|
الهيمنة "الإسرائيلية" في أفريقيا ودور الجاليات
اليهودية
عبدالعظيم محمود
حنفي
صحيفة الخليج
الإماراتية 12/5/2005
تتسم
العلاقات بين "إسرائيل" والدول الأفريقية بأنها حملت على الدوام
أبعاداً ومضامين أيديولوجية ويعزى ذلك إلى أكثر من حقيقة واحدة:
* أولها: أن
فرض الكيان الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط أدى إلى خلق نظام إقليمي
صراعي بحيث أضحى سمة لازمة للتفاعلات العربية "الإسرائيلية".
* ثانيها:
ارتباط وتأثر العلاقات "الإسرائيلية" الأفريقية بالعلاقات العربية
الأفريقية. وأدى ذلك إلى اعتبار القارة الأفريقية ساحة للتنافس
والصراع بين "إسرائيل" والدول العربية.
* ثالثها:
ارتباط كل من "إسرائيل" والعرب بالتحولات في النظام الدولي وانفراد
الولايات المتحدة كقوة قطبية واحدة في عالم ما بعد نهاية الحرب
الباردة. وهو ما أفاد الدولة العبرية التي راحت تعيد ترتيب أولويات
حركتها الخارجية بما يحقق لها الهيمنة الإقليمية في أفريقيا.
وهناك أكثر
من مؤشر على النجاح "الإسرائيلي" في أفريقيا. ولعل المؤشر الأكثر
دلالة على محاولات الهيمنة "الإسرائيلية" على أفريقيا هو عدد التمثيل
الدبلوماسي في أفريقيا الذي قفز من 6 بعثات عام 1960 إلى 23 بعثة في
عام 1961، إلى 32 بعثة في 1972، وتزايد هذا العدد بعد توقيع اتفاقية
كامب دايفد، وبلغ مداه بعد توقيع اتفاقية أوسلو حتى إنه صار اليوم ل
"إسرائيل" علاقات دبلوماسية مع 42 دولة أفريقية وليس هناك سوى ثلاث
دول أفريقية لم تقم بإقامة علاقات مع "إسرائيل" ومنها تشاد الذي
يتردد هذه الأيام بواسطة وسائل الإعلام "الإسرائيلية" أن هناك
مفاوضات لإقامة علاقات دبلوماسية معها وأن الإعلان عن ذلك سيتم
قريبا.
كما نجحت
"إسرائيل" - بمساعدة الولايات المتحدة - في تأمين سيطرتها على بعض
مشاريع الري في منطقة البحيرات، حيث تقوم بتقديم الدعم الفني
والتكنولوجي من خلال الأنشطة الهندسية للشركات "الإسرائيلية" في مجال
بناء السدود المائية. وقدمت "إسرائيل" دراسات تفصيلية إلى زائير
ورواندا لبناء ثلاثة سدود، كجزء من برنامج شامل لإحكام السيطرة على
مياه البحيرات العظمى. وقام خبراء "إسرائيليون" باختبارات للتربة في
رواندا، حيث يتوجه الاهتمام "الإسرائيلي" بوجه خاص إلى نهر كاجيرا
الذي يمثل حدود رواندا مع بوروندي في الشمال الشرقي.
كما وقعت
أوغندا و"إسرائيل" اتفاقًا في مارس 2000 -أثناء زيارة وفد من وزارة
الزراعة الإسرائيلية"، برئاسة مدير الري بالوزارة"- ينص على تنفيذ
مشاريع ري في عشر مقاطعات متضررة من الجفاف، وإيفاد بعثة أوغندية إلى
"إسرائيل" لاستكمال دراسة المشاريع التي يقع معظمها في مقاطعات شمال
أوغندا بالقرب من الحدود الأوغندية المشتركة مع السودان وكينيا،
وسيجري استخدام المياه المتدفقة من بحيرة فكتوريا لإقامة هذه
المشاريع، وهو ما يؤدي إلى نقص المياه الواردة إلى النيل الأبيض.
أما الواردات
"الإسرائيلية" من كينيا فقد تضاعفت مرتين ونصف المرة، من 6.8 إلى
9.20 مليون دولار سنوياً، بينما تضاعفت الصادرات "الإسرائيلية" مرتين
تقريبًا من 14 مليون دولار إلى 3.29 مليون دولار. أما فيما يخص
الكونغو، فقد وصلت الواردات "الإسرائيلية" منها إلى مليون دولار
تقريبًا بعد أن كانت لا شيء تقريبًا، أما الصادرات "الإسرائيلية"
فتضاعفت عشر مرات تقريبًا، من 9.0 إلى 2.5 مليون دولار سنوياً.
