الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

النقد الإسرائيلي للحرب ضد لبنان

 

بقلم: ماجد كيالي 

صحيفة البيان الإماراتية 19/8/2006

 

ربما من السابق لأوانه التكهّن بطبيعة ردّة الفعل الإسرائيلية الناجمة عن تداعيات الحرب ضد لبنان، بما في ذلك انعكاساتها على النظام السياسي والخريطة الحزبية، والعقيدة العسكرية لإسرائيل، وكذلك لجهة انعكاساتها على شعور الإسرائيليين بالأمان والاطمئنان على وجودهم وعلى مستقبل دولتهم في هذه المنطقة، ولكن مجريات هذه الحرب، بوقائعها وتطوراتها ومفاجآتها، أشعلت وبفترة مبكرة نقاشاً حامي الوطيس في الداخل الإسرائيلي، بين التيارات السياسية الفاعلة، في الحكومة وخارجها، وبين المستوى السياسي من جهة والمستوى العسكري من جهة أخرى، كما داخل الإطار العسكري ذاته.

 

الثابت أن هذه الحرب، وبغضّ النظر عن نتائجها ومآلاتها السياسية والعسكرية، «كوت» الوعي الإسرائيلي، وسخرت من غطرسة القوة لدى الإسرائيليين، وبيّنت محدودية القوّة الإسرائيلية، التي تستطيع أن تقتل وأن تخرّب وأن تدمّر، ولكنها، على الرغم من كل هذه الميزات الوحشية، لا تستطيع أن تهزم الطرف الآخر، فهي لا تنجح بإقناعه بالتسليم ولا برفع الراية البيضاء، وفوق كل ذلك هي بالتأكيد لا تستطيع أن تجلب الأمان لشعبها، ولا أن تفرض التطبيع مع محيطها.

في السجال الإسرائيلي الداخلي يبدو أن هذه الحرب ستسجّل بكونها بمثابة تقصير جديد، على غرار التقصير في حرب أكتوبر، وبأنها إخفاق عسكري كبير، لاسيما أن هذا الإخفاق حصل بمواجهة قوة صغيرة بالرجال والعتاد، بالقياس لجبروت الجيش الإسرائيلي.

 

وبشكل أدق فإن هذه الحرب ستسجّل بأنها الحرب التي زعزعت ركيزة الردع في الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية (إزاء العرب)، بعد أن نجحت بتقويض أسطورة «الجيش الذي لا يقهر»، التي نسجت حول الجيش الإسرائيلي، الذي يعتبر بمثابة قدس أقداس "إسرائيل". إذ تبيّن أن هذا الجيش، الذي يحتمي بطائراته وصواريخه ومدرعاته، لا يستطيع أن يهجم ولا أن يحتل فضلاً عن أنه لم يعد يستطيع أن يحقق الانتصار الناجز؛ بعد أن ثبت بالملموس أن جماعة من المقاومين تتمتع بحرية الإرادة وقوة التصميم والاستعداد العالي للتضحية، تستطيع أن توجه ضربات قاسية له، وأن تحد من حركته، وأن توقعه في شراكها.

 

وفي كل ما تقدم فإن هذه الحرب فضحت بكل جلاء «أسطورة» الحروب العربية - الإسرائيلية، فباستثناء حرب أكتوبر (1973) فإن الحروب الأخرى إما شنتها "إسرائيل" (1956- 1967 -1982)، أو إنها كانت بمثابة مسرحية معدة، ومعروفة نتائجها سلفاً (1948)، ما يعني أن العرب، على مستوى النظام الرسمي العربي، لم يحسموا أمرهم مرة لمحاربة "إسرائيل"، أو لردعها، أو لتلقينها درساً، على الأقل، إذا استثنينا حربي الاستنزاف (على الجبهة المصرية 1969) وأكتوبر (1973)، وكذلك تجربة الفلسطينيين في الانتفاضة الأولى (1987-1993) والثانية (2000-2005)، هذه التجربة التي استطاعت قضم فاعلية الجيش الإسرائيلي وكسر هيبته وفضح صورته.

