|
عن النصف المضطَهد من اليهود الأميركيين
إستر كابلان
صحيفة النهار
اللبنانية 9/8/2004
لمعرفة الدور
الذي تؤدّيه "إسرائيل" في سنة انتخابية أميركية، يجب العودة إلى
أيلول الماضي عندما قال هوارد دين، الذي كان مرشّح الديموقراطيين
الأساسي للرئاسة، للمراسلين إنه يريد أن تعتمد الولايات المتحدة
مقاربة "عادلة" إزاء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. ردّ 34
ديموقراطياً في الكونغرس بتوجيه رسالة قاسية إلى دين تسأله إن كان
يشاطرهم "دعمهم المطلق لحقّ "إسرائيل" بالوجود" وانهالت الرسائل
الإلكترونية من أشخاص مجهولي الهوية على عناوين البريد الإلكتروني
اليهودية يتّهمونه فيها بالتخلّي عن "إسرائيل". فسارع دين إلى الظهور
على شاشة "سي إن إن" للدفاع عن تصفية "إسرائيل" مقاومين فلسطينيين.
أو لنعد إلى
شباط الماضي عندما جلس (جون كيري) في نيويورك لمناقشة بعض المسائل مع
مجموعة من القادة اليهود الذين اختارهم مؤتمر رؤساء المنظّمات
اليهودية الأميركية الكبرى. قالت أنّا روزنتال، المديرة التنفيذية
للمجلس اليهودي للشؤون العامة وواحدة من الليبراليين القلائل
المدعوّين إلى الاجتماع، إنها رفعت يدها لطرح أسئلة عن الحقوق
المدنية والفقر واضمحلال الفصل بين الدين والدولة، لكن من يديرون
النقاش تجاهلوها وتمحور الاجتماع حول بند واحد. وتقول روزنتال في هذا
الصدد "كان السؤال الأساسي، مهما اختلفت طريقة معالجته: هل ستساند
"إسرائيل" في هذه الأوقات الصعبة؟". وتضيف "كانوا يقولون له: نعلمك
أنّ هذا هو الشاغل الأول بالنسبة إلينا". فهم كيري ما هو مطلوب منه.
وتراجع في الاجتماع عن تصاريح سابقة قال فيها إنه سيرسل جيمي كارتر
(الذي يعتبره اليمين مؤيّداً للفلسطينيين) إلى المنطقة لإعادة إطلاق
المفاوضات. وبعد ستة أسابيع، عندما قبِل جورج دبليو بوش، بالاتفاق مع
أرييل شارون، بأن تكون المستوطنات اليهودية دائمة، ورفض حقّ اللاجئين
الفلسطينيين بالعودة، سارع كيري إلى إعلان موافقته على القرار (...).
تكشف هذه
الأحداث حقيقة سياسية راسخة: كوّنت "اللجنة الأميركية الإسرائيلية
للشؤون العامة" و"مؤتمر الرؤساء"، بالإضافة إلى الصهاينة المسيحيين
النافذين والمتعاطفين معهما، إجماعاً لدى الحزبين الجمهوري
والديموقراطي في واشنطن بأن سياسة الشرق الأوسط يجب أن تعطي الأفضلية
"للعلاقة المميّزة" بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"(...).
