|
العودة إلى بلد المحرقة
د. عبد
الوهاب المسيري
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 23/10/2004
يعود تاريخ
أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا إلى الحملات الرومانية. وكانت
الجماعات اليهودية الأولى جزءاً من المدن الرومانية العسكرية على
نهرى الراين والدانوب، وكان أول وأهم هذه المعسكرات معسكر كولونيا
(وهي من كلمة لاتينية تعني "مستعمرة" وكلمة "كولونيالية" أي
"استعمار" مشتقة من الكلمة نفسها). ثم استوطنت أعداد أخرى من اليهود
في أنحاء متفرقة من ألمانيا وكونوا جماعة وظيفية تعمل بالتجارة
والربا عبر العصور الوسطى، وكانوا يتمتعون بحماية النخبة الحاكمة.
وبعد انقسام ألمانيا في القرن السادس عشر إلى إمارات ودوقيات، انقسمت
الجماعة اليهودية بدورها إلى جماعات مختلفة تتبع كل واحدة منها
الإمارة أو الدوقية التي تعيش فيها، وأدى هذا إلى ظهور ما يُسمى
"يهود البلاط" الذين ساعدوا هذه الإمارات على تنظيم أمورها المالية
واستثماراتها ورتبوا لها الاعتمادات اللازمة لمشاريعها وحروبها
ولتمويل مظاهر الترف التي كانت تشكل عنصراً أساسياً للحكام المطلقين.
وفي القرن
التاسع عشر، بدأت عملية دمج أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع
الألماني، وبحلول منتصف القرن كانوا قد حصلوا على جميع حقوقهم
السياسية والمدنية، واندمجوا في المحيط الثقافي، وبدؤوا في الانصهار
والاختفاء، إذ تنصرت نسبة عالية منهم خاصة من مثقفيهم مثل الشاعر
هاينه ووالد كارل ماركس وأولاد الفيلسوف الألماني مندلسون، كما اختفت
أعداد كثيرة عن طريق الزواج المختلط. وكان دمج يهود ألمانيا وتحديثهم
على نمط يهود الغرب ممكناً، إذ كان يهود ألمانيا يعتبرون أنفسهم من
"الغرب"، باعتبار أن يهود شرق أوروبا هم يهود "الشرق"، وكان يهود
الشرق بدورهم يعتبرون أنفسهم ألماناً، لأنهم يتحدثون اليديشية، وهي
رطانة ألمانية دخلت عليها كلمات سلافية وعبرية وتُكتب بحروف عبرية.
ويتبدى
ارتباط الجماعات اليهودية الأوروبية بألمانيا في أن المركز الرئيسي
للحركة الصهيونية كان في برلين، وكانت لغة المؤتمرات الصهيونية
الأولى هي الألمانية. بل إن دعاة المشروع الصهيوني كانوا يتصورون في
بداية الأمر أنه سيتحقق تحت مظلة الاستعمار الألماني، وليس الاستعمار
الإنجليزي، كما كانت القيادات الصهيونية الأولى، مثل ثيودور هرتزل
وماكس نورداو وألفريد نوسيج، من أصل ألماني أو ذات خلفية ثقافية
ألمانية. وظل هذا الوضع قائماً إلى أن وصل النازيون إلى الحكم
بأيديولوجيتهم العنصرية. ومن المفارقات أن العنصرية النازية هي التي
أوقفت عملية الاندماج والانصهار. وقد انتهت هذه المرحلة من تاريخ
الجماعة اليهودية في ألمانيا بإبادة أعداد كبيرة من يهود أوروبا على
يد النازيين، فيما يُعرف باسم "المحرقة" (الهولوكوست).
ورغم سقوط
النظام النازي، فقد تركت واقعة الإبادة جرحاً عميقاً في الوجدان
اليهودي في الغرب، وخاصة أن الحركة الصهيونية لا تكف عن التذكير
بوقائع "الهولوكوست"، وكأنها حدثت بالأمس، وكأنه لم تحدث مجازر
مشابهة في الجزائر وفيتنام والشيشان والبوسنة ورواندا!
ولكن يبدو أن
الأمور بدأت تتغير. فقبل الحرب العالمية الثانية كان عدد أعضاء
الجماعة اليهودية في ألمانيا نحو 500 ألف نسمة، وبعد الحرب انخفض
العدد إلى 20 ألف نسمة فقط، ثم أخذ العدد في التزايد فبلغ 50 ألفاً
في عام 1992، بل ووصل إلى 200 ألف عام 2003 فما هو السبب؟ أليست
ألمانيا هي بلد المحرقة؟.
