الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

قمع "إسرائيل" للفلسطينيين سمم علاقاتها مع تركيا

 

هنري باركي

 

صحيفة الوطن القطرية 14/8/2004

 

عندما وصف رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان التوغلات العسكرية الإسرائيلية في شهر مايو الماضي في مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة بأنها إرهاب دولة بات مؤكداً بأن شيئاً ما جسيماً ومخيفا قد طرأ على العلاقات الإسرائيلية - التركية.

 

فالعلاقات بين البلدين بدأت تزدهر في عام 1996 والاتفاقيات العسكرية بينهما لدرجة أنها بدت بالتأكيد في نظر العالم العربي وكان البلدين باتا على وشك الدخول في علاقة استراتيجية.

 

اللهجة المتغيرة لتركيا اليوم لا تدلل على نهاية العلاقة مع "إسرائيل" ولكنها تنم عن أوقات قادمة ستشهد خلافات أكبر بين الجانبين وبالتالي تبرز العزلة المتزايدة لإسرائيل. فالوضع المتزايد سوءاً في الأراضي الفلسطينية وتزايد المخاطر الإرهابية في فترة ما بعد 11 سبتمبر أسهم في تسميم العلاقات التركية - الإسرائيلية.

 

ولكن التحولات في وجهات النظر التركية تنبع أيضاً من التطورات الداخلية في تركيا، فأهم تغيير داخلي في تركيا يتمثل في الصعود السياسي لحزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان ولكن برغم رغبة قادته بأن يكونوا معتدلين إلا أن الحزب لا يستطيع أن يتخلى عن جذوره في الحركة الإسلامية التركية، ومن أفضال حزب العدالة والتنمية أنه اختط أجندة ليبرالية وإصلاحية لتسهيل دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ولكن الحزب في ذات الوقت اضطر لأن يكون حذراً كي لا يستفز المؤسسة العسكرية التركية القلقة من القوة المتنامية لأردوغان، فعلى سبيل المثال تراجع الحزب عن تلك القضايا الدينية الخلافية مثل تخفيف منع ارتداء النساء غطاء للرأس في المكاتب الحكومية والمدارس والجامعات.

 

كما أن انتقادات أردوغان لإسرائيل تعطي حزبه مجالاً واسعاً للمناورة السياسية وأولها وفي مقدمتها تشير إلى إبلاغ القاعدة الصلبة لمؤيدي للحزب على أنه رغم تقديمه تنازلات في بعض الاحيان للمؤسسة العسكرية التركية إلا أنه يستطيع أن يتمسك بموقفه عندما يتعلق الأمر ب"إسرائيل"، وحول هذه المسألة يقف الجمهور التركي بصلابة خلف موقف حزب العدالة والتنمية لأن القضية الفلسطينية كانت دوماً مهمة بالنسبة للأتراك كما أن الحد من الاتصالات مع "إسرائيل" يضع المؤسسة العسكرية التركية في موقف الدفاع فالعديد من الأتراك وخصوصاً في أوساط حكومة أردوغان يعتبرون العلاقات التركية والإسرائيلية من ابتكار المؤسسة العسكرية التركية التي تحتاج إلى السلاح ومعروف أن "إسرائيل" من أقوى أصدقاء الولايات المتحدة.

 

هناك أسباب أخرى لبرود العلاقة التركية مع "إسرائيل" فالحكومة التركية أكثر ثقة بنفسها من أي وقت مضى في التاريخ الحديث وهذا يعكس تحولاً ملموساً في وجهة نظر أوروبا نحو تركيا وآفاق حصولها على موعد محدد للبدء في التفاوض مع الاتحاد الأوروبي على أساس ممتاز فلم تعد تركيا تعتبر مصدراً للأزمات ووجهات النظر التركية تلقى ترحيباً جيداً ويتمتع القادة الأتراك باحترام أكبر ونتيجة لذلك لا يحتاج حزب العدالة والتنمية أن يقدم خدمات لا لإسرائيل ولا لمؤيديها الأقوياء في واشنطن.

 

ثانياً، يريد حزب العدالة والتنمية ترجمة الاحترام الجديد الذي تحظى به تركيا إلى دور أكبر في المؤسسات الدولية وليس مصادفة أن انتقادات أردوغان لإسرائيل جاءت مباشرة بعد أن تولت انقرة مسؤولية الأمانة العامة في منظمة المؤتمر الإسلامي.

 

وأخيراً تزامنت انتقادات تركيا القاسية لإسرائيل مع موجة غير مسبوقة من العداء لإسرائيل في الصحافة التركية والتي نشرت العديد من نظريات المؤامرة وأكثرها لها أصول في 11 سبتمبر حول قدرات "إسرائيل" ونواياها في كل مكان من العالم، كما أن التقارير المبالغ بها في وسائل الإعلام الأميركية حول النشاطات الإسرائيلية في شمال العراق وإن كانت مدعمة بالبيانات هي التي غزت هذه الموجة من العداء تجاه "إسرائيل" فعلاقات "إسرائيل" المزمنة مع أكراد العراق أضافت إلى القلق في أوساط الأتراك الذين يعتقدون بأن "إسرائيل" تريد دولة أخرى شبيهة بها وغير عربية في المنطقة بغية نسف امكانية قيام وحدة عربية وتخشى أنقرة من قيام هكذا دولة لأنها سوف تلهم أكراد تركيا الذين يشكلون 20% من سكانها للسعي إلى اقامة دولة مستقلة خاصة بهم، إن التطورات في تركيا على أهميتها في تغيير النظرة إلى "لإسرائيل" تعتبر تجسيداً عملياً آخر للعزلة المتزايدة لإسرائيل.