المشكلة هي
أن "اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة" و"مؤتمر الرؤساء"
لم ينضويا تحت مظلّة اتفاق أوسلو، وعندما فشلت محادثات السلام عام
2000، سارعا للعودة إلى موقفهما المتشدّد. سمح مزيج العمليات
الانتحارية الفلسطينية وانتخاب شارون، الصقر المتشدّد، رئيساً لوزراء
"إسرائيل" و"الحرب على الإرهاب" التي أطلقها بوش وقسّم العالم من
خلالها إلى مؤيّد للولايات المتحدة ومعارِض لها، سمح إذاً للإجماع
الذي كوّنته "اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة" بأن يزداد
تشدّداً من خلال المؤسسة (استابلشمنت) اليهودية. بعد 11 أيلول 2001،
قرّرت المجموعات اليهودية المتّحدة، وهي مؤسسة خيرية يهودية مشتركة،
تخصيص أموال للمستوطنين اليهود لأول مرة في تاريخها. كان عام 2002
متميّزاً عن سواه: في تجمّع مؤيّد لإسرائيل في واشنطن في نيسان 2002،
أطلق عدد كبير من المتظاهرين من وكالات الخدمة الاجتماعية اليهودية
ومنظّمات هيليل (شبكة المنظمات الجامعية اليهودية) صيحات الاستهجان
عندما تحدّث نائب وزير الدفاع، بول وولفوفيتز، عن معاناة
الفلسطينيين، ونشرت "رابطة مكافحة التشهير" ومجموعات أخرى كتيّبات عن
الوسائل الكفيلة بدحض "البروباغندا المعادية لإسرائيل" في حرم
الجامعات(...).
لكن كان
لعشرات آلاف اليهود الأميركيين ردّ فعل مختلف جداً ازاء فشل
المحادثات والانتفاضة الفلسطينية الجديدة. بدأوا يطرحون أسئلة هرطقية
عمّا إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك أو أوسلو
قدّما فعلاً للفلسطينيين دولة قابلة للحياة، وعمّا إذا كان الاحتلال
القاسي هو السبب وراء إثارة الغضب الفلسطيني. في سنوات أوسلو المفعمة
بالآمال، حلّت معظم منظّمات السلام اليهودية الأميركية نفسها، مما
أجبر هؤلاء الحمائم المهمّشين على البدء مجدداً من الصفر، وإنشاء
عشرات المنظّمات المحلية والوطنية التي تعمل على إنهاء الاحتلال.
تقول مارسيا فريدمان، وهي عضو سابق في الكنيست الإسرائيلية ساهمت في
تأسيس إحدى هذه المجموعات الجديدة عام 2002، وتُعرف بمجموعة "بريت
تزيديك في شالوم" ومركزها شيكاغو "منذ بدء الانتفاضة، أصبح شعار
اليهود الأميركيين أن "إسرائيل" مهدّدة في وجودها، وكان علينا مساندة
الحكومة الإسرائيلية مهما فعلت. أصبحت هذه الفكرة، التي استغلّتها
الحكومة الإسرائيلية بذكاء، مقدّسة جداً". وتضيف "هناك حكومة يمينية
جداً في "إسرائيل" لا تدعم حلّ الدولتين. إذاً منح هذا التضامن
المدفوع بالإذعان دعماً مطلقاً للحكومة". الجهود الجديدة التي تبذلها
القاعدة الشعبية مصمّمة على إنهاء هذا الدعم المطلق. تملك مجموعة
"بريت تزيديك" حتى الآن فروعاً في 27 مدينة، وانضمّت مجموعة "تيكون"
التي يرأسها (مايكل لرنر) ومقرّها بركلي ومجموعة "صوت السلام
اليهودي" ومقرّها أوكلند، بعد أن أصبح نشاطهما على مستوى الوطن في
أيار الماضي، إلى منظّمات السلام الأقدم عهداً المتبقّية مثل
"أميركيون من أجل السلام الآن" ومركز شالوم الذي يرأسه أرثور واسكو
ومقرّه فيلادلفيا، لإنشاء قوّة مضادّة أوليّة تعمل في شكل شبه كامل
خارج القنوات اليهودية الرسمية.