ويمكن القول
إن الأهداف الأساسية للتواجد "الإسرائيلي" في أفريقيا:
أولاً: السعي
لتحقيق متطلبات الأمن "الإسرائيلي" في جوهره رغم تعدد نظريات الأمن
"الإسرائيلي" لكن الجوهر ظل واحداً على الدوام. لقد رأى
"الإسرائيليون" - بزعمهم أن خطر الاعتداء يحيق بهم ويحاك ضدهم من
جراء إحاطة العرب لهم وأنهم في "جيتو" على شكل دولة، ولهذا عملوا على
خلق الظروف التي تمكنهم من فك الحصار المضروب عليهم والخلاص من أغلال
الجيتو وظلاله، وبالتالي الضغط نحو الخروج خارج حدود الجيتو المزعوم
والالتفاف نحو العرب باعتبارهم عناصر هذا الحصار، وحصارهم أي العرب
من ناحية أخرى باعتبار أنه لن يفك الحصار سوى الحصار! وكان ذلك يعني
النزوع إلى توسيع ما أطلقوا عليه "المجال الاستراتيجي الحيوي" وكانت
أفريقيا دوماً هي أهم أقطاب هذا المجال الاستراتيجي الحيوي. وتم
ترجمتها في استراتيجية تعزيز الوجود "الإسرائيلي" في أفريقيا. لأن
"إسرائيل" سعت دائماً إلى تحقيق ما عرف بالأمن المطلق أو الأمن
الكامل، والذي يعني في المقابل اللا أمن بالنسبة للدول العربية، وما
يرتبط بذلك من ضرورة التحكم في المنطقة، من خلال مجموعة من الآليات،
من أهمها : خلق علاقات ودية مع الدول الأفريقية، الوجود العسكري في
بعض المناطق. أي أصبح الأمن القومي العربي بل والأمن القطري لكل بلد
على حدة، هدفاً استراتيجياً للتحرك "الإسرائيلي" في القارة
الأفريقية. ومن هنا المحاولات "الإسرائيلية" للحيلولة دون أن يصبح
البحر الأحمر بحيرة عربية وضمان هجرة اليهود الأفارقة إلى "إسرائيل".
* ثانياً:
كسر حد العزلة الدولية التي فرضتها عليها الدول العربية ومحاولة كسب
قواعد للتأييد والمساندة وإضفاء نوع من الشرعية السياسية عليها في
الساحة الدولية. وفي هذا الإطار نظرت "إسرائيل" للساحة الأفريقية
باعتبارها ساحة للنزال بينها وبين العرب وفقا لقواعد النظرية
الصفرية.
* ثالثاً:
كسب تأييد الدول الأفريقية من أجل تسوية الصراع العربي "الإسرائيلي"
وفق الرؤية "الإسرائيلية" باعتبار أن الدول الأفريقية بعيدة عن أي
انحيازات سابقة لمصلحة أي من الطرفين ما يجعلها وسيطاً مقبولاً.
* رابعاً:
العمل على تحقيق أهداف أيديولوجية توراتية خاصة بتقديم "إسرائيل" على
أنها دولة "نموذج" لشعب الله المختار. ويفسر ذلك أن "إسرائيل" اعتمدت
دائماً على تقديم المساعدات التقنية والتنموية للدول الأفريقية حتى
في حالة عدم وجود علاقات دبلوماسية معها. ويُعَدّ مركز التعاون
الدولي في وزارة الخارجية "الموشاف" -الذي يرأسه نائب وزير الخارجية-
الجهاز المسؤول عن تصميم وتنفيذ سياسات التعاون مع الدول الأفريقية.
وكان "الموشاف" من وسائل الاتصال الأساسية مع كبار المسؤولين في
الدول الأفريقية، على الرغم من قطع العلاقات الدبلوماسية، كما حدث مع
كينيا وزامبيا وتنزانيا وأثيوبيا، حيث كانت العلاقات الاقتصادية
والفنية أكثر قوة من العلاقات السياسية.
دور الجاليات اليهودية في أفريقيا
تحتضن
أفريقيا جاليات يهودية متفاوتة الأحجام ومتباينة القوة والتأثير. ففي
شمال أفريقيا جماعات من اليهود السيفارديم الذين قدموا بالأساس من
أسبانيا والبرتغال خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. أضف إلى ذلك
أنه قدمت إلى أفريقيا جماعات من اليهود الاشكيناز من شمال وشرق
أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وإذا كان حجم هذه
الجاليات، خارج جمهورية جنوب أفريقيا هو جد متواضع إلا أن وضعها
الاقتصادي في بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء مثل كينيا يتسم بالقوة
والتأثير.
ويمكن القول
إن يهود الفلاشا الأثيوبيين يمثلون واحدة من أفقر الجاليات اليهودية
في العالم على الرغم من اعتقادهم الراسخ بأنهم يمثلون القبيلة
المفقودة في التاريخ "الإسرائيلي". وقد تم نقل معظم الفلاشا إلى
"إسرائيل" جواً عبر السودان فيما عرف باسم "العملية موسى" والتي بدأت
في عام 1983 ووصلت إلى ذروتها خلال الفترة من نوفمبر/تشرين الثاني
1984 وفي مارس/آذار 1985.
دور الجالية
اليهودية في جنوب أفريقيا التي تعد واحدة من أغنى الجاليات اليهودية
في العالم. وتأثيرها المباشر وعبر الدعم المادي ل "إسرائيل". وطبقا
لأحد التقديرات فإن مساهمة يهود جنوب أفريقيا في خزانة الدولة
العبرية تأتي في المرتبة الثانية بعد مساهمة يهود الولايات المتحدة.
بيد أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم كل من الجاليتين نلاحظ أن
تبرعات يهود جنوب أفريقيا نسبة إلى كل شخص تفوق في بعض السنوات
تبرعات اليهود الأمريكيين.
وعموما يمكن
القول إنه لا يمكن بأي حال من الأحوال التقليل من أهمية متغير
الجاليات اليهودية في توجيه وتخطيط العلاقات "الإسرائيلية"
الأفريقية.
* خبير
الدراسات الاستراتيجية القاهرة
|