الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

عودة

 

 

المجتمع الإسرائيلي كما تعكسه صحافته

 

أ. د. مصطفى رجب

صحيفة الشرق القطرية 7/5/2006

 

لاشك أن "إسرائيل" في نظامها السياسي تريد أن تكون دولة عصرية.. إذ إن الأسلوب الديمقراطي الذي تدار به العملية السياسية داخل "إسرائيل"، وتداول السلطة وصعود أحزاب صغيرة وهبوط مستوى أداء أحزاب كبرى، وتقديم مصلحة "إسرائيل" على أية مصالح أخرى يؤهل "إسرائيل" لأن تكون دولة عصرية من الناحية السياسية.

 

لكن إذا ابتعدنا قليلاً عن الجانب السياسي وتوغلنا داخل أعماق المجتمع الإسرائيلي نفسه.. لو جدنا الأمر مختلفا تماماً.. فما رأيك عزيزي القارئ.. لو تعرفنا على جوانب الحياة المختلفة داخل المجتمع الإسرائيلي.. والمشاكل التي قد تكون واقعة في مكان لا تسلط عليه الأضواء.

 

العلوم الإنسانية.. لا للتوظيف:

لا يستطيع أي مجتمع أن يتخلى عن روحه.. والدراسات الإنسانية في أي مجتمع هي بمثابة الروح كذلك المجتمع الإسرائيلي لا يستطيع أن يتخلى عن تدريس العلوم الإنسانية والروحانية واليهودية.. ولكن هل يستطيع من يتخرج من كلية الآداب مثلاً أن يجد عملاً بسهولة؟

 

هذا التساؤل يجيب عنه مقال نشرته جريدة هآرتس بتاريخ 9/1/2006 بقلم: «دافيد أساف» وهو بعنوان: «لا للتخلي عن الروح».. قال فيه:

«في كل عام يعقد في جامعة تل أبيب، مؤتمر التوظيف» فعلاً هذا المؤتمر تقام معه مجموعة من الأنشطة وتثار ضوضاء شديدة داخل الحرم الجامعي تجذب المئات من الطلاب القلقين على مستقبلهم فهم يهتمون، ويملأون الاستمارات ويمكن الافتراض بأن جزءاً كبيراً منهم يجد هناك مستقبله المهني،... لكن ليس هناك من يعرض عملاً أو فرصة للجمهور المحدود من الطلبة المثقفين، الذين آثروا تكريس أفضل سنوات عمرهم للدراسة في مجال الدراسات الإنسانية، والتخصص في مجال الدراسات الإنسانية أو التاريخ أو الفلسفة.... ويبدو أن هذه العلوم المعرفية التي تعد الأساس الروحاني لكل مجتمع قويم وأساس كل شيء جميل وخلاب في عالمنا، وليست سلعة مغرية للتجار، ينظر خريجو هذه الكليات بحزن وإحباط إلى مجموعة الفرص المعروضة لأصدقائهم من كليات العلوم، وإدارة الأعمال، وعلوم المحاسبات.. والنتيجة هي تدهور حال كليات الآداب وخلوها من الطلاب وباتت هذه الأزمة تمثل ظاهرة تهدد أركان الثقافة في "إسرائيل".

 

والحقيقة وبعيداً عن الثقافة أيضاً فإن هذه الظاهرة أو المشكلة التي عرضنا لها في السطور السابقة ليست ـ من وجهة نظري ونظر غيري ممن ينظرون إلى الدولة العصرية بأنها دولة اقتصادية ـ بالدرجة الأولى ـ مشكلة على الإطلاق بل نستطيع أن نسميها نظرة مستقبلية ومجاراة للواقع ويجب أن تلبي السياسة التعليمية في أي بلد حاجة السوق وتوفر رجالاً أكفاء للقيام بذلك والنهوض باقتصاد ذلك البلد. ولقد رأينا كيف فعلت سياسات ربط التعليم بسوق العمل في النهوض باقتصاد هذا البلد أو ذاك من تلك البلاد التي تبنت تلك السياسة. ولقد رأينا كيف فعلت العقوبات الاقتصادية والحصار الاقتصادي فعل السحر في «تركيع» بعض الدول! وهذا كله دون إغفال الجانب الثقافي الذي يكون بمثابة عقل الأمة وروحها وبدون العقل سيصيبها الخبل والجنون والضياع حتماً..

 

فهل من حق المجتمع الإسرائيلي أن يتخلى عن العلوم الروحانية واليهودية ويتركها تواجه الاحتضار سعياً وراء فرص العمل والتعليم المنتج؟

 

أجاب دافيد أساف عن هذا التساؤل بقوله:

.. يبدو أنه ليس هناك شخص مثقف يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال بالإيجاب. فأولئك الذين يعد تطوير وتأسيس هويتهم الثقافية، والدينية والقومية أمراً مهماً جداً بالنسبة لهم، والتعليم والمعرفة الإنسانية هي التي تشكل عالمهم، ليس بمقدورهم التخلي عن هذه المجالات. إذن كيف سيقضى مديرو البنك أو المحاسبون أوقات فراغهم؟ ومن الذي سيريدهم الأطباء والمحللون كمدرسين لأبنائهم؟

 

عندما أسال - والكلام ما زال لديفيد أساف - الأطباء أو رجال القانون ما المهنة الثانية التي كانوا يريدون أن يتعلموها، غير المهنة التي اختاروها لأسباب مادية؟ يجيبون بوجه عام: تاريخ الفن، التاريخ، الأدب والفلسفة، هذا غذاء الروح، ولكننا في النهاية مطالبون بأن نجد مصدراً للدخل هكذا يقولون.