قد تقدم حالة
سلومو أفاناسيف وأبويه جانباً من الإجابة. فقد سئموا جميعهم الحياة
في أوزبكستان بسبب القلاقل السياسية، كما أن الجماعة اليهودية فيها،
شأنها شأن الجماعات اليهودية الأخرى في أنحاء العالم (باستثناء
الولايات المتحدة وفرنسا) على وشك الاندثار، فقرروا أن يهاجروا
وبدلاً من الذهاب إلى "إسرائيل" توجهوا إلى ألمانيا. وتنقل مجلة
"النيوزويك" (14 يوليو 2003) عن أفاناسيف قوله إن الوضع السياسي
والاقتصادي في "إسرائيل" شديد السوء للغاية، وإن الحياة في ألمانيا
أفضل بكثير. ولم تذكر المجلة شيئاً عن أثر الانتفاضة، ولكن القارئ لا
يحتاج لقدر كبير من الذكاء ليملأ الفراغات.
وقد تزايدت
معدلات الهجرة اليهودية إلى ألمانيا حتى أنهم يتحدثون الآن عن نهضة
يهودية، فعلى سبيل المثال يوجد أكثر من ستين معبداً لليهود، في الوقت
الذي تباع فيه المعابد اليهودية في كل أنحاء أوروبا بسبب اختفاء
أعضاء الجماعات اليهودية، إما عن طريق الاندماج أو الزواج المختلط أو
الهجرة أو العلمنة. وقد علق مايكل ماي، المدير التنفيذي لمنظمة
الجماعة اليهودية في برلين، على هذا الواقع الجديد بقوله: "لم نكن
نتوقع أن يحدث هذا" وقد استخدم كلمة "this"
وليس كلمة "عودة"، إذ أن "العودة" في الخطاب
الصهيوني هي دائماً لإسرائيل، ولهذا لا يمكن أن تُستخدم للإشارة
لـ"العودة" إلى ألمانيا بلد المحرقة! واستطرد المدير التنفيذى
قائلاً: "إن الحياة اليهودية هنا مزدهرة بعد ستين عاماً من
الهولوكوست". وتمثل ألمانيا عامل جذب لأعضاء الجماعات اليهودية لأنها
تمنح تلقائياً كل اليهود من الاتحاد السوفيتي السابق الجنسية وكل
المزايا التي تمنحها لمواطنيها. ومن المفارقات التي يجدر تسجيلها أن
عدد اليهود الذين هاجروا إلى "إسرائيل" عام 2003 بلغ 18.878 بينما
بلغ عدد الذين هاجروا إلى ألمانيا 19.262 (كما جاء في الإحصاء الذي
أجراه مركز الدراسات اليهودية في جامعة بوتسدام في ألمانيا).
إلا أن هذا
الوضع لا يخلو من المشاكل. فعلى سبيل المثال، لا تعترف المؤسسة
الدينية الحاخامية في ألمانيا بنحو 30 في المئة من المهاجرين اليهود
من الاتحاد السوفيتي السابق لأنهم لا ينحدرون من أمهات يهوديات. وقد
طلب رئيس المجلس المركزي ليهود ألمانيا من الحكومة أن تشطب من قائمة
طالبي الجنسية أسماء اليهود التي وصفها بأنها improper
أي "غير سليمة"، بما يشير إلى أنهم أشباه يهود أو
يهود غير يهود! ولكن المسؤولين في وزارة الخارجية الألمانية رفضوا
الطلب قائلين إن الألمان لن يقوموا بتصنيف اليهود مرة أخرى، في إشارة
واضحة إلى ما كان يفعله النازيون بتصنيف اليهود إلى نافعين وغير
نافعين وقابلين أو غير قابلين للترحيل.
وظهرت مؤخراً
مشكلة أخرى إثر وفاة مؤلف ألماني يهودي يدعى ستيفان هايم. فقد تقرر
دفنه في المدافن اليهودية وأعدت أسرته شاهداً لقبره. ولكن المؤسسة
الدينية اليهودية أعادت لهم الشاهد لأنه لا توجد عليه نجمة داود وبعض
الحروف العبرية التي لها دلالة دينية. فرفضت الزوجة أن تمتثل لمطالب
المؤسسة، ولا تزال المشكلة قائمة. وقد لوحظ أن كثيراً من المهاجرين
من الاتحاد السوفيتي السابق مغرمون بزخرفة القبور ووضع صور الموتى
عليها، وهو ما يتنافى مع القواعد التي وضعتها المؤسسة الدينية
(الجيروزاليم ريبورت، 10 فبراير 2003) مما يولد كثيراً من التوتر
ويثير مرة أخرى إشكالية "من هو اليهودي"؟ التي تهز كيان الجيب
الصهيوني من حين إلى آخر.
والله أعلم.
|