تعتبر بعض
المجموعات الجديدة، مثل "بريت تزيديك" و"تيكون"، أنها تؤيّد
"إسرائيل" بقوّة لكنها تسعى إلى إعادة تحديد راديكالية للعبارة (تسأل
ديبورا كوري العضو في تيكون: "هل تأييد "إسرائيل" يعني تأييد شارون؟
حسناً، ربما اغتيال شخص جالس على كرسي مدولب ليس الأفضل بالنسبة إلى
إسرائيل"). وتعتبر مجموعات أخرى، مثل "يهود ضدّ الاحتلال" ومقرّها
مدينة نيويورك، أنها مؤيّدة لليهود وللفلسطينيين على حدّ سواء، وهي
منفتحة على فكرة إقامة دولة أحادية ذات قوميتين. معظم المنظمات
الجديدة يهودية، لكن ناشطين يهوداً أميركيين أدّوا أيضاً دوراً
أساسياً في إنشاء منظمات متعدّدة الإتنية مثل "حركة التضامن الدولية"
التي ترسل مراقبين دوليين، خُمسهم تقريباً يهود أميركيون، إلى
الأراضي المحتلّة، و"الحملة الأميركية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي"
ومقرّها واشنطن العاصمة، التي تطالب بالتحرّر من القيود الإسرائيلية.
وتبرز هذه المنظّمات أكثر فأكثر. ففي آذار الماضي، وجّهت مجموعة غير
جديدة مؤيّدة للسلام، "حاخامات من أجل حقوق الإنسان في أميركا
الشمالية"، رسالة مفتوحة إلى شارون تعترض فيها على سياسة تدمير
المنازل التي تعتمدها "إسرائيل"، ووقّع عليها 400 حاخام، بمن فيهم
قادة بعض أكبر المجتمعات الدينية في البلاد (...).
في السنوات
الثلاث الماضية، مارست هذه المنظمات ضغوطاً لدى الكونغرس ورابطت أمام
القنصليات الإسرائيلية وأطلقت حملات لتطهير الجامعات وأنشأت لوائح
بالمواقع الإلكترونية للتزويد بالمعلومات ونظّمت أمسيات صلاة وحلقات
دراسية. على الرغم من أن هذه المنظمات تفتقر إلى الدعم من مانحين
يهود أو مؤسسات يهودية كبرى، فإن أعداد مؤيّديها تقترب بسرعة من رقم
ال65 ألفاً، وهو عدد مؤيّدي "اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون
العامة" (عدد مؤيّدي "أميركيون من أجل السلام الآن" حوالى 25 ألفاً،
و"بريت تزيديك" 17 ألفاً وهكذا دواليك). وتظهر استطلاعات الرأي أن
احتمالات التوسّع كبيرة جداً. عندما أعدّ المسؤولون الإسرائيليون
والفلسطينيون السابقون اتفاق جنيف العام الماضي ليكون بمثابة نموذج
عن اتفاق السلام المنشود، أظهر استطلاع آراء أجرته مجموعة "أميركيون
من أجل السلام الآن" أن عدد اليهود الأميركيين المؤيّدين للخطة هو
خمسة أضعاف عدد معارضيها. من جهة أخرى، اعتبرت "اللجنة الأميركية
الإسرائيلية للشؤون العامة" أن اتفاق جنيف غير مناسب واستعملت
عضلاتها السياسية لعرقلة صدور قرار معتدل عن الكونغرس يشيد ب"الشجاعة
والتبصّر" اللذين تحلّى بهما واضعو الخطة. يتبيّن إذاً أن اليهود
الأميركيين ليسوا أكثر توحّداً من السابق في دعمهم للسياسات
الإسرائيلية، ويتحلّقون حول "إسرائيل" بقدر تحلّق الأميركيين حول
جورج دبليو بوش.
