|
إسرائيل: نهاية المنافسة بين اليمين واليسار
رنده حيدر
صحيفة النهار
اللبنانية 27/3/2006
قد يكون أبرز
ما يميز المعركة الانتخابية للكنيست الإسرائيلية أنها تدور للمرة
الأولى من دون زعامات الصف الأول، فأرييل شارون الشخصية التاريخية
المثيرة للجدل ومؤسس حزب "كاديما" يرقد في غيبوبته منذ ثلاثة أشهر
تاركاً نائبه ايهود أولمرت يخرج من الظل ليلعب دور القائد الجديد
الذي قال قبل ثلاثة أيام على الانتخابات إنه لا يرضى بأقل من 40
مقعداً في الكنيست.
أما حزب
العمل الذي تعرض هو أيضاً إلى هزة داخلية قاسية مع خروج زعيم الحزب
السابق شمعون بيريس من صفوفه بعد هزيمته في الانتخابات الداخلية
وانضمامه إلى حزب الوسط الجديد "كاديما" يعاني هو أيضاً من التأثير
السلبي للأصول الشرقية لزعيمه الجديد عمير بيريتس الذي "هشّل" حتى
الآن عدداً من ناخبي حزب العمل من الأشكيناز الذين لا يثقون بزعيم لا
يتقن اللغة الإنكليزية جيداً، ولا يحبذون، لا مظهر شاربيه الكثين،
ولا الطريقة الشعْبَوية التي يتعاطى بها مع الناس.
وحده حزب
الليكود مازال متمسكاً بزعامة بنيامين نتيناهو التي لحقها أيضاً
الكثير من الضعف بسبب أدائه السياسي في حكومة شارون الماضية، وهناك
من يقول إن تراجع التأييد لحزب الليكود يعود في بعضه إلى نتنياهو
الذي لا يوحي بالثقة.
ورغم ذلك
فالانتخابات الإسرائيلية الحالية هي مثل كل الانتخابات السابقة
"مصيرية" كونها ستحدد التوجهات المستقبلية للدولة العبرية في ظروف
إقليمية ودولية بالغة الحساسية والتعقيد، ناهيك بكل المسائل والقضايا
الداخلية الإسرائيلية من مشكلة الفقر إلى التعليم والبطالة وتنظيم
الأمور الاجتماعية العالقة من الزيجات المختلطة والقضايا الخلافية
بين الجمهورين العلماني والمتدين.
ويبقى
الموضوع السياسي الأساسي الذي تتنافس عليه الأحزاب الكبرى هو موضوع
ترسيم الحدود النهائية لدولة "إسرائيل"، وحسم الوجود العسكري
الإسرائيلي في الضفة، وتحديد مستقبل الكتل الاستيطانية الكبرى فيها.
يسوّق حزب
"كاديما" في برنامجه الانتخابي خطته الجديدة لـ"الانكفاء " من مدن
الضفة داخل حدود "إسرائيل" الدائمة في إطار انسحاب من طرف واحد وضم
الكتل الاستيطانية الكبرى إلى "إسرائيل" وإبقاء القدس الموحدة عاصمة
لإسرائيل، مع فتح الباب لمناقشة السيادة على الأحياء العربية وعلى
الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية.
ويستخدم
الحزب حجتين أساسيتين للدفاع عن انسحاب إسرائيلي جديد من المناطق
الفلسطينية؛ الحجة الأولى ديموغرافية، ففي رأي الحزب أن المهمة
الأولى التي تقع على المسؤولين الإسرائيليين هي الدفاع عن يهودية
الدولة، فاستمرار السيطرة على الأراضي الفلسطينية يشكل خطراً كبيراً
على الطابع اليهودي للدولة، من هنا يعتبر الحزب أنه على "إسرائيل"
القيام بأسرع وقت ممكن بالانفصال عن الفلسطينيين والانكفاء إلى حدود
يمكن الدفاع عنها. أما الحجة الثانية التي يستخدمها للدفاع عن خطته
الأحادية فهي: أن فوز حركة "حماس" قطع الطريق على أي إمكان حوار أو
مفاوضة مستقبلية معها، فلا وجود لشريك فلسطيني، و"إسرائيل" لن تنتظر
20 عاماً آخر كي تعترف "حماس" بوجودها، وتدخل في مفاوضات معها، لذا
ستعتمد "إسرائيل" على نفسها وعلى تفاهمها مع المجتمع الدولي بهذا
الشأن.
