|
لماذا تتدهور علاقة تركيا مع أميركا و"إسرائيل"؟
بول وليامز
صحيفة
الوطن القطرية 30/6/2004
في فترة
الاستعداد لحرب العراق في العام الماضي وافق البرلمان التركي على
استثمار 300 مليون من «الأموال الأميركية» لتحديث القواعد العسكرية
التركية، ونُظر إلى هذه الموافقة في حينه من قبل واشنطن على أنها
إشارة من البرلمان التركي أنه سيسمح لأميركا باستخدام القواعد
التركية لغزو العراق، بعدها بأسابيع قليلة رفض البرلمان التركي منح
الإذن وبالتالي لم تصل القوات الأميركية لحدود العراق الشمالية.
أدى ذلك
القرار إلى اصابة العلاقات بين أميركا وتركيا بنوع من الصدمة،
فالتصويت ترك أميركا غاضبة ومشوشة وأدى إلى إحراج المؤسسة العسكرية
التركية التي كانت لها آراء متشددة حول مستقبل العراق، والمؤسسة
العسكرية لامت السياسيين.
يقول (ميتهان
ديمير) المعلق المختص في الشؤون الخارجية في أنقرة: لأول مرة تطلب
الولايات المتحدة شيئا محدداً من تركيا وترفض تركيا الانصياع لذلك
الطلب.
وتجيء زيارة
الرئيس بوش إلى تركيا لحضور مؤتمر قمة زعماء الناتو كخطوة على طريق
إعادة بناء العلاقات بين البلدين، ويقول مصطفى أردين أستاذ العلاقات
الدولية في جامعة أنقرة «إننا بحاجة للولايات المتحدة والولايات
المتحدة بدورها بحاجة إلى تركيا».
وقد سبق أن
قام رجب أردوغان بزيارة إلى واشنطن في يناير الماضي في محاولة من
الجانب التركي لإصلاح العلاقات بين البلدين والتي تعد من الأوثق بين
عضوين في الناتو، ومع ذلك وبالرغم من هاتين الزيارتين إلا أن كلا من
الطرفين يتوجس خيفة من نوايا الطرف الآخر في المجال السياسي
والعسكري.
يقول أردين
«لقد ألحق العراق الضرر في الثقة بين البلدين ولا أعتقد ان العلاقات
بين البلدين قد استعادت عافيتها»، ويقول إن إدارة بوش فشلت في فهم
الأجواء السياسية والعسكرية التي كانت سائدة في تركيا وبالتالي جاء
حديثها عن الحرب في وقت غير مناسب بالنسبة لتركيا.
لسنوات كانت
الولايات المتحدة تعتمد على المؤسسة العسكرية التركية لضمان تنفيذ
رغباتها من قبل السياسيين الأتراك، ولكن من الملاحظ أن سلطة العسكر
تتراجع ببطء لصالح السلطة المدنية، وقبل الحرب بعدة أشهر واجهت
المؤسسة العلمانية التركية التي تتعامل معها أميركا منذ عقود هزيمة
نكراء على يد «حزب العدالة والتنمية» صاحب التوجهات الإسلامية
النتيجة الفورية للانتخابات في نوفمبر 2002 كانت حدوث صراع على
السلطة داخل تركيا، هذا الصراع دار بين الحرس القديم للسياسة التركية
والمؤسسة العسكرمية من جهة وحزب العدالة والتنمية من جهة أخرى وكان
المطلوب من الجميع اتخاذ قرار آني حول حرب ستندلع على أعتاب باب
تركيا وفي نفس الوقت كانت الدولة تعاني من آثار أزمة مالية لم تكن
البلاد قد برئت من آثارها بعد.
قوة الصراع
غيرت من ديناميكية العلاقة مع الولايات المتحدة، يقول أردين «إن جميع
الخبراء المختصين بالشأن التركي في الإدارة الأميركية فشلوا في قراءة
الوضع داخل تركيا إما لأنهم ضللوا أولانهم لم ينظروا للأمور بطريقة
مناسبة»، البعض الآن يقول إن العلاقة بين البلدين كانت قد بدأت
بالتدهور قبل سنوات ويعود السبب في ذلك إلى فقدان الاتراك للثقة
بالسياسات الأميركية تجاه الأكراد وبسبب شعور تركيا بأن أميركا لا
تفعل ما هو كاف لتحطيم «حزب العمال الكردستاني» الذي ترى فيه تركيا
حركة انفصالية خاضت حرباً دموية ضدها في الثمانينيات والتسعينيات ثم
تحركت بعدها للتمركز في العراق.
يقول كوندوز
اتكان مدير مركز يورسيان للدراسات الاستراتيجية «إن المشكلة بين
تركيا والولايات المتحدة بدأت في منتصف التسعينيات وبالتحديد حول حزب
العمال الكردستاني ومصير مدينة كركوك في العراق، هاتان القضيتان
كانتا وما زالتا تثيران المشاعر في تركيا».