ليس الانقسام
سياسياً فقط بل هو وجودي أيضاً. تعتبر "اللجنة الأميركية الإسرائيلية
للشؤون العامة" و"رابطة مكافحة التشهير" و"مؤتمر الرؤساء" أن
العمليات الانتحارية الفلسطينية هي جزء من هجوم عالمي على اليهود
يشمل كل شيء من مقتل (دانيال برل) إلى تصاعد موجة الهجمات ضدّ اليهود
في فرنسا. في نظرها، كره اليهود هو الذي يغذّي الهجمات الفلسطينية
ضدّ الإسرائيليين. أما المجموعات المؤيّدة للسلام فتعتبر أن
"إسرائيل"، التي تملك واحداً من أقوى الجيوش في العالم، لا تستطيع
الادّعاء بأن وجودها في خطر، وترى في الاحتلال الإسرائيلي وجدار
الفصل والعقاب الجماعي تحدّياً أخلاقياً للروح اليهودية.
تختلف
الأخبار والتعليقات التي يروّج لها المعسكران، حتى عندما يتعلّق
الأمر بالأحداث نفسها. في أواخر أيار الماضي، بينما كانت عملية "قوس
قزح" التي شنّها الجيش الإسرائيلي تبلغ ذروتها في غزة، كانت الرسائل
الإلكترونية الصادرة عن حركة التضامن الدولية تتضمّن إفادة شاهد عيان
عن جنود إسرائيليين يطلقون غازاً مسيّلاً للدموع في اتجاه أولاد
ووصفاً حيّاً لدبّابات تطلق رصاصات على تظاهرة سلمية في رفح. أما
الرسائل الإلكترونية الصادرة عن "مؤتمر الرؤساء" فتحدّثت عن أنفاق
يستعملها الفلسطينيون لتهريب الأسلحة وعن مستوطن يهودي قتل إرهابيون
زوجته وبناته الأربع. في نظر محبّي السلام مثل أنيتا ألتمن، وهي
اختصاصية في إدارة المجتمع اليهودي في مدينة نيويورك، تهتمّ المنظمات
اليهودية الأساسية فقط بالأمن الإسرائيلي إلى درجة "أننا فقدنا
القدرة على الاعتراف بالآخر وبإنسانية الفلسطينيين". أما في نظر قادة
المؤسسة اليهودية، مثل أرنست واينر، مدير فرع اللجنة اليهودية
الأميركية في سان فرانسيسكو، تحوّل الحمائم، من خلال الاهتمام في شكل
خاص بحقوق الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال، "مجرّد ناطقين باسم
العرب". نصّب أحد هذين المعسكرين نفسه ناطقاً رسمياً باسم اليهود
الأميركيين، ويلقى آذاناً صاغية لدى الحزبين في واشنطن، في حين
يُقمَع المعسكر الثاني الذي يتألّف من غالبية معارِضة للاحتلال.
يسمّي تشارني
برومبرغ، المدير التنفيذي لمنظمة السلام والحقوق المدنية "ميريتس
الولايات المتحدة"، أحد فروع حزب "ميريتس" اليساري الإسرائيلي، هذه
الظاهرة "الوباء الإسرائيلي" حيث تفرض حفنة من الأيديولوجيين
المنتمين إلى أقصى اليمين السياسة التي يجب أن تتّبعها الجماهير
المعتدلة. ويحذّر من أن هذا الوباء يتجذّر الآن في السياسة اليهودية
الأميركية. ويعتبر أن العمليات الانتحارية الفلسطينية والحرب على
الإرهاب عزّزت نفوذ اليمين. ويقول برومبرغ في هذا الصدد "نشعر في
المجتمع اليهودي أننا نتعرّض لحصار، وكل من يتحدّى الإجماع يكون
خائناً يجب التخلّص منه". ويضيف "يملك اليمين القدرة على أن يحوّل أي
خطاب مدني أو شكّ أو تساؤل فعل خيانة".