الفارق
الأساس بين حزب العمل و"كاديما" في هذه النقطة أن العماليين وهم في
الأساس أصحاب فكرة الفصل، لا يؤيدون انسحاباً جديداً من طرف واحد ومن
دون حوار واتفاق مع الفلسطينيين، وإذا كانوا يدينون "حماس"
ويعتبرونها منظمة إرهابية، فهم يقبلون بالتفاوض مع أبو مازن، وسبق
لزعيمهم أن التقاه خلال حملته الانتخابية. في رأيهم خطة "الانكفاء"
التي يقترحها أولمرت تبسيطية وساذجة، فكيف سيكون بإمكان "إسرائيل"
التقوقع داخل أسوار الفصل وترك جارتها الدولة الفلسطينية تحت سلطة
الحركات الأصولية الإسلامية من دون أن تعرض أمنها للخطر؟
من جهته
يستخدم حزب الليكود سياسة التخويف التي يستعملها عادة في معاركه
الانتخابية، والموضوع هذه المرة خطة أولمرت للانسحاب الأحادي من
الضفة واقتلاع أكثر من 100 ألف مستوطن وتقسيم مدينة القدس وغيرها من
الذرائع التي يحرض بها نتنياهو الجمهور اليميني، وبصورة خاصة جمهور
المستوطنين.
يتوجه
نتنياهو إلى الإسرائيليين محذراً بأن "كاديما" سيقدم لـ"حماس" فرصة
تحقيق فوز جديد على الصهيونية بانسحابه من الضفة، ويقول لهم إن
اقتراعهم إلى جانب أولمرت هو اقتراع على التنازل عن القدس وتقسيم أرض
"إسرائيل".
ولكن لا تبدو
المعركة الانتخابية الدائرة ذات طابع أيديولوجي، لأكثر من سبب. فضعف
الحزبين الكبيرين: الليكود والعمل، وصعود نفوذ حزب الوسط الجديد
"كاديما" أضعف أيضاً من حدة الاستقطابات نظراً إلى أن الفروقات في
الرؤية السياسية بين الأحزاب لحل النزاع مع الفلسطينيين تكاد تكون
على التفاصيل وليس على الجوهر، وأبرز دليل على ذلك الثبات في
استطلاعات الرأي التي أعطت باستمرار حزب "كاديما" غالبية لا تقل عن
36 مقعداً في الكنيست المقبلة مقابل 20 مقعداً لحزب العمل و14 إلى 15
مقعداً لليكود، و9 إلى 10 مقاعد لحزب "شاس"، و8 الى9 مقاعد للأحزاب
العربية و8 الى10 مقاعد لحزب المهاجرين الروس "إسرائيل بيتنا" و9
الى11 مقعداً لحركة" ميريتس" اليسارية وأخيراً 5 مقاعد لحزب الحريديم
"يهدوت هاتوراه".
وبما أن
الانتخابات الماضية أثبتت دقة التوقعات التي تخرج بها استطلاعات
الرأي، ليس لدى الإسرائيليين شك في الفائز في الانتخابات منذ الآن،
لا بل انتقل النقاش إلى صورة الائتلاف الحكومي المقبل الذي سيتزعمه
أولمرت، وبدأ توزيع الحقائب بين أعضاء حزب "كاديما"، وأخذت الإشارات
والتلميحات تذهب في أكثر من اتجاه إلى حد أن بعض الأحزاب يحرص في
حملته الانتخابية على استخدام لغة لا تهدد فرص دخوله الائتلاف
المقبل.
وخارج
المعركة الدائرة بين الأحزاب الكبرى، تتنافس ثلاثة أنواع من الأحزاب
التي هي أيضاً تخوض معركة ضارية على تمثيلها في الكنيست المقبلة.
