|
الولد "الإسرائيلي" ينكر أمه الأوروبية
الياس سحّاب
صحيفة
الخليج الإماراتية 2/8/2004
أصبح ثابتاً
ومعروفاً، أن مشروع انشاء "إسرائيل" على أرض فلسطين، هو في الأساس
والأصل مشروع أوروبي، نما وترعرع في الدوائر السياسية الأوروبية
الاستعمارية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عندما كانت لندن
وباريس المركزين الرئيسيين لهذا الاستعمار، وأن هذا المشروع، ظل يثير
حفيظة يهود أوروبا وقلقهم ورفضهم، باعتباره نقمة لا نعمة، وتتويجاً
سياسياً لمشاعر العنصرية الأوروبية ضد اليهود، وأسلوباً للتخلص منهم،
بترحيلهم عن أوطانهم الأوروبية الأصلية.
ومعروف أن
هذا المشروع ظل يتأرجح أوروبياً بين دوائر الخارجية الفرنسية،
والخارجية البريطانية، ضمن مخططاتهم الاستراتيجية للتمدد في أراضي
الامبراطورية العثمانية في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، إلى
أن قبلته رسمياً الحركة الصهيونية في مؤتمرها الأول في أواخر القرن
التاسع عشر فقط (1897).
والمعروف
أيضاً، أن اتفاقية سايكس بيكو، التي تقاسم بها الاستعماران الفرنسي
والبريطاني مناطق النفوذ في الدول العربية الخارجة من حطام
الإمبراطورية العثمانية المنهارة (ومن بينها فلسطين)، قد جاءت بنوده
فيما يتعلق بفلسطين، متجانسة مع وعد بلفور البريطاني، وأن هذا الوعد
شكل، بعد ذلك، جزءاً أصيلاً من وثيقة انتداب بريطانيا لاستعمار
فلسطين، في وثائق مؤتمر فرساي الشهير، الذي نظم توزيع المغانم
والاسلاب الاستعمارية، بُعيد الحرب العالمية الأولى.
وحتى ولادة
"إسرائيل"، وفي كل مراحل التمهيد العملي لتأسيسها، بكل ما في هذه
المراحل من تهجير مئات آلاف اليهود إلى فلسطين، ومن استيلاء على ما
أمكن من الأراضي العربية هناك لصالح مشروع تأسيس "إسرائيل"، ظل هذا
المشروع ابناً شرعياً، لأم شرعية هي الدول الرئيسة للاستعمار
الأوروبي القديم، وبقيت علاقة "الرحم" هذه قائمة حتى العدوان الثلاثي
على مصر، الذي كان تحالفاً عسكرياً فاضحاً بين باريس ولندن وتل أبيب،
والذي وقفت واشنطن (بعد موسكو طبعاً) ضده في البداية.
هذه الوقائع
المعروفة من الجميع، نستعيدها ونستذكرها الآن لمناسبة الموقف
"الإسرائيلي" الأخير، تعليقاً على تبني الجمعية العمومية الرأي
القانوني الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بلا شرعية جدار الفصل
"الإسرائيلي" وضرورة هدمه، وتحويله من رأي قانوني إلى قرار سياسي،
بمشاركة كل دول الاتحاد الأوروبي. أعلن القرار "الإسرائيلي" بصريح
العبارة: لم يعد لأوروبا دور في التسوية السياسية للصراع العربي
"الإسرائيلي".
هذا قرار
خطير لأنه يضع حدوداً بين وضع قديم فيه تداخل بين علاقة الرحم بالأم
الأصلية للمشروع الصهيوني (أوروبا) والعلاقة المستجدة بأم المشروع
"الإسرائيلي" بالتبني (أمريكا). هذا القرار الأخير، جاء يعلن الانهاء
الكامل للعلاقة بالأم الأصلية، وحصر العلاقة بالأم الجديدة بالتبني.
لست ممن
يعتقدون أن الموقف "الإسرائيلي" الأخير هو مجرد انفعال "إسرائيلي"
عاطفي، بعد صدمة الرأي الاستشاري لمحكمة لاهاي، والقرار السياسي
للجمعية العمومية، إنه إعلان لنهاية مرحلة، وبداية مرحلة، في تأريخ
الصراع العربي "الإسرائيلي".
فالملاحظ منذ
أن دب النشاط في محاولات التسوية السياسية لهذا الصراع، قبل سنوات
عديدة، بروز مزيد من التباين بين التصورات الأوروبية للتسوية
التاريخية، والتصور الأمريكي لها.
ومع أن
المواقف الأوروبية كانت تعبر عن نفسها بشيء من التمايز بين مختلف
الدول الأوروبية، في مسيرتها نحو استكمال إطارات الاتحاد الأوروبي،
فإن هذه المواقف كانت ملفتة للنظر بتطورها وتبلورها باتجاه موقف
أوروبي موحد، أقرب إلى أن يكون "فعل ندامة" سياسية على التبني القديم
البشع (بأساسه ونتائجه) لمشروع تجميع يهود العالم في دولة مصطنعة على
أرض فلسطين، بعد طرد شعبها منها.
أما التطور
الأمريكي لما نسميه تسوية سياسية فهو على العكس من ذلك، إمعاناً في
الوصول بالمشروع الصهيوني القديم، إلى تنفيذ أقصى أحلامه كما هي
مرسومة في العقيدة الصهيونية، لدى أكثر معتنقيها تطرفاً.
لا شك إذن،
بأن الموقف الأخير للاتحاد الأوروبي في الجمعية العمومية (مع أن
قرارها غير ملزم كقرارات مجلس الأمن) ورد الفعل "الإسرائيلي" عليه،
قد وضعا حداً للتداخل المائع وغير الواضح، بين التصور الأوروبي،
والتصور الأمريكي للحل السياسي التاريخي.
بقي على
العرب جميعاً، وعلى رأسهم الدول الأساسية المعنية مباشرة بالصراع
العربي "الإسرائيلي"، أن تدخل في مرحلة جديدة من التفاهم بشأن قراءة
مشتركة واضحة وذكية وعميقة لهذه التحولات التاريخية، حتى تحسن تنسيق
حركتها السياسية، التي ما زالت إلى الآن تعمل، بشكل مستهجن وغير
مفهوم، ضد المصالح العربية الاستراتيجية، عندما تنصاع كلياً إلى
التصور الأمريكي للحل (المنحاز تماماً للعقيدة الصهيونية) ولا تبدي
أي اهتمام بالتصور الأوروبي، الأقرب إلى عناصر التوازن العادل في
التسوية السياسية، بما يمسح بعضاً من الآثار البشعة للجريمة
الاستعمارية القديمة بإنشاء "إسرائيل" على أنقاض فلسطين.
|