يقول المؤرّخ
مايكل ستوب، مؤلّف "جذور ممزّقة: أزمة الليبرالية اليهودية في
الولايات المتحدة بعد الحرب"، إن هذا الانقسام في المجتمع اليهودي
بين خطّ رئيس مؤسّسي وبديل ليبرالي يساري يعود إلى مطلع السبعينات
عندما تحدّى اليهود الشبّان، الذين بدأوا ينضمّون بأعداد كبيرة إلى
اليسار الجديد، المنظّمات اليهودية الكبرى حول فيتنام والفقر المديني
والاستيعاب. ويقول ستوب إن الفرق هو أنه في ذلك الوقت، عندما كان
المنشقّون يرابطون أمام كنيس أو يقتحمون اجتماعاً للاتحاد اليهودي،
كان قادة المنظمات الأساسية يسارعون إلى عقد اجتماعات. لكن الآن، ومع
تمحور الانشقاق حول "إسرائيل"، يهاجم قادة المنظمات الأساسية معارضي
الاحتلال واصفين إياهم باليهود الذين يكرهون أنفسهم أو يتّخذون خطوات
لإخراجهم كلياً من دائرة النقاش.
وتقول
فريدمان من مجموعة "بريت تزيديك": "تعمد المؤسسات اليهودية الأميركية
إلى إسكات المعارضين على الصعيد المحلي، وهذا غير صحّي على الإطلاق".
سرعان ما
اكتشفت جيليان ريدفورد، 20 عاماً، وهي طالبة في جامعة ريتشموند،
وجديدة على الممارسة الدينية اليهودية وكذلك على السياسة الإسرائيلية
الفلسطينية، الخطّ الذي رسمته المؤسسة اليهودية لنفسها في الرمال.
بصفتها الرئيسة المنتخبة لمجموعة "هيليل" في جامعتها، حاولت أن تنظّم
نقاشاً عاماً متوازناً حول النزاع، لكن سرعان ما اصطدمت بالمشرفة
عليها في مركز المجتمع اليهودي المحلّي، ليزا لوني. اقترحت لوني
أستاذة معيّنة للتحدّث في الجلسة فرفضت ريدفورد واصفةً الأستاذة
ب"العنصرية" بسبب تعليقات خاصّة قالت فيها إن الفلسطينيين، خلافاً
لليهود، يملكون قدرة متأصّلة على قتل الآخرين بوحشية. وتقول ريدفورد
"فوجئت ليزا كثيراً عندما استعملت هذه الكلمة القوية". والضربة
الثانية التي وجّهتها ريدفورد -لن يكون هناك ثالثة - تمثّلت في ردّها
الغاضب في شباط الماضي على العديد من الرسائل الإلكترونية التي
تلقّتها من السفارة الإسرائيلية. فقد كتبت "هلاّ تتوقّفون عن توجيه
الرسائل الإلكترونية إليّ والتي تحتوي على بروباغندا صهيونية
راديكالية" وأضافت أنه من الخطأ "تشجيعنا على كره جيراننا
الفلسطينيين في "إسرائيل"". بعد ثلاثة أسابيع، وإثر اجتماع مشحون
أصرّت فيه لوني على ريدفورد كي تعتذر من السفارة، أقالت لوني ريدفورد
من منصبها. وتعلّق الأخيرة: "شعرت أنهم تغاضوا عن كل الجهود التي
بذلتها بسبب آرائي السياسية بشأن إسرائيل". وتتابع "كأنني اعترفت
بأنني من كوكب آخر".
