|
(عولمة المشاعر)
بين أوروبا و"إسرائيل"
سليم نصّار*
صحيفة
النهار اللبنانية 7/8/2004
في رده على
قرار محكمة العدل الدولية بشأن عدم شرعية بناء جدار الفصل، حاول رئيس
وزراء "إسرائيل"
امتصاص الصدمة السياسية التي أحدثها
صدور هذا الموقف من أعلى هيئة قضائية في العالم. وفسّر
أرييل شارون قرار
ثلاثة عشر قاضياً بأنه تعبير جماعي عن ارتفاع موجة العداء للسامية،
الأمر الذي حفزه لمطالبة اليهود بضرورة الهجرة
إلى "إسرائيل".
ثم استغل اجتماعه مع ممثلي جمعيات يهودية
أميركية ليحدثهم عن الدوافع الملحّة التي
تفرض انتقال يهوديي الشتات إلى
وطنهم القومي، ولكنه استثنى يهود فرنسا ليحذرهم من مخاطر ازدياد شعور
المعاداة للسامية. وقال في تبرير مخاوفه بأن وجود ما نسبته عشرة في
المئة من سكان فرنسا من المسلمين يشكّل تربة خصبة لانتاج مظهر جديد
من مظاهر العداء لليهود.
واستندت
الحكومة الإسرائيلية
في دعوة التحريض على الهجرة إلى الدور النافذ الذي لعبته فرنسا داخل
الجمعية العمومية يوم اقنعت دول الاتحاد الأوروبي
بالتصويت ضد جدار الفصل. وكانت النتيجة أن أضيف قرار الجمعية
العمومية (150 صوتاً) إلى قرار محكمة العدل الدولية بحيث وصفهما وزير
خارجية "إسرائيل"
سيلفان شالوم بأنهما خيبة أمل مزدوجة.
السفير الإسرائيلي
لدى الأمم المتحدة (دان
غيلرمان)، هاجم
قرار الأمم المتحدة بشدة لأنه في نظره، يساعد على نشر الإرهاب
من طريق مطالبة 150 دولة بضرورة هدم جدار أقيم خصيصاً لمكافحة الإرهاب.
ويقول الديبلوماسيون العرب في المنظمة الدولية
إن اعتراض السفير
غيلرمان لا ينحصر في الجانب الأمني فقط، وإنما يتعداه إلى ما هو أخطر
على مستقبل دولة "إسرائيل"،
أي إلى التذكير بالقرارات الدولية التي سبقت قراري مجلس الأمن 242
و338.
ومعنى هذا
أن الجمعية
العمومية لا تزال تعتمد قرار التقسيم الصادر عام 1947 في تعاملها مع
النزاع الإسرائيلي
- الفلسطيني، وأن
كل ما استولت عليه "إسرائيل"
بالقوة في حرب 1948 يعتبر في نظرها لاغياً (...).
إضافة إلى الموضوع
الأمني المتعلّق بعدم قانونية بناء المستوطنات أو تشييد جدار الفصل،
انبثقت عن نداء شارون إلى يهود فرنسا مشكلة جديدة مرشحة للانفجار.
ذلك أن التحريض
على مغادرة فرنسا خلق شرخاً كبيراً عبر الحكومتين. ومع أن الرئيس جاك
شيراك اعلن أكثر
من مرة أن
الخلاف اعتبر منتهياً، إلا أن الجدل القائم في أندية باريس وعلى
صفحات الجرائد يشير إلى احتمال تجدد النفور السياسي. والسبب
أن شارون يتهم فرنسا
باعتماد موقف مناهض لإسرائيل،
كما يتهم شيراك بأنه يقف وحكومته وراء تصويت الدول الأوروبية
لمصلحة قرار الأمم المتحدة المعارض لبناء جدار الفصل.
