|
شرخ في العلاقات الاستراتيجية الأميركية ـ
الإسرائيلية
بقلم: د. أحمد
إبراهيم محمود
صحيفة البيان
الإماراتية 23/4/2005
ما الذي
يعنيه قيام وزارة الدفاع الأميركية بإجراءات «عقابية» ضد "إسرائيل"،
لقيامها بتصدير تكنولوجيا عسكرية متطورة إلى الصين، في انتهاك للشروط
التي تضعها الولايات المتحدة بشأن تنظيم عملية نقل التكنولوجيا
العسكرية الأميركية التي تحصل عليها "إسرائيل" إلى طرف ثالث؟ وهل
يعني ذلك حدوث تحولات جذرية في علاقات التعاون الاستراتيجي بين
الولايات المتحدة و"إسرائيل"، بما في ذلك إمكانية مراجعة هذه
العلاقات وتقليصها؟
الواقع، أن
أزمة تصدير التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية للصين تعتبر مسألة
استثنائية بالنسبة للولايات المتحدة، حيث نشأت هذه الأزمة عندما
استاءت إدارة جورج بوش من ضخامة علاقات التعاون العسكري بين الصين
و"إسرائيل"، وهي علاقات تشتمل على قيام "إسرائيل" ببيع تكنولوجيا
عسكرية متطورة للصين تتراوح ما بين أجهزة الإنذار المبكر المحمول
جواً والرادارات المتطورة والصواريخ جو - جو والصواريخ المضادة
للرادار وأجهزة التصويب الحرارية والطائرات بدون طيار، كما لم تتورع
"إسرائيل" عن تسريب تكنولوجيا الصاروخ الأميركي المضاد للصواريخ طراز
باتريوت للصين.
وفي العديد
من المناسبات السابقة، عبر مسؤولون أميركيون عن استيائهم الشديد من
هذا التعاون، وطالبوا الحكومات الإسرائيلية بوقفه أو على الأقل بعدم
تضمينه بعض أنواع التكنولوجيا العسكرية المتطورة التي قد تسبب تحولاً
جوهرياً في ميزان القوى لصالح الصين في مواجهة تايوان، إلا أن
"إسرائيل" كانت تتظاهر بالامتثال لهذه المطالب الأميركية علناً،
ولكنها تقوم في الخفاء بمواصلة هذا التعاون.
هذه المسألة
شهدت تبايناً حاداً في المواقف بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وهي
تعتبر واحدة من النماذج القليلة على التعارض في المصالح والرؤى
الاستراتيجية بينهما. فإسرائيل حريصة على تعاونها العسكري مع الصين،
لما يحققه لها ذلك من مكاسب اقتصادية ضخمة للغاية، تصل إلى عدة
بلايين من الدولارات، ولما يحققه ذلك لها من توسيع دائرة علاقاتها
الاستراتيجية مع الصين التى تعتبر واحدة من أبرز الأقطاب البازغة على
الساحة العالمية.
ويمثل هذا
البعد الأخير بالذات مصدر القلق الرئيسي للولايات المتحدة، فهي تحرص
قدر الإمكان على الحفاظ على مكانتها كقوة عظمى وحيدة على الساحة
الدولية لأطول فترة ممكنة، ومنع ظهور قوى دولية مناوئة. وتحتل الصين
مكانة خاصة في التقديرات الاستراتيجية الأميركية.
فهي واحدة من
أبرز القوى الدولية المؤهلة للبروز كقطب دولي في مواجهة الهيمنة
الأميركية. ومع أنها ليست القوة الوحيدة المرشحة للظهور، إلا أنها
الوحيدة التي يحتمل أن تكون علاقاتها صراعية مع الولايات المتحدة، في
حين أن قوى دولية أخرى مثل الاتحاد الأوروبي واليابان والهند يمكن أن
تظل علاقاتها تعاونية مع الولايات المتحدة حتى إذا أصبحت في المستقبل
أقطاباً دولية مساوية للقطب الأميركي.
هناك أيضاً
متغير آخر مهم، ولكنه ليس في أهمية المتغير السابق، وهو خشية
الولايات المتحدة من أن تطور القوة العسكرية الصينية يمكن أن يترك
آثاراً سلبية على مسألة تايوان، والتي تعتبرها الصين إقليماً
مستقطعاً، وتسعى إلى استعادته. ومع أن الولايات المتحدة تعترف بحق
الصين في هذه المسألة، فإنها ترى ضرورة أن يتم بحث مستقبل تايوان
بصورة تفاوضية وسلمية بين الجانبين، بدون اللجوء إلى القوة العسكرية.