ومن تفحّص طبيعة الجدل الإسرائيلي، يمكن ملاحظة أن هذا الجدل انصبّ بداية على:

 

1 - تحصين الجبهة الداخلية، وإثبات مناعتها.

 

2- ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية، وإمكان تشكيل حكومة وحدة وطنية.

 

3 - إطلاق يد الجيش لجلب الانتصار على حزب الله، وتغيير الواقع في المنطقة.

 

لكن وقائع الحرب، التي فاجأت الإسرائيليين، أدت إلى خلق سجالات إسرائيلية، أكثر عمقاً وحدة وتعقيداً، فهذه الحرب لم تعد بمثابة حرب هجومية، أو حرب لقصم ظهر حزب الله، وإنما باتت حرباً داخل البيت، وهي حرب هددت وبشكل جدي صورة الجيش الإسرائيلي، ومكانة "إسرائيل" الردعية في المنطقة. والمعنى من كل ذلك أن النقاش الإسرائيلي بات يتحدث عن الحرب بمصطلحات الحرب الوجودية، التي يمكن أن تهدد وجود "إسرائيل" مستقبلاً.

 

في هذا الإطار بديهي أن اليمين الإسرائيلي حاول استغلال الإرباك الحكومي، والإخفاق العسكري للجيش، لينحي باللائمة على أولمرت (رئيس الحكومة) وعلى برنامجه المتمثل بالانسحاب الأحادي، مثلما أنحى باللائمة على عمير بيريتس (زعيم حزب العمل) بسبب ضعف خبراته العسكرية، وبدا اليمين الإسرائيلي وكأنه يتهم الحكومة ببرامجها وتوجهاتها السياسية، وبكيفية إدارتها لـ"إسرائيل"، بأنها المسؤولة عن كل ما جرى، منذ الانسحاب الأحادي من جنوبي لبنان (2000)، إلى الانسحاب الأحادي من قطاع غزة (2005)، وصولاً إلى زيادة قوة حزب الله في جنوبي لبنان، أمام ناظر "إسرائيل"، وتجرؤه عليها. بالمقابل فإن اليسار الإسرائيلي (المتمثل بحزب ميريتس وبعض المثقفين)، وعلى رغم تمترسه بالدفاع عن "إسرائيل" في هذه الحرب، في مواجهة «إرهاب» حزب الله (بمصطلحاتهم)، فإن هؤلاء حاولوا أن يحملوا الحكومة مسؤولية ما يجري كونها تضيع «شركاء» السلام (الفلسطينيين واللبنانيين)، وكونها لا تتبنى استراتيجية تتأسس على الانسحاب من كامل الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وعقد معاهدات سلام مع اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين.

السجال الإسرائيلي طاول المستوى العسكري، وحمل الحكومة، ورئيس الأركان دان حلوتس، مسؤولية المبالغة بالضربات الجوية، وعدم التعويل منذ البداية على الاجتياح البري، وبدوره فإن حلوتس يعتقد بأن سلاح الجو قام بمهمته، وأنه لم يكن بمستطاع القوى البرية تحقيق نجاحات كاسحة على حزب الله، من دون خسائر بشرية فادحة.

ويصف ناحوم برنياع الوضع الميداني بقوله: «المناوشات بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله تذكر بالأفلام المتحركة الشهيرة «توم آند جيري». توم القط القوي والمتحفز، وجيري هو الفأر الضعيف والذكي. جيري يضايق توم. توم يرد الحرب.

 

وفي كل المناوشات فإن جيري الفأر هو المنتصر.. في الكازينو يصعب على من يربح أن يعرف متى يتوقف. أما من يخسر فأصعب من ذلك. ولبنان أكثر حتى من بيت القمار: فهو يعاقب المنتصرين والمهزومين معاً.» (يديعوت أحرونوت 10/8).