دوائر
الاستخبارات في باريس تزعم بأن شارون كان يبحث عن ذريعة لانتقاد
حكومة شيراك بعدما فشل في تحريضها على طرد بعض رموز الجالية العربية
في فرنسا. وقد أزعجه أن
تكون تحقيقات الشرطة رصدت عناصر غريبة اعترفت بأنها كلفت برسم شارة
الصليب المعقوف على مقابر اليهود في باريس. وفي هذا الإطار نشرت
صحيفة "معاريف" منذ أسبوعين
تقريباً الخطوط الرئيسة لتقرير جمعته وزارة الخارجية الإسرائيلية
عن المسلمين في أوروبا. ويقول التقرير إن
التكاثر الطبيعي للمسلمين الذي زاد عددهم على 15 مليون نسمة، سيزيد
من تأثيرهم السياسي والاجتماعي بحيث يصبحون أدوات ضغط على الدول
الأوروبية. ويدّعي التقرير أن
السلطات المحلية تنظر إلى المسلمين داخل مجتمعاتها كتهديد أمني يؤثر
على الاستقرار والسلام. ويخلص إلى التحذير من "الإسلام
الأوروبي" الذي
يتغذّى من نظريات التيارات المتطرفة المعششة في المساجد والشوارع
المعزولة المكتظة بالسكان. الديبلوماسيون العرب في أوروبا يفسرون
عملية تخويف يهود فرنسا، بأنها جزء مكمل لخطة جدار الفصل. وقد استغل
شارون قراري محكمة العدل الدولية والجمعية العمومية كي يرعب الجاليات
اليهودية، تماماً كما فعل في الأرجنتين
عقب تفجير السفارة الإسرائيلية
وانهيار الأسواق المالية. واستطاع خلال ثلاثة شهور اجتذاب عشرين ألف
مهاجر من أصل مئتي ألف
يهودي في الأرجنتين.
واختار لهم مساكن آمنة بعيدة عن ذراع الانتفاضة في مستوطنة "معالي
ادوميم" قرب القدس. وكان بهذه المعاملة الخاصة يطمح إلى استدراج أكبر
عدد من يهود الأرجنتين الذين أخافتهم عمليات الاستشهاديين.
وتقول طهران،
المتهمة بالوقوف وراء التفجير، إن
"الموساد" افتعل تلك الحادثة لكي يستحث اليهود على الهرب. والهدف من
وراء ذلك زيادة عدد المستوطنين الذين بلغوا 245
ألف شخص موزعين على
146 مستوطنة، ويأمل شارون في استقدام مهاجرين من فرنسا ودول أخرى مع
وعد بأن سيطرة الدولة داخل جدار الفصل ستؤمن لهم حياة آمنة ومستقرة.
في التعليق
على دعوة شارون، كتبت صحيفة "هآرتس" افتتاحية تسخر فيها من رئيس
الوزراء وتتهمه بالسقوط في التناقض، لأنه يعتبر مسلمي مارسيليا أشد
خطراً من مسلمي الخليل؟ وتتساءل الصحيفة باستهزاء: لماذا لا يدعو
شارون مستوطني الضفة وغزة للهجرة إلى "إسرائيل"
قبل أن يدعو الجالية اليهودية للفرار إلى الدولة العبرية؟!
كذلك كتبت
صحيفة "يديعوت أحرونوت" مقالاً هاجمت فيه شارون لأنه أحرج يهود فرنسا
عندما طالبهم بالولاء المزدوج، وأكد مزاعم الصهيونية بأن أجسام الأمم
الأخرى ترفض أي
زرع يهودي. وقالت الصحيفة أيضاً
إن ما كان
صحيحاً في فترة هرتزل لم يعد صحيحاً اليوم، خصوصاً
أن فئة كبيرة من يهود
الشتات تعتقد بأن "إسرائيل"
ليست أكثر من سفينة مثقوبة لا يجوز القفز
إليها حتى في أسوأ الأحوال.
الصحف
الفرنسية انتقدت شارون لأنه في نظرها يطالب
أوروبا بتقليد موقف
الولايات المتحدة المنحاز دائماً لإسرائيل.
ولكن هذا المطلب لا ينسجم مع رؤية أوروبا التي تتطلع إلى النزاع
العربي - الإسرائيلي
كمشكلة احتلال، بعكس واشنطن التي تنظر اليها كأرض متنازع عليها
وكنتاج مواجهة بين الإسلام
والغرب.
ولقد ازداد
هذا الاقتناع بعد انهيار الاأيولوجيات
الكبيرة، بحيث أصبحت حقوق الإنسان
وسلطة القانون والمؤسسات الدولية هي البديل في نظر
أوروبا من كل
الأيديولوجيات.