ولذلك، حرصت
الولايات المتحدة على فرض حظر صارم على واردات السلاح إلى الصين،
وضغطت على حلفائها وأصدقائها لتنفيذ حظر مماثل. وظلت الولايات
المتحدة تضغط على "إسرائيل" بصفة خاصة للالتزام بهذا الحظر لاعتبارات
تتعلق بعلاقات التعاون الاستراتيجى بينهما والتي تتيح لإسرائيل
المشاركة في الكثير من مشروعات التكنولوجيا العسكرية الأميركية فائقة
التطور، بل والمشاركة حتى في المناقشات والمداولات المتعلقة بأفكار
التسلح والتصنيع العسكري الجديدة. ولذلك، يعتبر تعاون "إسرائيل" مع
الصين أمراً حساساً بصفة خاصة، لأن "إسرائيل" قد تقدم للصين أدق
الأسرار العسكرية الأميركية وأكثرها خطورة.
وكانت القشة
التي قصمت ظهر البعير في هذه المسألة هي مشاركة "إسرائيل" في تطوير
أسطول طائرات بدون طيار تابعة للقوات المسلحة الصينية، حيث اعترضت
الولايات المتحدة على هذه الصفقة استناداً إلى أن الصين قد تستخدم
هذه الطائرات ضد تايوان في المستقبل. وطلبت الإدارة الأميركية من
"إسرائيل" مصادرة وإيقاف تسليم الطائرات المذكورة إلى الجيش الصيني،
ثم أصبحت هذه المسألة محور الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة
و"إسرائيل".
كان ما سبق
يمثل إذن الخلفية التي دفعت إدارة جورج بوش إلى الاعتقاد بأن تعاون
"إسرائيل" العسكري مع الصين يمثل تهديداً للأمن القومي الأميركي،
واتجهت نحو معاقبة "إسرائيل" بتقليص مشاركتها في برنامج تطوير
الطائرة المقاتلة (إف - 35)، الذي يعد البرنامج الأكثر تطوراً
والأكبر تكلفة في تاريخ تطوير الطائرات القتالية الأميركية.
وسوف يتم
الانتهاء منه في بداية العقد المقبل. وكانت "إسرائيل" قد شاركت في
مشروع هذه الطائرة منذ عام 2003، وحصلت على تعهد من إدارة بوش بأن
تكون أول مشتر لهذه الطائرة قبل أي دولة أخرى غير مشاركة بالمشروع.
ومن المتوقع أن تسعى "إسرائيل" إلى احتواء هذه الأزمة مع الولايات
المتحدة بكل الطرق بما في ذلك حتى إمكانية التخلي عن الصفقة مثار
الأزمة مع الصين، حتى لا يؤثر ذلك على متانة علاقاتها الاستراتيجية
مع الولايات المتحدة. والدلالة المحورية لهذه الأزمة تتمثل في أن
العلاقات الأميركية - الإسرائيلية تظل علاقات مصالح بالدرجة الأولى،
قبل أن تكون علاقات عضوية قائمة على روابط أخلاقية ونفسية وثقافية،
وهو ما يعني أن هناك مجالاً للمناورة والعمل على الاستفادة من أي
تناقضات في المصالح بينهما، حتى لو كانت هامشية.
فإذا وصلت
الإدارة الأميركية في لحظة معينة إلى أن سلوكاً إسرائيلياً ما يمثل
تهديداً لمصالحها الحيوية، فإنها يمكن أن تتخذ موقفاً حاداً ضدها،
بما في ذلك فرض عقوبات عليها، غير عابئة بضغوط اللوبي اليهودي، أو
بحسابات المصالح الاستراتيجية الأميركية - الإسرائيلية، وهو درس
يتعين على العرب أن يستوعبوه جيداً.
فمما لا شك
فيه أن مصالح الولايات المتحدة مع العرب، سياسياً واقتصادياً
واستراتيجياً، هي من الناحية العملية أكبر بكثير من تلك التى تربطها
مع "إسرائيل"، إلا أن العرب لم يحاولوا أبداً توظيف هذه العلاقات
بفاعلية للتأثير على القرار السياسي الأميركي، دون أن ينفي ذلك أن
الفرصة تظل قائمة دائماً لمن يفكر ويخطط ويعمل بفاعلية من أجل حماية
مصالحه.
كاتب مصري
|