاته مع طموحات التحديث والأخذ بآخر ما توصل إليه عصر الفضاء وثورة المعلومات وزمن الحواسيب الإلكترونية مع مطالع القرن الحادي والعشرين.

وفي ظل الحكومات التركية الراهنة ذات التوجه الإسلامي - الحضاري والعصري والتحديثي - كما قد نسميه، وقعت تأثيرات الحدث الأخطر الذي شهدته منطقة الشرق الأوسط في ربيع عام 2003 وهو غزو العراق وإسقاط نظام البعث السابق في بغداد ومن ثم تعريض عراق - ما بعد الغزو عبر مساحاته المترامية وتركيبته الديمغرافية المتعددة المتنوعة إلى ألف ألف احتمال.

ورغم أن العالم ما برح يتابع تطورات المأساة التي ما زالت تتكشف فصولها الدامية في العراق فإن ثمة صراعاً حثيثاً آخر ما زال يسري تحت السطح وربما يصعب من المنظور العادي متابعته وتحليل أبعاده أو التنبؤ بنتائجه: ذلك هو الصراع الذي يجري بين حليفي الأمس.. تركيا و"إسرائيل". إنه الصراع الذي يدور فوق رقعة الأرض الواقعة في شمال العراق.. وفي المنطقة الكردية بشكل خاص.

ولقد سبق أن نشر الكاتب الأميركي المحقق «سيمور هيرش» دراسة صافية عن محطات الرصد والتنصت التي أنشأتها "إسرائيل" في شمال العراق وعرض بالذات ما تقوم به "إسرائيل" في تلك المنطقة الحساسة من عمليات تجسس وتصنت ومتابعة سرية لكل الأنشطة الإيرانية وخاصة ما يتعلق منها كما أوضح الصحافي الأميركي بجهود طهران في مجال تطوير الطاقة النووية (أصدر «هيرش» في هذا الخصوص كتابه المهم عام 2004 بعنوان: (التسلسل القيادي: الطريق من 11 سبتمبر إلى أبو غريب).

وثمة دراسة مهمة أخرى، قام بها هذه المرة باحث تركي رصين هو البروفيسور مصطفى كبار أوغلو، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة «بلكنت» في أنقرة وقد أعدها الباحث التركي خلال إجازة دراسية أمضاها في جامعة «هارفارد» بالولايات المتحدة وعنيت بنشرها مجلة «ميدل إيست جورنال» المعنية من واقع اسمها بقضايا الشرق الأوسط - العالم العربي (واشنطن، ربيع عام 2005).

الدراسة التركية تحمل عنواناً يدل في منطوقه على مضمون القضية وهو: ... صراع المصالح حول شمال العراق أفضى بالمحالفة - التركية - الإسرائيلية إلى مفترق طرق. الاتجاه العام للدراسة يبدأ بالاعتراف - على نحو ما ألمحنا - بازدهار علاقة الطرفين الإسرائيلي والتركي حتى الماضي القريب على نحو أدهش الأصدقاء وأزعج الخصوم كما يقول الأستاذ «كبار أوغلو». ولكن جاءت حرب أميركا في العراق لتكشف أن «الحليفين القديمين» ما زال لكل منهما أهداف متعارضة ومصالح متباينة وشواغل متناقضة فيما يتعلق بإعادة تشكيل (هيكلة) عراق - المستقبل.

وعلى سبيل التفسير أو التفصيل تضيف الدراسة التركية قائلة: تركيا من جانبها تخشى قيام دولة كردية، مستقلة في شمال العراق (والإشارة هنا بالطبع إلى ما عمدت وتعمد إليه قوات التحالف المحتل في أرض الرافدين من تعزيز قبضة الأطراف الكردية على شمال البلاد حيث تتحول الأوضاع من إدارة محلية إلى حكم ذاتي ومن ثم إلى استقلال وتسيير ذاتي وهياكل تكاد تكون مستقلة عن الحكومة المركزية في بغداد) هذا فضلاً عن إشارات متكررة وتلميحات لا تخفى على المراقب السياسي إلى كردية كركوك وهي كبرى مدن الشمال العراقي وهي أيضاً أهم مراكز نفط الشمال.

وذلك رغم تعددية الطابع الأثني لتلك المدينة التي ظل يشارك في سكنها - عبر التاريخ - عرب وتركمان وأكراد وغيرهم حيث ظلت تجمعهم أيضاً عباءة الوطن العراقي الموحّد). على الضفة الأخرى من الصراع تتجسد - للأسف - مصلحة "إسرائيل" في قيام دولة كردية في الشمال (منسلخة بالتالي عن الكيان الوطني العراقي) وفي هذا يقول البروفيسور«مصطفى كبار أوغلو»:

- إن "إسرائيل" ترى دولة كردية مستقلة بشمال العراق أمراً مفيداً لها من وجهة النظر الأمنية بمعنى تأمين "إسرائيل" من التهديدات التي تتوقعها من جانب أقطار مثل إيران وباكستان وما يتجاوزهما. وفي ضوء هذا التعارض بين رفض تركيا قيام كيان سياسي كردي مستقل يتاخمها من الشرق ويؤدي إلى الإخلال بالتوازن الديمغرافي والسياسي للدولة التركية ذاتها وبين قبول - بل وترحيب – "إسرائيل" باحتمال قيام هذا الكيان الجديد بأن يمثل مشكلة لا لأنقرة وحسب على نحو ما أوضحنا.

ولكن أيضاً للعراق ذاته الذي يهدده في هذه الحالة اقتطاع جزء تاريخي وعزيز ومهم نفطياً من رقعته الجغرافية فضلاً عما تمثله مثل هذه الخطوة من سابقة بالغة الخطورة بالنسبة للوحدة الوطنية والتكامل الجغرافي والسلامة الإقليمية في دول أخرى (منها مثلاً سوريا وإيران). في كل حال يتوقع الأكاديمي التركي أن تتحول علاقة "إسرائيل" وتركيا من مستوى التحالف السعيد في الماضي إلى مفترق الطرق المتناقضة وسط احتمالات المستقبل وبما يغير صيغة هذه العلاقة - في رأيه - من حالة فوز الطرفين إلى حالة خسارة الطرفين أيضاً.

في هذا السياق يحق للمحلل السياسي العربي أن يتساءل ولو من باب العشم كما يقولون: ألا تستطيع السياسة العربية أن تلعب على وتر هذا التناقض في المصالح بين تركيا و"إسرائيل"... من أجل المزيد من جذب أنقرة - بكل وزنها وأهميتها على الصعيد الإقليمي، لصالح دعم القضايا العربية وتعميق التعاطي التركي مع الشأن الإسلامي وذلك أمر ينعكس إيجابياً على مصالح العرب بخاصة وعالم الإسلام والمسلمين بشكل عام؟

كاتب مصري - خبير في الإعلام الدولي