إضافة إلى هذا، فإن الاتحاد الاوروبي يتطلع إلى
أزمة الشرق الأوسط كصراع تاريخي، ديني، قومي، يختزل مصالحه الحيوية
ويسعى إلى محو رواسب كارثة اليهود في ألمانيا
من طريق منع "إسرائيل"
من اضطهاد الفلسطينيين.
آخر السنة
الماضية وزعت المفوضية الأوروبية في بروكسيل بياناً يتضمن نتائج
استطلاع الرأي الذي أجراه الاتحاد الأوروبي
وشمل 16 ألف
مواطن. وأظهر الاستطلاع أن
ستين في المئة من الأوروبيين
يشعرون بأن "إسرائيل"
تهدد السلام العالمي وأكثر بكثير من إيران
وكوريا الشمالية وأفغانستان.
وفسّرت الغالبية الساحقة موقفها بأنه نابع من اعمال الاضطهاد التي
تمارسها "إسرائيل"
ضد الشعب الفلسطيني. واقترح بعض المشتركين في الاستطلاع
أن تبادر الأسرة
الدولية إلى مواجهة الاحتلال بوسائل رادعة مثلما واجهت في السابق
نظام جنوب أفريقيا
العنصري.
ووصفت صحيفة
"الموند" حصيلة الاستطلاع بأنها نتيجة طبيعية "لعولمة المشاعر" وقالت
إن التغطية
التلفزيونية التي تصل إلى كل زاوية نائية من العالم تتمخّض عن تضامن
عاطفي عميق في أوساط المجموعات العرقية المختلفة. ومعنى هذا
أن الصراع الفلسطيني -
الإسرائيلي خرج
عن حدوده المعروفة وتحول إلى مسألة داخلية أوروبية تؤثر على التسويات
الوطنية التي يرتكز عليها التوازن بين اليهود وسواهم. ومع
أن
إقامة دولة
"إسرائيل"
منذ 56 سنة خفف من موجة العداء للسامية، إلا أن اضطهادها للفلسطينيين
ولّد مشاعر مضادة ليهود "إسرائيل"
ولليهود الأوروبيين
المؤيدين لمواقفها. وربما كان فوز الفيلم "حواجز" بالجائزة الكبرى في
مهرجان السينما الوثائقية في امستردام، أفضل
دليل على تعاطف أعضاء
لجنة التحكيم مع الفلسطينيين الذين يعانون من قسوة جنود الاحتلال على
"الحواجز" الفاصلة.
يُجمع
المراقبون الحياديون على القول إن
دعوة شارون يهود فرنسا أحدثت بلبلة في أوساطهم لأنه خيّرهم بين
الهوية الصهيونية التي تنمو داخل "إسرائيل"
فقط، والهوية الفرنسية. وحسمت الأكثرية هذا الأمر بالاعتراف
أن الهوية الفرنسية هي
الأصل، بينما اليهودية هي لباس ديني - ثقافي يمكن ارتداؤه في أي وطن.
ودخل الرئيس جاك شيراك على خط النقاش ليحذّر من افتعال
أزمة وهمية تقود إلى
خلق مناخ معاد للسامية يستفيد منه شارون لتغطية أعماله ضد
الفلسطينيين. ونبّه في تحذيره من استغلال هذا الموضوع الحساس مذكراً
أن فرنسا كانت
أفضل من
إيطاليا وألمانيا
وبولندا وروسيا في تعاملها مع اليهود. وكان بهذه الملاحظة يشير إلى
فترة الإمارات الاقطاعية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، أي
عندما منحوا امتيازات خاصة كتلك التي تمنح للفرسان. كذلك كان يشير
إلى عام 1791 يوم منحتهم الجمعية الوطنية المساواة الكاملة كمواطنين.
ويبدو
أن شارون في تحذيره قد
أغفل تلك المراحل التاريخية وراح يذكّر يهود فرنسا بمحاكمة الضابط
الفرد درايفوس (1894) الذي تحولت قضيته إلى شرارة أشعلت فكرة
الصهيونية في رأس هيرتزل.
وواضح من
نداء شارون انه يريد تجديد فكرة الصهيونية عبر فرنسا لاعتقاده بأنها
ساهمت في اصدار الحكم ضده في محكمة العدل الدولية!
* كاتب وصحافي لبناني
مقيم في لندن
|