هناك أولاً ما يصطلح على تسميته الصوت الروسي للمهاجرين الروس إلى
"إسرائيل" والذين يمثلهم هذه المرة بصورة أساسية حزب "إسرائيل بيتنا"
بزعامة أفيغدور لبيرمان وهو يعكس التوجه اليميني الاشكينازي وسط
هؤلاء، ويحظى بتأييد ما نسبته 25 في المئة من مجموع أصوات الناخبين
الروس. يقترع هؤلاء اقتراعاً احتجاجياً وقد سبق لأولمرت إعلان أن حزب
ليبرمان لن يتمثل في ائتلافه الحكومي إذا ظل على مواقفه الرافضة لخطط
الانفصال الأحادية عن الفلسطينيين. وتوزع سائر الناخبين الروس
كالآتي: 12 إلى 15 في المئة يصوتون للأحزاب اليسارية، والباقيون
يتوزعون على الليكود وعلى حزب "شاس" لا سيما من كانوا من أصول
سفاردية (من دول آسيا الوسطى والقوقاز).
الكتلة
الثانية التي لا تقل أهمية هي كتلة الأحزاب العربية التي تواجه هذه
المرة استحقاقا مهماً فهي بحاجة إلى مشاركة 60 في المئة من الناخبين
لضمان فوزها بمقاعدها في الكنيست. والى جانب حض العرب على الاقتراع
تتركز الجملة الانتخابية للأحزاب العربية على التصويت للقوائم
العربية دون غيرها من الأحزاب. وقد شهدت الحملة الأخيرة تحركاً في
اتجاه انتخاب قيادة سياسية تمثل الأقلية العربية في "إسرائيل" تخوض
الانتخابات في لوائح مشتركة موجهة إلى العرب دون غيرهم، وترافق ذلك
مع الدعوة لإنشاء لجنة متابعة عليا قد تتحول إلى برلمان عربي داخل
"إسرائيل". ورغم عدم نجاح المبادرة تشكيل قوائم مشتركة تأمل الأحزاب
العربية بمشاركة كثيفة للعرب في "إسرائيل" تمكنها من الفوز.
تبقى الأحزاب
المتديّنة أو الحريدية وعلى رأسها حزب "شاس" الذي يمثل المتدينين من
أصول يهودية شرقية، وحزب " يهدوت هاتواره" الممثل للحريديم من
الأشكيناز. غالباً ما تعتمد هذه الأحزاب على انصياع ناخبيها للفتاوى
التي يصدرها الحاخام والتي تجعل من الانتخاب للحزب "فريضة". تماماً
مثلما حذر الحاخام الأكبر للحزب أن كل من ينتخب حزب "كاديما" سيذهب
إلى النار.
يتوقع
المراقبون أن تبلغ نسبة الإقبال على الاقتراع 110 في المئة فالأموات
عند الحريديم يقترعون أيضاً، ويراهن المتدينون على عدم حماسة الجمهور
العلماني على المشاركة في التصويت، كي يحققوا لأنفسهم نتائج أفضل.
ومع ذلك فمن غير المتوقع حدوث مفاجآت كبيرة على صعيد حظوظ هذه
الأحزاب التي على الأرجح ستحافظ على مقاعدها السابقة أو تعمل على
توسيع تمثيلها كما يطمح حزب "شاس" الذي يرغب في أن يصبح شريكاً
لأولمرت في الحكومة المقبلة.
انطلاقاً
مما سبق، نتائج الانتخابات الإسرائيلية لن تأتي بتجديد كبير في حال
صحت التوقعات بفوز حزب الوسط الذي يقوده أولمرت، ومع ذلك فتركيبة
الكنيست الجديدة ستحدد موازين القوى بين الأحزاب، وأهم ما فيها زوال
مرحلة المنافسة بين اليمين واليسار لتبدأ مرحلة أحزاب الوسط الجديدة
الممثلة للإجماع الإسرائيلي الجديد الذي يعكس مرحلة ما بعد
الصهيونية.
|