وقد وصل السجال الداخلي في "إسرائيل"، حد اتهام الولايات المتحدة بأنها مسؤولة عما وصلت إليه "إسرائيل" مثلاً، هذا يوسي ساريد (زعيم ميريتس سابقاً)، يعرض الوضع على النحو التالي: هذه الحرب كانت قبل كل شيء مأساة إسرائيلية، ولبنانية وعالمية. مصيبة فادحة عندما انتخب جورج بوش رئيساً للولايات المتحدة..هذا شخص يرى العالم بصورة سطحية وفقاً لتقاليد المسيحي الأصولي الممزوجة بتقاليد الكاوبوي القادم من تكساس، يقوم بوش بتقسيم العالم إلى أخيار وأشرار وإلى أبناء النور ضد أبناء الظلام.. هو يضع نصب عينيه قراره الحازم بنشر الديمقراطية في كل دولة وقطر حتى إن غرق جميع مواطني هذه الدولة بالدم.. الأسرة الدولية ممزقة ومفرقة ومشتتة ومشرذمة، كما لم تكن في أي وقت من الأوقات. هي ترفض السير في طريق بوش.. في "إسرائيل" فقط ما زالوا ينفعلون ويعجبون من الرئيس وبطانته الكونداليسية. الولايات المتحدة بزعامة بوش دمرت قدرتها الردعية وقدرة العالم الحر، ومن خلال ذلك أيضاً القدرة الردعية الإسرائيلية. إذا لم يكن الجني الأميركي الذي سيطر على العراق مخيفاً كما كانوا يتصورون، وقابلاً للإرهاق والاستنزاف، فلا سبب إذا للخوف من المارد الإسرائيلي. (هآرتس 11/8).

 

أما أري شافيت فرأى دعوة أولمرت لحزم أغراضه والذهاب إلى البيت، يقول شافيت: «هناك حدود لكل أحبولة. هناك حدود لكل وقاحة. لا يمكن قيادة شعب كامل إلى حرب وفي ظل وعده بالنصر، وإنتاج هزيمة مخجلة، والبقاء في الحكم.. محظور أن يكون إيهود أولمرت يجلس في مكتب رئيس الوزراء. "إسرائيل" الجريحة والنازفة بعد الحرب تحتاج إلى بداية جديدة ورئيس جديد. إنها تحتاج إلى رئيس وزراء حقيقي (هآرتس 11/8).

 

وبرأي زئيف شترنهال، فإن هذه الحرب هي «أكثر الحروب فشلاً»، في تاريخ "إسرائيل"، إذ «تحولت حملة عقابية جماعية بدأت بتهور وتسرع ومن دون دراسة، وبناء على تقديرات رديئة، بما في ذلك وعود عسكرية ليس بمقدور الجيش أن ينفذها - إلى حرب حياة أو موت، وأشبه بحرب استقلال ثانية» (هآرتس 2/8).

 

ومن جهته فإن جدعون ليفي يطرح الأمر على النحو التالي: «الجيش الإسرائيلي يظهر مرة أخرى مثل بلطجيي الحارات: جندي يُختطف في غزة، فتدفع غزة كلها الثمن. ثمانية جنود يُقتلون واثنان يُختطفان في لبنان فيدفع الثمن لبنان كله. لغة واحدة ووحيدة لدى "إسرائيل": لغة القوة.. الجميع يعرفون كيف بدأت هذه الحرب، ولكن هل يعرف أحد كيف ستنتهي؟ خسائر فادحة؟ حرب مع سوريا؟ حرب شاملة؟ هل يجدر أن يحدث ذلك كله؟ انظروا ما الذي يمكن لحكومة أغرار مبتدئة أن تفعله خلال فترة قصيرة جداً».(«هآرتس» 17/7).

وكما قدمنا فإن النقاش الإسرائيلي يتجه نحو الاحتدام، ويبدو أن "إسرائيل" على عتبة تغيرات سياسية وحزبية كبيرة، وهذا ما ستبينه التطورات الآتية.

كاتب فلسطيني