|
مدد يهودي
بقلم: باسل
أبوحمدة
صحيفة
البيان الإماراتية 20/8/2006
أغلب الظن أن
الكثيرين ترقبوا حدوث هجرة يهودية معاكسة من الدولة العبرية إلى
خارجها أثناء العدوان الصهيو-أميركي على لبنان وذلك انطلاقاً من
الفكرة السائدة حول مسألة هجرة يهود العالم إلى فلسطين المحتلة والتي
تقول بأنه كلما شهد المجتمع الإسرائيلي مزيداً من الاستقرار
الاقتصادي والرفاه الاجتماعي، ازدادت أعداد القادمين إليه من اليهود
القاطنين في شتى بقاع الكرة الأرضية، والعكس بالعكس.
لكن يبدو أن
ما يحدث على أرض الواقع يدحض بالمطلق مقومات هذه الفكرة التي تبدو
منطقية عند النظر إليها للوهلة الأولى، ذلك أن قطعان المهاجرين من
اليهود مازالت تتدفق في كل الأحوال وفي ظل أشد الظروف على أرض فلسطين.
فبينما كانت
صواريخ المقاومة اللبنانية تدك العديد من المدن والبلدات الإسرائيلية
في خطوة غير مسبوقة على الإطلاق، كانت الوكالة اليهودية العالمية تضع
اللمسات الأخيرة على عملية ترحيل مجموعة جديدة من اليهود القادمين من
دول عدة للعيش في "إسرائيل". وبالفعل فلقد وصلت هذه المجموعة المكونة
من حوالي ألف يهودي يحملون جنسيات مختلفة من الولايات المتحدة وكندا
وبريطانيا، مما يطرح أسئلة كبرى حول دوافع هجرة من هذا القبيل خاصة
وأن الاعتقاد السائد كما ذكرنا يفيد بأن هؤلاء المهاجرين إنما يأتون
إلى «أرض الميعاد» طمعاً بالاستقرار والرخاء والرفاه.
ما سبق
يحيلنا إلى ضرورة البحث الجدي والمسؤول عن الأسباب الحقيقية الكامنة
وراء هذا المسلك الصهيوني الذي ينم، بلا شك، عن بعد آخر غير مادي،
ويحمل بين طياته قناعات عقائدية واسعة لدى مجموع هؤلاء الأفراد
تدفعهم إلى المجيء إلى فلسطين بهدف ممارسة تلك القناعات والذود عنها
وعن ما تجسده على أرض الواقع من مشروع صهيوني تمكن حتى الآن من قضم
بلد عربي كامل وأجزاء من بلدان عربية أخرى، وكل ذلك يأتي في سياق
توجهات الحركة الصهيونية العالمية وتوجيهاتها التي لا تأل جهدا في
سبيل تحقيق مشروعها التوسعي في العالم العربي.
أما لماذا
يتم التطرق لمثل هذا المسلك الصهيوني المعروف على مدار القضية
الفلسطينية، فذلك لأن أدوات وأساليب الحركة الصهيونية العالمية
وربيبتها الدولة العبرية لم تتبدل منذ ما قبل نشوء هذا الكيان المشوه
على أرض عربية، بينما في المقابل، مازلنا نجد على الجانب الفلسطيني
والعربي من يتلفظ بعبارات السلم والسلام ويتعامل بجدية لا بل كخيار
وحيد مع مخلفات عملية «سلمية» أكل عليها الدهر وشرب إن لم نقل أنها
ولدت ميتة أصلاً وذلك ليس برأي جهات يعتبرها الكثيرون متطرفة فحسب
وإنما برأي جهات عربية ودولية رسمية لطالما جنحت للسلم.
وبالتالي،
فإن دوافع هجرة يهود العالم إلى أرض فلسطين العربية إنما تنبع من
قضية معنوية وفكرية ودينية لا علاقة لها بمطامع مادية فردية، بل إنها
مرتبطة كل الارتباط بمشروع جمعي لا حدود لأطماعه، كما أنه جدير، من
وجهة نظر هؤلاء، بالتضحية وبذل الغالي والرخيص لصونه وتطويره.
على الجانب
الآخر، ما لم يتم التعامل، من الجانب العربي، مع القضية الفلسطينية
بشكل علمي وفي إطار الوقائع الملموسة، فإننا سنبقى نحلق فوق قصورنا
العاجية وسنبقى بعيدين كل البعد عن مجريات الأحداث الحقيقة، التي تخص
قضايانا الإستراتيجية.
إنها دعوة
صريحة لاستخلاص العبرة من مسلك العدو نفسه، الذي لا يعرف طريقا
للمواربة واللف والدوران وليس هناك حاجة لكثير عناء للاستدلال على
طبيعة المسلك المقابل والرد المطلوب وما يلزم ذلك من أدوات لازمة
لمواجهة مشروع غير قابع في مخيلة أصحابه فحسب، بل إنه يتمدد بأريحية
مشكلاً أخطبوطاً يبتلع كل من يعترض طريقه في غياب الرد المنشود.
يبقى التأكيد
على أنه مهما حاولنا تقليب أوجه الحلقة الأخيرة هذه من مسلسل الهجرة
اليهودية التاريخي إلى أرض فلسطين، سنجد أنها تصب في دائرة العدوان
المتواصل، سواء اعتبرت تعبئة عسكرية مباشرة هدفها نصرة فلول الاحتلال
الإسرائيلي لجنوبي لبنان وفلسطين أو تم النظر إليها من زاوية البعد
الديمغرافي والذي تراهن عليه الدولة العبرية، أولاً وأخيراً، في حرب
الوجود لا الحدود، التي تخوضها ضد العالم العربي والتي لا يمكن
مواصلة الرد عليها من الجانب الفلسطيني والعربي بدعوات موتورة وربما
مأجورة لسلام واه ليس له وجود حتى في أذهان أصحاب تلك الدعوات أنفسهم.
|