ويقول
دبلوماسيون إنه في الوقت الذي أساءت واشنطن قراءة قدرة تركيا على
تسليم أميركا الجبهة الشمالية لمهاجمة العراق كان هناك اعتقاد لدى
بعض الزعماء الاتراك أنه دون تركيا لن يكون بوسع أميركا شن حربها على
صدام.
وهذا هو
السبب الذي دفع أنقره لفرض سعر عال مقابل مشاركتها، ويقول بعض
الدبلوماسيين إنها طالبت بالحصول على مبلغ 90 مليار دولار من أميركا
مقابل السماح لها بانزال قواتها على التراب التركي، ويأمل زعماء
البلدين في أن يتمكنا من تجاوز الآثار التي نتجت عن حرب العراق، ومع
ذلك ليس من الواضح ما إذا كانت ستنجح سياسة الوفاق بين البلدين من
جديد بما يسمح للعلاقات في أن تعود إلى سابق عهدها.
على صعيد آخر
فإنه عندما قفز أردوغان إلى السلطة في عام 2002 وأصبح رئيساً لوزراء
تركيا انتاب القلق الإسرائيليين من أن البرود سيلحق بعلاقتهم مع أوفى
صديق إقليمي لهم، وحاول أردوغان التقليل من أهمية هذه المخاوف وأصر
على أنه سيستمر في التطلع صوب أميركا وأوروبا و"إسرائيل" من أجل كسب
صداقتهم، ولكن الإسرائيليين أرادوا الدليل على ذلك.
إنهم لم
يحصلوا حتى الآن على ما طلبوه بل على العكس رفض أردوغان قبل عام
طلباً تقدم به رئيس وزراء "إسرائيل" شارون لزيارة تركيا، ولم يقم
أردوغان نفسه أو وزير خارجيته عبد الله غول بأي زيارة إلى "إسرائيل".
المسؤولون في
كلا الجانبين يقولون إن العلاقات الخاصة مضمونة ولن يلحق بها أي ضرر،
فالاتفاق الذي وقع بين البلدين في 1996 ما يزال ساري المفعول وما
يزال الطيارون الحربيون الإسرائيليون يتدربون في الأجواء التركية مما
يسبب الضيق والتبرم لدى الكثير من العرب إضافة إلى ذلك فإن التجارة
بين البلدين ما تزال مزدهرة، ومع ذلك فليس خافياً على أحد أن العلاقة
بين البلدين ليست في أفضل حالاتها.
مؤخراً قال
سيلفان شالوم وزير الخارجية الاسرائيلي إنه لن يكون بوسع "إسرائيل"
أن «تضبط نفسها» طويلاً في وجه التصريحات الجارحة التي يدلي بها
أردوغان والتي تلحق الضرر بنسيج العلاقة الخاصة بين البلدين، وقد سبق
أن اتهم أردوغان "إسرائيل" بممارسة «إرهاب الدولة» ضد الفلسطينيين في
قطاع غزة وفي الشهر الماضي طلب من أحد الوزراء الإسرائيليين أن يفسر
له الفرق بين «الإرهابيين الذين يقتلون المدنيين الإسرائيليين
و"إسرائيل" التي تقتل المدنيين الفلسطينيين أيضاً».
ملاحظات أخرى
اعتبرت «فجة» أدلى بها أردوغان أمام مجموعة من اليهود الأميركيين
الذين التقاهم في الولايات المتحدة مما تسبب في «ازعاجهم».
وعليه لماذا
هذا التغيير؟
إن اظهار
أردوغان اشمئزازه تجاه سياسات شارون قد يكون له ما يبرره وهو
بالتأكيد شيء يشاطره فيه ملايين الاتراك الذين يشاهدون على شاشات
التليفزيون الدبابات الإسرائيلية وهي تهدم منازل الفلسطينيين، إضافة
إلى ذلك يسترضي أردوغان بتصريحاته هذه قاعدة حزبه الحاكم حزب العدالة
والتنمية.
وأكثر
الأسباب أهمية على الإطلاق وراء النغمة العدائية الجديدة لأردوغان هي
اعتقاده بأن "إسرائيل" تشجع أكراد العراق على إقامة دولتهم المستقلة
التي لن تصبح فقط حليفاً لإسرائيل في المنطقة بل إنها قد تشعل الحركة
الانفصالية لدى أكراد تركيا المتململين، وقد تنامت هذه المخاوف بعد
أن ذكرت مجلة «ذي نيو يوركر» أن عملاء إسرائيليين يدربون الآن رجال
حرب العصابات الأكراد في العراق.
إن أردوغان
يدرك جيداً أنه يتوجب عليه السير بحذر، فإذا ما أزعج "إسرائيل" أو
اللوبي اليهودي الأميركي كثيراً فإن ذلك قد يدفع الكونغرس الأميركي
لاتخاذ قرارات تطالب بالاعتراف بمجازر الأرمن التي ارتكبت من قبل
الاتراك العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى والنظر إليها على
أنها جرائم إبادة للجنس البشري، ولكن في الوقت نفسه ينبغي أن يتجاوب
مع شعبه.
|