تجربة
رديفورد واحدة من تجارب عدّة مماثلة. مُنعت ليز هار، وهي ناشطة في
مجموعة "طلاب يهود من أجل حقوق الفلسطينيين في جامعة تكساس"، من
الحصول على مكان في "مركز هيليل" في جامعتها في ربيع 2002 عندما سعت
إلى تنظيم حلقة دراسية حول تاريخ النزاع. استقال مديرو برنامج
"هيليل" في جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز و"إيتاكا كوليدج"، بدافع
الغضب بعد توبيخهم بسبب نشر مقالات تدعم التحرّكات الإسرائيلية
والفلسطينية المناهضة للاحتلال. ويقول واين فايرستون، مدير "مركز
الشؤون الإسرائيلية" التابع لـ"هيليل إنترناشونال"، "نعتبر أن
الجامعة هي مكان مناسب لإجراء نقاش منفتح جداً ومحتدم". ويستدرك "لكن
هذا لا يمنح الأشخاص حقوقاً غير مشروطة بمهاجمة "إسرائيل" بأي وسيلة
أو طريقة". في الواقع، توزّع منظمة "هيليل" موادّ تقدّم "استراتيجيات
للردّ" على الأحداث "المعادية لإسرائيل" مثل تقرير صادر عن مستطلِع
الآراء في الحزب الجمهوري، فرانك لونتز، يشرح كيف يمكن تسويق الرسالة
"المؤيّدة لإسرائيل" بطريقة أفضل لدى الشبّان اليهود.
ليست منظمة
"هيليل" الوحيدة التي تطبّق مفهوماً ضيّقاً "مؤيّداً لإسرائيل". في
كانون الأول 2002، رُفض طلب منظمتين سلميتين، هما "ميريتس الولايات
المتحدة" و"الجمعية الحاخامية التنظيمية"، بالانضمام إلى "مؤتمر
الرؤساء" بعد معركة دامت أربع سنوات. دعمت بعض أبرز المنظمات في
المؤتمر، بما فيها "حركة الإصلاح،" طلب العضوية الذي تقدّمت به
"ميريتس"، لكن في "مؤتمر الرؤساء"، يُطبَّق نظام المنظّمة الواحدة
والصوت الواحد، وقد ملأ نائب الرئيس التنفيذي مالكوم هونلين (الذي
يحبّ أن يسمّي الضفة الغربية "يهودا والسامرة") اللجنة بمجموعات
يمينية. عندما تقدّمت منظمة "الصوت اليهودي من أجل السلام" بطلب
للمشاركة في أكبر حدث يهودي في منطقة "باي"، ""إسرائيل" في
المتنزّه"، رُفض طلبها، وقال المجلس المحلي لعلاقات المجتمع اليهودي
لمدير برنامج "الصوت اليهودي من أجل السلام" إن منظمته لا تدعم
"إسرائيل" في شكل كافٍ.
عندما حضرت
دورا سيتل، وهي حاخام من سياتل تنتمي إلى المنظمة اليهودية المحلية
"السعي إلى السلام"، إلى تجمّع محلّي مؤيّد لإسرائيل في نيسان 2002،
وكانت تحمل لافتة تدعم الفلسطينيين والإسرائيليين على حدّ سواء، أصرّ
أحد ممثّلي "رابطة مكافحة التشهير" التي شاركت في تنظيم التجمّع، على
أنها تقوم بتظاهرة مضادّة وطالب رجال الشرطة بإبعادها. وفي النهاية،
تمّ توقيفها.
أقيل مايكل
برنستين، الذي كان يدير برنامج الشبان والراشدين في فرع اللجنة
اليهودية الأميركية في سان فرانسيسكو، من منصبه الطوعي بعدما نظّم
نقاشاً عاماً حول احتمالات السلام في "إسرائيل" وفلسطين حيث نقل
اثنان من أصل ثلاثة متحدّثين وجهة نظر يسارية. ويقول برنستين إن مدير
الفرع إرنست واينر هاجمه أثناء النقاش واتهمه بالتحيّز بعبارات
تجديفية (بينما يصرّ واينر على أن برنستين تنحّى من منصبه بكامل
إرادته).