 

للتعليم شأن آخر:

إن نظم التعليم في كل الدول تقريباً تكاد تكون واحدة، أو متشابهة، فالنظام التعليمي يعد نظاماً معقداً إذا قورن بالأنظمة الأخرى في البلد الواحد، و"إسرائيل" مثلها مثل كثير من الدول، يخضع نظام التعليم فيها لاعتبارات سياسية واقتصادية لا يمكن تجاوزها بسهولة.

 

فالتعليم في "إسرائيل" يتأثر كثيراً بتعدد الوزارات والهيئات، أيضاً يعد ضعف القانون المنظم لعمل جهاز التربية والتعليم وخصوصاً في نطاق تطبيق ذلك القانون سبباً مباشراً في تعقيد النظام التعليمي داخل "إسرائيل"، وقد تأثر جهاز التربية والتعليم كغيره من الأجهزة الأخرى في الدول بعملية الخصخصة التي تمر بها "إسرائيل".

 

وبالرجوع إلى دليل "إسرائيل" عام 2004 ص 297 نكتشف أن عدداً كبيراً من الوزارات، والهيئات الرسمية، وغير الرسمية يتقاسم المهمات والأدوار في عملية التربية والتعليم في "إسرائيل" وهناك تعددية بارزة في ملكية مؤسسات التعليم، ومصادر تمويلها، وإدارتها، والمناهج التي تدرسها.

 

ومن هنا تجدر الإشارة إلى مساومات متواصلة بين السلطة المركزية والهيئات والمنظمات المتعددة تؤدي إلى تقسيم عمل تتفاوت درجات وضوحه وإلى ترتيبات دائمة أو مؤقتة لا تنص عليها القوانين المتعلقة بالتعليم.

 

ونحن في هذا المجال لا نهتم كثيراً بتلك التقسيمات التي ليست هي الهدف من وراء كتابة هذه السطور، إنما الهدف هو: هل يحتاج التعليم الصهيوني إلى إصلاحات جذرية في "إسرائيل" كسائر الدول العربية؟ يجيب على هذا التساؤل «شالوم تسورئيل» في مقاله بعنوان: «الإصلاح القادم في "إسرائيل"» والذي نشر في جريدة «هاتسوفيه» بتاريخ 24/1/2006 حيث يقول: «إنني على استعداد للمراهنة على أنه مع استقالة وزيرة التعليم «ليمور ليفنات» سيتم نسيان الإصلاح في جهاز التعليم الذي اقترحه شلومو دفرات...»، وهذه مراهنة مفتوحة بلا حدود؛ لأن هذا هو مصير كل الإصلاحات التربوية التي شهدها الجهاز التعليمي في أغلب السنين.. فهذه العادة المقيتة تأصلت في الجهاز التعليمي: كل وزير تعليم محترم يبدأ خطواته الأولى في وضع برنامج إصلاح فوري للجهاز التعليمي على اعتبار أن الإصلاح الفوري يخلد عادة بصمات الوزير. وهو هنا لا يكتفي بإصلاحات عادية، بل يهدف لأن تحدث هذه الإصلاحات هزة قوية في الجهاز التعليمي.

 

وهذا الأمر في مجمله يذكرنا بالنظم التعليمية في كل البلدان العربية، حيث تحتاج جميعها إلى إصلاحات جذرية وليست «مرقعة» تختفي مع الوزير الذي أعلنها».

 

ويضيف «شالوم تسورئيل»:

واليوم فقط أدركنا أن كافة الإصلاحات لم تكن في صالح الجهاز التعليمي. وهذا ما يتضح من البيانات التي تنشر سنوياً وتفيد بأن الجهاز التعليمي في "إسرائيل" يحتل مكاناً مهمشاً مقارنة بالدول المتقدمة.

 

ومثلها مثل معظم الدول العربية لم تهتم "إسرائيل" أو كل الإصلاحات التي شهدها ويشهدها الجهاز التعليمي حتى وقتنا هذا بمكانة المدرس الأدبية والمادية أو راحته واستقراره وهبوط مستوى أدائه واتجهت الإصلاحات في "إسرائيل" وسائر الدول العربية إلى عدد الساعات الدراسية أو عدد التلاميذ في الفصل الواحد أو عملية بناء مدارس جديدة أو ضغط المناهج أما المدرس ذاته ودوره في العملية التعليمية برمتها وواجبه وحقوقه فهذه لم تكن في حسبان أولئك الذين قاموا بالإصلاحات حتى الآن.

 

وفي ختام مقاله يقول شالوم تسورئيل:

لقد حان الوقت لإجراء إصلاح في هذا المجال يوفر للجهاز الآليات المناسبة التي تساعده في التعرف على الإنتاجية الدراسية والتربوية للمدرس، لأنه مادام لم يتم التفريق بين مدرس وآخر بموجب حجم إنجازات الطلاب، لن يكون هناك حافز لدى المدرسين لبذل المزيد من الجهد، لأن ذلك لن يعود عليهم بالنفع كما أن الجهاز التعليمي لن يعترف بفضلهم.

لن يحدث التحول المأمول في حجم الإنجازات والتفوق في الجهاز التعليمي إلا عن طريق إصلاح يحدث انقلاباً في هذا المجال.

 

والحقيقة أنني أوافق تسورئيل على رأيه هذا فلا إصلاح في أي بلد متحضر يريد تقدماً ونهضة إلا بإصلاح الحال العام للمدرس والارتقاء بمستوى أدائه والاهتمام كثيراً بمكانته الاجتماعية والأدبية والمادية وأيضاً التفريق والتمييز بين مدرس ينتج ومدرس ضعيف الإنتاج... وهكذا يكون إصلاح الجهاز التعليمي.