يصاغ الإجماع
بطرق أكثر براعة أيضاً. عند تنظيم التجمّع اليميني المؤيّد لإسرائيل
في واشنطن، كان التنقّل بالحافلات من العديد من مقار الاتحادات
اليهودية ومراكز "هيليل" مجانياً، ووُزِّعت مذكّرات بهذا الشأن على
أوراق تحمل أسماء المنظّمين ومن لم يحضر اعتُبر متغيّباً عن يوم عمل
عادي. من جهة أخرى، يقول موظّفون في هذه المنظّمات إنهم يُثنون عن
إرسال دعوات لتنظيم أمسيات سلمية من البريد الإلكتروني الخاص بمكان
العمل. وتقول سيسيلي سوراسكي، وهي ناطقة باسم "الصوت اليهودي من أجل
السلام": "نسمع باستمرار موظّفين في مؤسسات يهودية كبرى ومراسلين في
صحف يهودية وحاخامت يقولون بصوت خافت: أوافقك الرأي لكن لا يمكنني
قول شيء". وتضيف "يقول الحاخام: أدعمك كلياً لكن جماعتي محافظة جداً.
ثم يقول عضو في الكنيس: لا يمكنني قول شيء لأن الحاخام المسؤول عنّي
محافظ جداً. يسود خوف كبير. وتقول مارسيا فريدمن من "بريت تزيديك"
إنه عندما تتحدّث أمام جمهور يهودي، تكون الغرفة منقسمة بين مؤيّدين
لحكومة شارون ومؤيّدين للتفاوض "لكن النصف المؤيّد للحكومة
الإسرائيلية لا يعرف شيئاً عن النصف الآخر".
تقول روزنتال
من "المجلس اليهودي للشؤون العامة"، وهو الذراع الضاغطة للاتحادات
اليهودية في مختلف أنحاء البلاد، إن "حجم التأييد الذي نحظى به ومدى
تمدّن انشقاقنا هما النقطة الأساسية في عصرنا الحالي". في المؤتمر
السنوي للمجلس في شباط الماضي، حضر مئات الأشخاص ندوة عن الحوار
والانشقاق حول "إسرائيل". وتقول روزنتال في هذا الإطار "الكلام
الأشدّ وقعاً صدر عن طلاب قالوا "أريد أن أتمكّن من طرح أسئلة بدون
أن أُتَّهم بالعداء للسامية". أصبح الانقسام واضحاً جداً إلى درجة أن
الطرفين بدآ ينظران إليه كأزمة بحدّ ذاتها. أطلقت مجموعة "بريت
تزيديك" "مشروع إصغاء"، ونظّمت مجموعة "يهود ضدّ الاحتلال" يوم نقاش
وطنياً في السادس من حزيران الماضي، ويتضمّن الحدثان حلقات حوار
مصغّرة حيث يمكن الاستماع إلى مختلف وجهات النظر حول "إسرائيل"
وفلسطين. يقول لورن لييب من "يهود ضدّ الاحتلال"، "نريد خلق مساحة
حيث لا يُعتبر دعم حقوق الفلسطينيين خيانة أو كرهاً للذات، بل أمراً
يستطيع الناس التفكير فيه والتحدّث بشأنه". وستنظّم "هيليل" حملة
مماثلة في عطلة عيد المظلّة (سوكوت) في الخريف من شأنها أن تشهد
محادثات عميقة حيث سيكون على "الطلاب اليمينيين الإصغاء باحترام إلى
الطلاب اليساريين والعكس" على حدّ قول واين فايرستون.
لكن من
المستبعد أن تتمكّن هذه المحاولات الهادفة الى إفساح المجال أمام
النقاش اليهودي، من القضاء بسرعة على الإجماع المصطنع الذي كوّنته
"اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة". يتذكّر مايكل لرنر،
أحد رؤساء مجموعة "تيكون"، أنه عندما أحضرت المجموعة حوالى 350
ناشطاً إلى مبنى الكابيتول في نيسان الماضي للضغط على أعضاء الكونغرس
بهدف دعم استئناف المفاوضات، "كان هناك انفتاح مدهش وراء الأبواب
الموصدة". لكن معظم الأعضاء قالوا إن وجود "اللجنة الأميركية
الإسرائيلية للشؤون العامة" طاغٍ في مبنى الكونغرس الأميركي وفي
دوائرهم الانتخابية، خصوصاً في موازاة وجود صقور "إسرائيل" في اليمين
المسيحي. ويقول لرنر في هذا الصدد "قال أحد أعضاء الكونغرس إنه من
الخطر الاجتماع بنا لأن لديهم شاشات رادار جيدة جداً إلى درجة أنهم
يكتشفون الأمر على الفور".
رفع جون كيري
إصبعه في الهواء وصادق على حماسة بوش تجاه شارون بدون أن يوجّه أي
انتقاد. ففي حين تحدّث كيري في السابق عن الجدار الذي يبنيه شارون
داخل الضفة الغربية مضمّناً كلامه بعض الانتقادات، يوافق الآن على
بناء الجدار موافقة تامة معتبراً أنه إجراء أمني ضروري. تقول رئيسة
منظمة "أميركيون من أجل السلام الآن"، ديبرا دولي "القانون غير
المكتوب هو الآتي: لا تدعوا أحداً يكون أكثر يمينية منكم في
"إسرائيل". الحسابات بسيطة: اليهود اليمينيون يصوّتون فقط لمسألة
الوجود الإسرائيلي أما اليهود الليبرالليون فيصوّتون لمجموعة من
المسائل. إذاً بالنسبة إلى المرشّحين السياسيين، الاتجاه نحو اليمين
يحقّق المكاسب ويبعد الأذيّة.
مراراً
وتكراراً، قال مسؤولون منتخبون لناشطين أمثال فريدمان "ندعم مواقفكم
لكننا نحتاج إلى الاتصالات الهاتفية والفاكسات والرسائل إلى
المحرّرين والزيارات إلى مكاتبنا في دوائرنا الانتخابية". تتلّقف
القوى اليهودية المعارضة للاحتلال الرسالة ببطء. ستوجّه "بريت
تزيديك" رسالة مفتوحة إلى الرئيس المقبل تطالبه فيها بالتزام قوي في
سبيل العمل على التوصّل إلى اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين حول
الوضع النهائي، وقد جمعت المنظمة تواقيع اليهود الأميركيين على
الرسالة. ونشرت "الحملة الأميركية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي" أول
دليل للناخبين المؤيّدين للسلام، حيث يحصل أعضاء الكونغرس الداعمين
للاحتلال على نسبة سلبية. وتعمل مجموعة "تيكون" على توجيه رسالة
خاصّة إلى كيري من ناشطين يعملون لأجل السلام في مختلف أنحاء البلاد.
على الأقل،
كشف وجود هذه المنظّمات أن اليهود الأميركيين ليسوا مُجمعين على دعم
شارون، وقد يكون لهذا الأمر نتائج مفيدة. تقول سيسيلي سوراسكي من
منظمة "الصوت اليهودي من أجل السلام" إن الوجود اليهودي لمنظمتها في
اتحادات تدعم حقوق الفلسطينيين أفسح في المجال أمام منشقّين آخرين،
وتضيف إنه بفضل دعم "الصوت اليهودي من أجل السلام"، تشجّع المستثمرون
الكاثوليك في شركة "كاتربيلار" على اتّخاذ قرار يمنع الاستعمال
العسكري لجرّافاتهم في الأراضي المحتلّة. يقول هاني خليل، وهو منسّق
في المنظمة الوطنية "متّحدون من أجل السلام والعدالة" التي تناهض
الحروب وتعارض الاحتلال الإسرائيلي "يجب أن نحشد الدعم في كل قطاعات
الولايات المتحدة، والسبيل الوحيد لذلك هو حصول شرخ مهم وواضح داخل
المجتمع اليهودي".
عن "ذو نيشن" الاميركية
ترجمة نسرين ناضر
رئيسة مساعدة في منظمة "يهود من أجل عدالة عرقية
واقتصادية"
|